العالم الإسلامي أمام فرصة تاريخية : قطب خامس أم ساحة نفوذ؟

✍️ يوحنا عزمي
العالم يتجه بصورة متسارعة نحو إعادة تشكيل عميقة في بنية النظام الدولي، وربما نحن أمام واحدة من أكثر اللحظات المفصلية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فالنظام الذي استند لعقود طويلة إلى هيمنة قطب واحد تقوده الولايات المتحدة يواجه اليوم تآكلاً متزايداً ، ليس بالضرورة بمعنى سقوط القوة الأمريكية أو انتهاء نفوذها ، وإنما بمعنى أن قدرتها على فرض قواعد اللعبة منفردة لم تعد كما كانت ، وأن قوى دولية أخرى أصبحت تمتلك من أدوات القوة ما يسمح لها بمنافسة الولايات المتحدة ، أو على الأقل بمنعها من إعادة إنتاج نظام أحادي القطب بالصورة التي سادت خلال العقود الماضية.
والأهم من صعود القوى المنافسة للولايات المتحدة هو أن العالم لم يعد يتحرك وفق المعادلة التقليدية التي قسمت البشرية إلى معسكرين واضحين. حتى مفهوم “الغرب الجماعي” نفسه يمر بمرحلة إعادة تعريف. فالولايات المتحدة وأوروبا ما زالتا حليفتين، وتجمعهما منظومة أمنية وسياسية واقتصادية واسعة، لكن التحالف لا يعني بالضرورة التطابق في المصالح. الولايات المتحدة باتت تتعامل مع العالم وفق أولويات استراتيجية مختلفة بصورة متزايدة عن أوروبا التقليدية، واشنطن تنظر إلى الصين والمحيطين الهندي والهادئ باعتبارهما مركز الصراع الاستراتيجي القادم ، بينما تظل أوروبا أكثر انشغالاً بأمنها المباشر، وروسيا ، والطاقة ، والهجرة ، والاستقرار في محيطها الجغرافي.
وبالتالي فإن الحديث عن “الغرب” باعتباره كتلة واحدة متجانسة أصبح يحتاج إلى قدر أكبر من التدقيق. نحن أمام غرب متحالف ، نعم ، لكنه ليس بالضرورة غرباً متطابقاً في الحسابات والأهداف. وهذا الاختلاف في الأولويات قد يكون أحد أهم ملامح النظام الدولي الجديد.
وفي المقابل، فرضت روسيا نفسها كقوة كبرى لا يمكن تجاوزها، خصوصاً من خلال القوة العسكرية والقدرة على التأثير في ملفات الأمن والطاقة والجغرافيا السياسية. أما الصين فقد اختارت طريقاً مختلفاً ، فهي لا تنافس الولايات المتحدة في المجال العسكري فقط، وإنما تنافسها في المجالات التي كانت لعقود من أهم مصادر التفوق الأمريكي، وفي مقدمتها الاقتصاد والتكنولوجيا والصناعة وسلاسل الإمداد والقدرة على بناء شبكات نفوذ عالمية.
وهنا تكمن خطورة التحول الحقيقي ، لأن المنافسة الصينية للولايات المتحدة ليست مجرد منافسة بين جيشين أو دولتين، وإنما منافسة بين نموذجين للقوة على مستوى الاقتصاد والتكنولوجيا والتجارة والنفوذ الدولي والقدرة على صياغة قواعد النظام العالمي.
أما الهند والبرازيل ، فعلى الرغم من امتلاكهما عناصر قوة مهمة وقدرات بشرية واقتصادية وجغرافية كبيرة ، فإن تحويل هذه العناصر إلى قطبية عالمية متكاملة لا يزال يحتاج إلى ظروف مختلفة وإلى تراكم أكبر في أدوات القوة والنفوذ الدولي.
ومن هذا المنظور، فإن ما يجري في العالم لا ينبغي اختزاله في مجموعة من الحروب والأزمات المنفصلة. نحن أمام صراع أوسع على شكل النظام الدولي نفسه. وكما كانت الحرب العالمية الأولى نمطاً معيناً من الصراع الدولي، والحرب العالمية الثانية نمطاً آخر، ثم جاءت الحرب الباردة باعتبارها نموذجاً مختلفاً تماماً للحرب العالمية دون أن تكون حرباً شاملة مباشرة بين القوتين العظميين، فإن الصراع الحالي قد يكون بصدد إنتاج نمط جديد من الحروب العالمية.
الحرب العالمية في القرن الحادي والعشرين لا يشترط أن تبدأ بإعلان رسمي، ولا أن تتحرك فيها جيوش الدول الكبرى مباشرة ضد بعضها البعض على جبهة واحدة. يمكن أن تكون حرباً متعددة المستويات ؛ عسكرية في مكان، واقتصادية في مكان آخر ، وتكنولوجية في مكان ثالث ، وحرب عقوبات وضغوط مالية، وحرب نفوذ سياسي، وصراعاً على الممرات البحرية والطاقة وسلاسل الإمداد والأسواق والتحالفات.
ولهذا فإن ما نشهده اليوم يمكن النظر إليه باعتباره سياقاً لصراع عالمي واسع، أو إذا أردنا استخدام التعبير الأكثر مباشرة ، شكلاً جديداً من أنماط الحرب العالمية الثالثة، حتى وإن لم تتخذ حتى الآن الصورة التقليدية التي ارتبطت بمفهوم الحرب العالمية في القرنين الماضيين.
والأكثر أهمية أن نتيجة هذا الصراع ، أياً كانت ، لن تعيد العالم ببساطة إلى ما كان عليه. حتى إذا تمكن الغرب من الحفاظ على تفوقه، فإن صعود الصين وروسيا وتعدد مراكز القوة يجعل العودة إلى عالم أحادي القطب أمراً بالغ الصعوبة وفق المعطيات الحالية. وحتى إذا توسع نفوذ القوى المناوئة للولايات المتحدة ، فلن يعني ذلك بالضرورة قيام قطب شرقي موحد يحكم العالم بدلاً من القطب الأمريكي.
المحصلة الأكثر ترجيحاً هي عالم متعدد الأقطاب.
وهنا تبدأ القضية التي أراها أخطر من مجرد الصراع بين الولايات المتحدة والصين وروسيا وأوروبا : أين يقف العالم الإسلامي من هذا النظام الدولي الجديد؟
حتى هذه اللحظة، لا يبدو العالم الإسلامي باعتباره كتلة جيوسياسية موحدة طرفاً مستقلاً في إعادة تشكيل النظام الدولي، وإنما يبدو في كثير من الأحيان ساحة تتقاطع فوقها مشاريع القوى الكبرى، ومجالاً للتنافس على النفوذ والطاقة والممرات الاستراتيجية والأسواق والمواقع الجغرافية.
وهذه ليست مشكلة جديدة.
على مدار قرنين تقريباً، كان جزء كبير من العالم الإسلامي يتعامل مع النظام الدولي باعتباره شيئاً تصنعه القوى الكبرى، بدلاً من أن يكون أحد الأطراف التي تشارك في صناعة هذا النظام. تغيرت الدول والحدود والأنظمة، وتبدلت القوى الاستعمارية ، ثم ظهرت الولايات المتحدة وروسيا والصين ، لكن المشكلة الجوهرية ظلت قائمة : دول كثيرة تمتلك عناصر قوة هائلة، لكنها لا تمتلك حتى الآن الإطار الاستراتيجي الذي يحول هذه العناصر المتفرقة إلى قوة جيوسياسية واحدة قادرة على التأثير في قواعد اللعبة.
وهنا تحديداً تكمن المفارقة التاريخية.
العالم الإسلامي يمتلك الموقع الجغرافي، والطاقة، والممرات البحرية، والأسواق، والموارد البشرية ، والثروات الطبيعية ، والعمق الحضاري ، والموقع الذي يربط آسيا بأوروبا وأفريقيا ، لكنه يظل عاجزاً عن تحويل هذه العناصر إلى مشروع استراتيجي مشترك.
والسؤال الحقيقي ليس : هل تمتلك هذه المنطقة مقومات القوة؟
الإجابة واضحة : نعم.
السؤال الأصعب هو : هل تستطيع هذه الدول أن تتعاون بما يكفي لتحويل هذه المقومات إلى قوة استراتيجية مستقلة؟
هنا تصبح المسألة وجودية وليست مجرد رفاهية سياسية.
إذا استمر العالم الإسلامي في التعامل مع قضاياه باعتبارها مجموعة من الملفات الوطنية المنفصلة ، وإذا استمرت الصراعات السياسية والمذهبية والدينية والثقافية في استنزاف المنطقة، فإن النتيجة ستكون أن القوى الكبرى ستظل قادرة على التعامل مع كل دولة منفردة، وبالتالي ستظل المنطقة مساحة نفوذ وتنافس بدلاً من أن تصبح أحد مراكز القوة التي تحدد اتجاهات النظام الدولي.
أما إذا استطاعت هذه الدول أن تتجاوز خلافاتها، دون أن يعني ذلك إلغاء سيادة أي دولة أو محو خصوصيتها أو فرض نموذج سياسي واحد عليها، فإنها تستطيع بناء نموذج مختلف من التكامل الاستراتيجي.
وهذا هو جوهر الرؤية التي أطرحها منذ سنوات : ليس المطلوب إنشاء دولة واحدة تلغي الدول القائمة، وليس المطلوب إلغاء الحدود أو الهويات الوطنية ، وإنما إنشاء إطار تعاون استراتيجي واسع، يمكن أن يأخذ في المستقبل صورة اتحاد أو كونفدرالية للدول الإسلامية ، بحيث تبقى الدول محتفظة بسيادتها وخصوصيتها، لكنها تتعاون في الملفات التي لا تستطيع دولة واحدة مواجهتها منفردة، مثل الأمن الاستراتيجي والاقتصاد والتجارة والطاقة والممرات البحرية والتكنولوجيا والدفاع والسياسة الخارجية في القضايا الكبرى.
أوروبا نفسها كانت مجموعة من الدول المتنافسة، ذات قوميات ولغات وديانات وثقافات وأنظمة سياسية مختلفة، بل إن هذه القارة خاضت حروباً مدمرة على مدار قرون، ووصلت في القرن العشرين إلى ذروة الكارثة عندما تحولت المنافسة الأوروبية إلى حربين عالميتين.
لكن الأوروبيين أدركوا في النهاية أن استمرار منطق الصراع القديم يعني تدمير الجميع.
لم تلغِ أوروبا الدول الأوروبية ، ولم تطلب من الفرنسي أن يتوقف عن كونه فرنسياً، أو الألماني أن يتخلى عن هويته، ولم تجعل اختلاف الثقافات سبباً لاستحالة التعاون. بل بنت منظومة مشتركة فوق الدول، وأصبحت المصالح المشتركة وسيلة لمنع العودة إلى الحروب القديمة.
والسؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا هو : لماذا لا يستطيع العالم الإسلامي أن يتعلم من التجربة الأوروبية ، مع أن لديه تاريخاً حضارياً طويلاً ، ومصالح مشتركة ضخمة ، وموقعاً جغرافياً أكثر أهمية مما يتخيل كثيرون؟
المشكلة ليست في غياب الإمكانات، وإنما في غياب الإرادة السياسية والرؤية الاستراتيجية طويلة المدى.
إن استمرار الصراعات الداخلية ، وتحويل الاختلافات السياسية والمذهبية والثقافية إلى صراعات وجودية ، يعني ببساطة إهدار فرصة تاريخية قد لا تتكرر بسهولة.
لأن النظام الدولي الذي يتشكل الآن لن ينتظر أحداً.
الدول التي ستدخل إلى النظام الجديد وهي تمتلك أدوات قوة حقيقية ستشارك في وضع قواعده. أما الدول التي تدخل إليه وهي منقسمة ، ومستهلكة في صراعاتها الداخلية ، وتعتمد أمنياً واقتصادياً على الآخرين ، فسوف تجد نفسها مضطرة إلى التكيف مع قواعد يضعها الآخرون.
وبحسب المسار الحالي، يمكن تصور عالم تتشكل فيه مراكز القوة الرئيسية حول الولايات المتحدة والصين وروسيا وأوروبا التقليدية، بينما تتحول مناطق واسعة من العالم إلى ساحات نفوذ وتنافس بين هذه القوى.
لكن ماذا لو ظهر العالم الإسلامي باعتباره كتلة استراتيجية مستقلة؟
عندها لن يكون المشهد مجرد أربعة مراكز رئيسية للقوة ، وإنما خمسة مراكز، مع دخول العالم الإسلامي كقوة جيوسياسية تمتلك وزناً مستقلاً.
وهذا لا يعني بالضرورة أن العالم الإسلامي يجب أن يصبح قوة معادية للولايات المتحدة أو الصين أو روسيا أو أوروبا.
على العكس تماماً.
القوة الحقيقية لا تعني أن تكون مع الشرق ضد الغرب أو مع الغرب ضد الشرق. وربما تكون أعظم ميزة استراتيجية للعالم الإسلامي أنه ليس مضطراً تاريخياً أو جغرافياً لأن يكون تابعاً لأي من الطرفين.
يمكنه أن يكون قوة توازن.
عالم متعدد الأقطاب يحتاج إلى مراكز توازن ، وليس فقط إلى مراكز صراع. والعالم الإسلامي ، إذا نجح في بناء كيانه الاستراتيجي ، يمكنه أن يكون أحد أهم عناصر التوازن في النظام الدولي الجديد؛ قوة تتعاون مع الولايات المتحدة حين تتوافق المصالح ، وتتعاون مع الصين حين تتوافق المصالح ، وتتعامل مع روسيا وأوروبا وفق مصالحها الخاصة ، دون أن تتحول إلى تابع لأي منها.
وهذا تحديداً هو معنى الاستقلال الاستراتيجي.
لكن الوصول إلى هذه المرحلة يتطلب أولاً التخلص من الوهم القائل إن كل اختلاف يجب أن يتحول إلى صراع، وإن كل دولة لا تتفق معنا سياسياً تصبح خصماً وجودياً.
لا يمكن بناء قطب عالمي على أساس الكراهية المتبادلة بين مكوناته.
لا يمكن بناء قوة استراتيجية ضخمة بينما تستهلك دولها طاقاتها في صراعات داخلية ، أو في نزاعات مذهبية ، أو في استقطابات سياسية، أو في صراعات إعلامية وثقافية لا تنتهي.
الاختلاف أمر طبيعي في أي تجمع بشري كبير، لكن تحويل الاختلاف إلى عداء دائم هو ما يمنع بناء القوة.
ولهذا فإن أي مشروع مستقبلي للعالم الإسلامي يجب أن يبدأ من قاعدة بسيطة: لسنا مطالبين بأن نتفق في كل شيء ، وإنما مطالبون بأن نتفق على ما يكفي لحماية مصالحنا المشتركة.
يمكن للدول أن تختلف في أنظمتها السياسية، وفي رؤيتها للعالم، وفي تحالفاتها، وفي سياساتها الداخلية، ومع ذلك تستطيع التعاون في الاقتصاد والأمن والطاقة والتكنولوجيا والتجارة والدفاع والممرات الاستراتيجية.
هذا هو جوهر فكرة الاتحاد أو الكونفدرالية التي أطرحها؛ إطار مؤسسي لا يلغي الدول وإنما يمنحها وزناً أكبر من خلال العمل المشترك.
واللحظة الحالية تحديداً تجعل هذه الفكرة أكثر أهمية من أي وقت مضى.
فنحن أمام انتقال تاريخي من نظام إلى نظام ، ومن مرحلة إلى مرحلة ، ومن قواعد دولية إلى قواعد جديدة لم تتشكل بصورة نهائية بعد.
وفي مثل هذه اللحظات لا يكون السؤال فقط : من ينتصر؟
بل يكون السؤال الأهم : من يستطيع أن يصنع مكانه داخل النظام الجديد؟
هذه المنطقة أمام اختبار تاريخي حقيقي.
إما أن تتعامل مع نفسها باعتبارها مجموعة دول متفرقة ، لكل دولة حساباتها الضيقة ، فتظل لعقود أخرى وربما لقرون ساحة للتنافس بين الآخرين.
وإما أن تدرك أن هناك حضارة مشتركة ومصالح استراتيجية مشتركة وموقعاً جغرافياً لا يمكن تجاهله، وتبدأ في بناء منظومة تعاون جديدة تحفظ للدول سيادتها، ولكن تمنحها في الوقت نفسه قوة جماعية لم تكن تستطيع امتلاكها منفردة.
الأمر في النهاية لا يتعلق بالشعارات ، ولا بإحياء أمجاد الماضي ، ولا بترديد مصطلحات عن الحضارة والتاريخ.
القوة لا تبنى بالماضي.
القوة تبنى بالمؤسسات، والاقتصاد، والعلم، والتكنولوجيا، والأمن، والتخطيط، والتحالفات، والإرادة السياسية.
والحضارات لا تستعيد مكانتها لأنها كانت عظيمة في الماضي ، وإنما لأنها تستطيع أن تنتج مشروعاً للمستقبل.
ولهذا فإن اللحظة الراهنة ليست مجرد أزمة سياسية أخرى يمكن تجاوزها ثم العودة إلى الوضع السابق.
نحن أمام لحظة إعادة تشكيل للنظام العالمي.
والقرار الذي ستتخذه هذه المنطقة خلال هذه المرحلة قد يحدد موقعها لعقود طويلة قادمة.
إذا أدركت دول العالم الإسلامي هذه الحقيقة ، فقد تكون أمام فرصة تاريخية نادرة للانتقال من كونها ساحة للصراع إلى كونها طرفاً في صناعة النظام الدولي.
أما إذا استمرت في النظر إلى العالم بمنطق الخلافات الصغيرة، بينما تتحرك القوى الكبرى وفق خرائط استراتيجية تمتد لعقود، فإنها ستستيقظ ذات يوم لتكتشف أن النظام العالمي الجديد قد اكتمل من دونها.
وحينها لن تكون المشكلة أن العالم لم يمنحها فرصة.
المشكلة أنها امتلكت الفرصة ولم تعرف كيف تستخدمها.
في اللحظات المفصلية من التاريخ، لا تُقاس عظمة الأمم بحجم ما تملكه فقط، وإنما بقدرتها على إدراك اللحظة التي تعيشها.
وأعتقد أننا أمام واحدة من تلك اللحظات.
إما أن تتحول هذه المنطقة إلى لاعب استراتيجي يمتلك مشروعاً ومؤسسات وأدوات قوة ، وإما أن تبقى مساحة مفتوحة لتنافس الآخرين.
وفي النهاية، التاريخ لا ينتظر الشعوب التي تتردد طويلاً.
الأمم التي تفهم التحولات الكبرى وتصنع لنفسها مكاناً داخلها هي التي تكتب التاريخ ، أما الأمم التي تكتفي بمراقبة الآخرين وهم يعيدون تشكيل العالم، فسوف تجد نفسها تعيش داخل عالم صممه الآخرون.
والسؤال الذي يجب أن يواجهه العالم الإسلامي اليوم ليس : من سينتصر، الشرق أم الغرب؟
السؤال الأكثر أهمية هو : ماذا سنفعل نحن عندما ينتهي هذا الصراع ويبدأ شكل العالم الجديد في الاستقرار؟
لأن الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد ما إذا كان العالم الإسلامي سيكون أحد أقطاب القرن القادم، أم سيظل مجرد رقعة جغرافية تتصارع فوقها الأقطاب الأخرى.
هذه ليست معركة سياسية عابرة ، وإنما اختبار تاريخي لأمة وحضارة كاملة.
والفشل في قراءة هذه اللحظة قد تكون تكلفته أكبر بكثير من مجرد خسارة نفوذ سياسي مؤقت ؛ قد يعني تفويت فرصة تاريخية لإعادة صياغة موقع المنطقة في العالم لقرون طويلة قادمة.
أما إذا امتلك القادة والشعوب القدرة على التفكير خارج حدود اللحظة، وتجاوزوا عقلية الصراعات الصغيرة، وأدركوا أن القوة في القرن الحادي والعشرين لا تُبنى بالتجزئة وإنما بالشراكات والمؤسسات ، فقد تبدأ المنطقة أخيراً في الانتقال من موقع المتلقي إلى موقع الفاعل.
وهنا فقط يمكن أن يصبح العالم الإسلامي رقماً في معادلة النظام الدولي الجديد ، لا مجرد مساحة تتحرك فوقها أرقام الآخرين.
لأن السؤال في النهاية ليس ما إذا كان العالم سيتغير.
العالم يتغير بالفعل.
السؤال الحقيقي هو : هل سيتغير العالم الإسلامي معه، أم سيُعاد تشكيله من الخارج مرة أخرى؟



