مقالات

دمياط بين الصمت الرسمي وحسابات الأمن القومي.. لماذا لا تُعلن الدولة كل ما تعرفه؟

بقلم : يوحنا عزمي

يثير ما جرى في دمياط تساؤلات مشروعة لدى الرأي العام : هل سترد الدولة؟ ولماذا لا تعلن كل ما لديها من معلومات؟ وهل يعني الصمت غياب القرار أم أنه جزء من طريقة إدارة الأزمة؟

هذه الأسئلة لا ينبغي التعامل معها باعتبارها تشكيكاً، بل باعتبارها انعكاساً طبيعياً لقلق مواطن يريد الاطمئنان على أمن بلاده في ظل تطورات إقليمية غير مسبوقة.

لكن في المقابل ، هناك فارق جوهري بين مواطن يشعر بالقلق فيطرح الأسئلة بحثاً عن الحقيقة، وبين من يستغل أي أزمة لتصفية الحسابات السياسية أو لنشر الشائعات أو لدفع المجتمع نحو استنتاجات متسرعة. فالدول لا تدير الأزمات بمنطق ردود الفعل الشعبية، وإنما بمنطق حسابات الأمن القومي، وهي حسابات غالباً ما تكون أكثر تعقيدًا مما يظهر للرأي العام.

حادث بحجم ما شهدته دمياط، إذا ثبت أنه يمثل تطوراً أمنياً غير معتاد ، لا يمكن التعامل معه بعقلية البيانات السريعة أو الكشف الفوري عن جميع التفاصيل. فالدولة لا تتحرك فقط لإبلاغ المواطنين بما حدث، وإنما لحماية ما هو أهم، وهو سير التحقيقات، وجمع الأدلة ، وتحديد المسؤول الحقيقي بعيداً عن الضغوط الإعلامية أو الحملات الإلكترونية التي قد تسعى إلى توجيه الرأي العام نحو روايات تخدم أطرافاً خارجية.

كما أن الإعلان المبكر عن تفاصيل غير مكتملة قد يمنح الجهة المنفذة فرصة لإخفاء آثارها أو تغيير وسائل عملها أو تعطيل جهود التتبع. لذلك فإن التأني في الكشف عن المعلومات لا يعني بالضرورة وجود غموض مقصود بقدر ما قد يعكس طبيعة العمل الأمني والاستخباراتي، الذي يعتمد في كثير من الأحيان على الصبر أكثر من اعتماده على سرعة التصريحات.

ولا يمكن إغفال أن مصر، بحجمها السكاني وموقعها الجغرافي، تمثل ساحة دائمة لمحاولات التأثير الإعلامي والنفسي. ففي عصر الحروب الهجينة، لم تعد المعركة تقتصر على الصواريخ والطائرات المسيّرة، بل أصبحت تدور أيضاً عبر الشاشات ومنصات التواصل الاجتماعي، حيث يمكن للشائعة أن تحقق ما قد تعجز عنه بعض العمليات العسكرية، إذا نجحت في إثارة الذعر أو دفع المجتمع إلى الانقسام أو الضغط لاتخاذ قرارات متسرعة.

من هنا، يصبح من الطبيعي أن توازن الدولة بين حق المواطنين في المعرفة وبين مقتضيات الأمن القومي. فليس كل ما يُعرف يُعلن في التوقيت نفسه ، وليس كل ما يُعلن يكون كاملًا منذ اللحظة الأولى، لأن إدارة المعلومات أصبحت جزءًا أصيلًا من إدارة الصراع.

وفي هذا السياق، تداولت بعض مراكز الدراسات والجهات البحثية الدولية تحليلات وتقديرات حول الكيفية التي قد تتعامل بها مصر مع مثل هذا النوع من الأحداث. وهذه التقديرات، بطبيعتها، لا تمثل معلومات مؤكدة أو بيانات رسمية، وإنما تعكس قراءات مبنية على خبرات سابقة وأنماط سلوك الدول في إدارة الأزمات.

وتذهب بعض هذه التقديرات إلى أن القاهرة قد تعتمد على أدوات تقنية واستخباراتية متقدمة لتتبع مسار الهجوم وتحديد بصمته الإلكترونية ، مع تجنب إعلان هوية المسؤول قبل اكتمال الأدلة الفنية بشكل قاطع. كما ترجح أن يكون أي رد محتمل، إذا تقرر، أقرب إلى الإجراءات الاستخباراتية أو الأمنية الهادئة التي تستهدف شبكات الدعم أو العناصر المساندة، بدلًا من الاكتفاء بردود إعلامية أو عسكرية معلنة.

وتشير تحليلات أخرى إلى احتمال اتخاذ إجراءات احترازية لتعزيز أمن الموانئ وحركة الملاحة، بالتوازي مع تكثيف التعاون الأمني مع دول شرق المتوسط ، باعتبار أن حماية الممرات البحرية لم تعد مسؤولية دولة واحدة، بل أصبحت جزءًا من منظومة أمن إقليمي تتداخل فيها المصالح الاقتصادية والعسكرية.

وسواء تحققت هذه السيناريوهات أو لم تتحقق، فإن الثابت هو أن الحكم على أداء الدولة في مثل هذه الملفات لا ينبغي أن يُبنى على ما يُعلن في الساعات الأولى، وإنما على النتائج التي تظهر بعد انتهاء التحقيقات واتضاح الصورة كاملة. فالأزمات الأمنية لا تُقاس بسرعة التصريحات، وإنما بدقة القرارات وقدرتها على حماية الدولة ومنع تكرار التهديد.

وفي ظل المشهد الإقليمي شديد التعقيد، يصبح التروي في إصدار الأحكام ضرورة وطنية، لا دعوة إلى الصمت أو إلغاء حق الناس في التساؤل. فمن حق المواطنين أن يطالبوا بالشفافية ، ومن حق الدولة أن تختار التوقيت المناسب للإعلان عن المعلومات التي لا تضر بسير التحقيقات أو بالأمن القومي. وبين هذين الحقين تبقى المسؤولية مشتركة؛ مسؤولية الدولة في إدارة الأزمة بكفاءة، ومسؤولية المجتمع في التمييز بين المعلومة والتحليل، وبين الحقيقة والشائعة، حتى لا يتحول القلق المشروع إلى أداة تستخدمها أطراف أخرى لتحقيق أهداف لا تخدم مصلحة الوطن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى