إثيوبيا والنيل الأزرق.. عندما تتحول تصريحات أديس أبابا إلى مشروع نفوذ طويل الأمد

✍️ يوحنا عزمي
هناك شيء قد لا يعجب كثيرين ، وربما يثير جدلًا واسعاً ، لكنني أعتقد أن تجاهله أخطر بكثير من مواجهته بصراحة: المعركة التي اندلعت خلال الساعات الماضية حول ما نقلته قناة «العربية» بشأن تصريحات وزير المياه والطاقة الإثيوبي هبتامو إيتيفا ، في رأيي، أخذت مساراً خاطئاً من الأساس.
منذ ظهور التصريحات، تحولت المسألة سريعاً إلى حالة من الهجوم على القناة، وظهرت اتهامات بأنها اجتزأت كلام الوزير أو نسبت إليه تصريحات لم يقلها ، بينما دخل جزء من الخطاب الإعلامي المصري في مواجهة مع الوسيلة التي نقلت التصريحات بدلًا من التوقف أولًا أمام السؤال الأهم: ماذا قال المسؤول الإثيوبي فعلًا؟ وما الذي تعنيه تصريحاته إذا ثبتت صحتها في سياقها الكامل؟
وهنا تحديدًا يجب أن نفرق بين أمرين: تقييم أجندة الوسيلة الإعلامية التي نقلت الخبر، وبين تقييم مضمون التصريحات المنسوبة إلى المسؤول الإثيوبي. من حقنا، بل ومن واجبنا، أن ننتقد أي وسيلة إعلامية ونفحص دوافعها وطريقة صياغتها للخبر، لكن ذلك لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة للهروب من مضمون التصريح نفسه.
وبحسب مراجعة اللقاء الكامل باللغة الأمهرية وترجمة مضمونه، فإن القضية ليست مجرد جملة مبتورة أو عنوان صحفي صادم. فالمضمون المنقول عن الوزير يتجاوز الحديث التقليدي عن سد النهضة، إلى تصور إثيوبي أوسع يتعلق بإدارة موارد النيل الأزرق والتحكم في تدفق المياه بما يتوافق مع المصالح الإثيوبية.
وهنا تكمن خطورة المسألة.
إذا كانت التصريحات قد نُقلت بالفعل في سياقها الصحيح ، فنحن لا نتحدث فقط عن مسؤول إثيوبي يكرر الموقف المعروف لبلاده بشأن سد النهضة ، وإنما أمام خطاب سياسي يعكس رؤية استراتيجية تعتبر أن امتلاك القدرة على تخزين المياه والتحكم في جزء أساسي من منابع النيل يمنح أديس أبابا نفوذاً طويل الأمد على دول المصب.
والأخطر أن الحديث ، وفق المضمون الذي ظهر في المقابلة، لم يتوقف عند سد النهضة باعتباره مشروعاً منفرداً، وإنما تطرق إلى إمكانية بناء سدود أخرى على أنهار مرتبطة بمنظومة النيل الأزرق.
وهنا يجب أن نتوقف قليلًا.
لأن المشكلة الحقيقية ليست في أن قناة إعلامية قالت إن مسؤولًا إثيوبيًا تحدث عن سدود جديدة. المشكلة الحقيقية هي: ماذا يعني أن تتحول فكرة إنشاء سدود جديدة إلى جزء من التصور الاستراتيجي الإثيوبي للمياه؟
منذ سنوات، لم تتعامل إثيوبيا مع ملف النيل باعتباره مجرد مشروع لتوليد الكهرباء. سد النهضة كان ، ولا يزال ، جزءًا من مشروع أكبر لإعادة تعريف موقع إثيوبيا في منظومة مياه النيل، وفي علاقتها بدول المصب ، وفي ميزان القوة الإقليمي ككل.
وهذا لا يعني بالضرورة أن كل تصريح إثيوبي يمثل قراراً رسمياً نهائياً أو أن كل مشروع معلن سيتم تنفيذه غداً. لكن الخطأ الأكبر هو التعامل مع التصريحات الاستراتيجية باعتبارها مجرد كلام للاستهلاك الإعلامي.
الدول لا تبني نفوذها فقط بالقرارات التي تنفذها اليوم، وإنما أيضاً بالأفكار التي تكررها لسنوات، وبالمشروعات التي تطرحها تدريجياً، وبالحقائق الجديدة التي تحاول فرضها على الأرض قبل أن يتحول المجتمع الدولي إلى التعامل معها باعتبارها أمراً واقعاً.
وهنا أرى أن المشكلة المصرية الحقيقية ليست في قناة «العربية» أصلًا.
حتى لو افترضنا أن للقناة أجندة تحريرية أو سياسية لا تتطابق مع المصالح المصرية ، فهذا لا يلغي السؤال الأساسي : لماذا نسمح لأنفسنا بأن تتحول القضية من مضمون التصريحات الإثيوبية إلى معركة مع وسيلة الإعلام التي نقلتها؟
هذه نقطة يجب أن نتوقف أمامها بجدية.
عندما يصبح رد الفعل الأساسي هو مهاجمة الشاشة بدلًا من تفكيك الرسالة التي ظهرت عليها ، فنحن نكون قد انتقلنا من مواجهة المشكلة إلى مواجهة انعكاسها.
القضية ليست «العربية» وحدها، ولن تنتهي المشكلة إذا أغلقت القناة أو حُذفت مقاطعها أو تم التشكيك في نواياها. إثيوبيا ستظل موجودة ، ومشروعها المائي سيظل قائماً ، وسد النهضة سيظل حقيقة على الأرض، وأي خطط مستقبلية لتوسيع منظومة السدود ستظل بحاجة إلى قراءة مصرية استراتيجية لا إلى رد فعل انفعالي.
الأخطر من ذلك أن التعامل مع الملف بهذه الطريقة قد يجعلنا نقع مرة أخرى في الخطأ نفسه الذي وقعنا فيه لسنوات: التعامل مع كل تطور باعتباره أزمة منفصلة ، بدلًا من النظر إلى الصورة الكاملة.
إثيوبيا لا تتحرك ، من وجهة نظري ، باعتبارها دولة تنتظر ردود أفعال الآخرين. هي تعمل وفق تصور طويل الأمد لمصالحها، وتبني هذا التصور تدريجياً سياسياً واقتصادياً وإعلامياً ومائياً.
وهذا هو الفارق بين الدولة التي تخطط، والدولة التي تكتفي بالرد.
لا يكفي أن نصدر بياناً بعد تصريح إثيوبي. ولا يكفي أن نستنكر. ولا يكفي أن نرد على مقابلة تلفزيونية. ولا يكفي أن ندخل في معركة مع صحيفة أو قناة أو منصة إلكترونية.
الحرب الحقيقية في مثل هذه الملفات ليست حرب تصريحات فقط، وإنما حرب روايات ومعلومات وشرعية دولية.
إثيوبيا تحاول أن تقدم نفسها أمام أفريقيا والعالم باعتبارها دولة تمتلك حق التنمية واستغلال مواردها الطبيعية، بينما تحاول مصر والسودان التأكيد على حقوق دول المصب وعدم الإضرار بمصالحهما المائية.
ومن هنا فإن امتلاك الرواية الدولية لا يقل أهمية عن امتلاك أدوات التفاوض والضغط السياسي.
وهنا أيضاً أعتقد أن الإعلام المصري يحتاج إلى تطوير أدواته بشكل أكبر بكثير.
ليس المطلوب أن يتحول الإعلام إلى ماكينة تخويف أو خطاب تعبئة دائم، وليس المطلوب كذلك أن يهاجم كل وسيلة إعلامية تنقل موقفاً إثيوبياً. المطلوب هو شيء أكثر احترافية وتأثيراً : الوصول إلى الجمهور الأفريقي والعالمي بلغاته، وتقديم الوثائق، وتحليل التصريحات، ومقارنة المواقف الرسمية، وكشف التناقضات، وشرح تأثير أي خطوة إثيوبية على دول حوض النيل.
إذا كانت إثيوبيا تخاطب أفريقيا بلغاتها، فعلينا أن نخاطب أفريقيا بلغاتها.
إذا كانت تمتلك منصات إعلامية تعمل باستمرار على تشكيل صورتها أمام العالم ، فعلينا أن نمتلك القدرة نفسها.
وإذا كانت هناك رواية إثيوبية تحاول ترسيخ فكرة أن مياه النيل مورد سيادي تتحكم فيه دولة المنبع وحدها، فالمواجهة الحقيقية ليست بالصراخ في وجه قناة نقلت هذه الرواية ، وإنما بتقديم رواية قانونية وسياسية وتاريخية ومائية أكثر قوة وإقناعاً أمام الرأي العام الدولي.
أما الحديث عن وجود دعم أو توجيه من أطراف خارجية، بما في ذلك إسرائيل، فيجب أن نتعامل معه أيضاً بمنهج مختلف. لا يكفي إطلاق الاتهامات العامة أو تحويل كل تحرك إثيوبي إلى مؤامرة خارجية. المطلوب هو تقديم الأدلة ، وفهم طبيعة العلاقات والمصالح وشبكات النفوذ، وتحديد ما هو ثابت وما هو تحليل وما هو احتمال.
لأن أخطر شيء يمكن أن نفعله في مواجهة خصم يمتلك مشروعاً واضحاً هو أن نسمح للعاطفة بأن تحل محل المعلومات.
المسألة في النهاية ليست إثبات أن «العربية» مخطئة أو مصيبة.
المسألة أكبر من ذلك بكثير.
السؤال الذي يجب أن يشغلنا هو: ماذا تريد إثيوبيا أن يكون شكل منظومة النيل خلال السنوات العشر أو العشرين المقبلة؟ وهل نحن نمتلك تصورًا مصرياً موازياً للتعامل مع هذا المستقبل ، أم أننا سنظل ننتظر كل تصريح إثيوبي جديد حتى نرد عليه؟
إذا كانت هناك بالفعل نية إثيوبية لبناء سدود جديدة على روافد النيل الأزرق ، فهذه ليست مسألة إعلامية عابرة ، وإنما تطور استراتيجي يستحق الدراسة والتحرك المبكر.
وإذا لم تكن هناك خطة تنفيذية فعلية ، فعلينا أيضاً أن نعرف ذلك بدقة، وأن نضع التصريحات في سياقها الحقيقي، بدلًا من تحويلها إلى حالة ذعر أو معركة إعلامية.
في الحالتين ، المعرفة الدقيقة أفضل من الإنكار.
والتحليل أفضل من الانفعال.
والتحرك المبكر أفضل من انتظار وقوع الأمر الواقع.
لذلك ، أعتقد أن أكبر خطأ يمكن أن نرتكبه الآن هو أن نستهلك طاقتنا في السؤال: «هل قالت العربية الحقيقة؟» وننسى السؤال الأهم: «ماذا تقول إثيوبيا عن مستقبل النيل؟ وماذا تفعل على الأرض؟ وماذا يجب أن نفعل نحن؟»
هذه هي المعركة الحقيقية.
أما الشاشة التي نقلت الخبر، فيمكن مهاجمتها أو الدفاع عنها أو الاختلاف معها، لكن ذلك لن يغير مجرى النيل، ولن يغير خطط إثيوبيا، ولن يلغي حقيقة أن ملف المياه أصبح واحداً من أخطر ملفات الأمن القومي المصري لعقود مقبلة.
وفي النهاية ، هذا ليس خطاب تخويف ، ولا دعوة إلى الذعر ، وإنما دعوة إلى أن نتعامل مع الملف بعقل الدولة التي تعرف حجم مصالحها ومخاطرها.
لأن الدول لا تخسر فقط عندما تكون أضعف من خصومها، وإنما قد تخسر أيضًا عندما تتأخر في فهم ما يخطط له الآخرون.
والتاريخ في مثل هذه الملفات لا يرحم من يكتفي بمراقبة الأحداث بعد وقوعها.



