لقاء العلمين بين واشنطن وحماس : دلالات تتجاوز التفاوض على غزة

✍️ يوحنا عزمي
اللقاء الذي شهدته مصر اليوم في مدينة العلمين، وجمع المبعوث الأمريكي جاريد كوشنر مع رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خليل الحية، بحضور نيكولاي ملادينوف وحسن رشاد رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية ، لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد اجتماع جديد في سلسلة اللقاءات المرتبطة بملف غزة، بل يحمل دلالات سياسية واستراتيجية تتجاوز حدود التفاوض المباشر حول وقف إطلاق النار أو ترتيبات ما بعد الحرب.
الأهمية الحقيقية لهذا اللقاء تأتي من طبيعة الأطراف المشاركة فيه، ومن حقيقة أن مصر تتحرك في هذا الملف من خلال مؤسساتها المعنية بالملف الفلسطيني ، وعلى رأسها جهاز المخابرات العامة، الذي يمتلك تاريخاً طويلًا في إدارة الاتصالات والوساطات المتعلقة بالقضية الفلسطينية. ولذلك فإن استضافة هذا النوع من اللقاءات داخل مصر تعكس محاولة لإعادة تشكيل مسار التفاوض نفسه، وليس فقط إدارة تفاصيله.
ومن زاوية المصالح المصرية ، يبدو أن القاهرة تسعى إلى دفع الأطراف نحو إطار تفاوضي أكثر وضوحاً ، بحيث تصبح المبادرة الأمريكية نقطة ارتكاز لا يمكن تجاوزها بسهولة، وفي الوقت نفسه وضع إسرائيل أمام مسؤولياتها السياسية إذا استمر تعطيل أي تفاهمات مطروحة. فالمعادلة التي تحاول مصر اختبارها تبدو بسيطة في ظاهرها ، لكنها شديدة التعقيد سياسياً : إذا كانت واشنطن قد طرحت مبادرة محددة ، وإذا كان أحد الأطراف الفلسطينيين مستعداً للتعامل معها ، فمن الذي يمنع الانتقال من مرحلة المبادرات إلى مرحلة التنفيذ؟
هنا تحديدًا تظهر أهمية اللقاء بين الجانب الأمريكي وقيادة حماس. فمجرد جلوس مسؤول أمريكي رفيع مع قيادي من الحركة يحمل رسالة سياسية بحد ذاته ، لأنه يعني أن واشنطن ، أيا كانت ملاحظاتها ومواقفها من حماس ، تدرك أن تجاهل أحد الأطراف الفاعلة على الأرض لن يؤدي بالضرورة إلى إنهاء الأزمة. وفي المقابل، فإن إشراك حماس في مسار تفاوضي مباشر أو غير مباشر يضعها أمام اختبار سياسي أيضاً، لأن الانتقال من الخطاب العسكري إلى التفاوض يعني أن عليها تقديم مواقف قابلة للترجمة إلى ترتيبات عملية.
أما بالنسبة إلى حماس ، فإن التحرك المصري يحمل أهمية كبيرة في لحظة شديدة التعقيد. فالقضية لم تعد مرتبطة فقط بما يحدث في قطاع غزة ، وإنما باتت مرتبطة بصورة أوسع بمستقبل القضية الفلسطينية كلها، وبالضفة الغربية ، وبشكل الدولة الفلسطينية أو الكيان السياسي الفلسطيني في المرحلة المقبلة ، فضلًا عن طبيعة الترتيبات الإقليمية التي يجري تشكيلها حول المنطقة.
ومن هنا يمكن فهم إصرار القاهرة خلال الفترة الماضية على توحيد الموقف الفلسطيني قدر الإمكان، لأن تعدد مراكز القرار الفلسطيني وتناقض المواقف بينها يمنح الطرف الإسرائيلي مساحة واسعة للمناورة السياسية ، ويعيد إنتاج معادلة “فرق تسد” التي كثيراً ما استفادت منها إسرائيل في إدارة الصراع الفلسطيني.
لكن الزاوية الأكثر إثارة للاهتمام في هذا المشهد هي الزاوية الأمريكية ، وبالتحديد حسابات الرئيس دونالد ترامب نفسه.
إذا كانت المبادرة تحمل اسم ترامب، وإذا كانت الإدارة الأمريكية تعتبرها جزءًا من مشروع سياسي يريد الرئيس أن يسجل باسمه، فإن فشلها لا يعود مجرد خلاف بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وإنما يتحول تدريجياً إلى اختبار مباشر للنفوذ الأمريكي وقدرة الرئيس على فرض إرادته على حلفائه.
وهنا تكمن المفارقة.
إذا قبل أحد أطراف الصراع الدخول في المسار التفاوضي، بينما استمر الطرف الآخر في تعطيل التنفيذ أو فرض شروط تجعل المبادرة غير قابلة للتطبيق، فإن السؤال الذي سيطرح نفسه داخل واشنطن لن يكون فقط: لماذا لا يتفق الفلسطينيون والإسرائيليون؟ بل سيكون أيضاً : إلى أي مدى تستطيع الإدارة الأمريكية التأثير في الحكومة الإسرائيلية؟
وهذا سؤال بالغ الحساسية بالنسبة إلى ترامب، لأن المسألة بالنسبة إليه لا تتعلق بالشرق الأوسط وحده، وإنما بصورة الولايات المتحدة كقوة عظمى قادرة على استخدام نفوذها لحماية الاتفاقات والمبادرات التي ترعاها.
فالولايات المتحدة لا تستطيع أن تقدم نفسها باعتبارها القوة الأكثر تأثيراً في النظام الدولي، ثم تعجز في الوقت نفسه عن إقناع أقرب حلفائها بتنفيذ إطار سياسي هي نفسها تطرحه وتدافع عنه. وفي عالم تتراجع فيه هيمنة القطب الواحد، وتتصاعد فيه المنافسة مع روسيا والصين ، تصبح مثل هذه الصورة أكثر تكلفة من الناحية الاستراتيجية.
وهنا تظهر الصين بصورة غير مباشرة في المشهد.
فبكين استطاعت في السنوات الأخيرة أن تقدم نفسها في بعض الملفات الإقليمية باعتبارها طرفاً قادراً على لعب دور الوسيط، ومن أبرز الأمثلة على ذلك رعايتها للتقارب السعودي الإيراني. وإذا بدا للمنطقة وللعالم أن الولايات المتحدة عاجزة عن إدارة تسوية سياسية مع أحد أقرب حلفائها، بينما تستطيع قوى أخرى تقديم نفسها باعتبارها وسيطاً أكثر قدرة على جمع الخصوم حول طاولة واحدة ، فإن ذلك سيكون خسارة للنفوذ الأمريكي تتجاوز حدود القضية الفلسطينية.
ولهذا فإن أي صدام محتمل بين إدارة ترامب وحكومة نتنياهو، إذا حدث ، لن يكون بالضرورة ناتجاً عن خلاف شخصي أو سياسي عابر ، وإنما قد يكون مرتبطًا بحسابات أوسع تتعلق بصورة القوة الأمريكية ومكانتها في النظام الدولي.
لكن في المقابل ، من الخطأ التعامل مع هذا السيناريو باعتباره أمراً محسوماً.
فالعلاقة الأمريكية الإسرائيلية شديدة التعقيد ، ولا يمكن اختزالها في علاقة رئيس أمريكي بحكومة إسرائيلية فقط. هناك مؤسسات، ومصالح استراتيجية ، وضغوط سياسية داخلية ، وشبكات نفوذ، وحسابات انتخابية، واعتبارات أمنية وعسكرية تجعل أي مواجهة مباشرة بين واشنطن وتل أبيب عملية شديدة الصعوبة.
ولهذا فإن الاحتمال الأكثر واقعية قد لا يكون صداماً أمريكياً إسرائيلياً مفتوحاً ، وإنما ممارسة ضغوط تدريجية، أو إعادة صياغة بعض الشروط، أو استخدام أدوات اقتصادية وسياسية ودبلوماسية لدفع الحكومة الإسرائيلية إلى تقديم تنازلات محدودة تسمح بإبقاء العملية السياسية على قيد الحياة.
وهنا تحديداً يجب الانتباه إلى نقطة بالغة الأهمية: التفاوض في مثل هذه الصراعات لا يدور فقط حول وقف إطلاق النار أو تبادل الأسرى أو المساعدات الإنسانية ، وإنما يدور أيضاً حول الزمن.
فالوقت في الصراعات الممتدة ليس عنصرًا محايداً. كل يوم يمر يمكن أن يغير الحقائق على الأرض، وكل جولة تفاوض طويلة يمكن أن تمنح الأطراف فرصة لإعادة ترتيب أوراقها وفرض وقائع جديدة قبل الوصول إلى الاتفاق النهائي.
ومن هذه الزاوية ، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول المفاوضات نفسها إلى أداة لإدارة الوقت بدلًا من كونها طريقاً للوصول إلى حل. أي أن تستمر اللقاءات، وتتكرر المبادرات، وتصدر البيانات ، بينما تتغير الوقائع الميدانية بصورة تجعل أي اتفاق مستقبلي أكثر صعوبة وتعقيداً.
وهنا تصبح المخاوف الفلسطينية والعربية بشأن تغيير الواقع الديموغرافي والجغرافي على الأرض جزءًا أساسياً من الحسابات السياسية ، خصوصاً في ظل استمرار الصراع حول مستقبل الأراضي الفلسطينية والقدس والضفة الغربية وقطاع غزة.
لذلك فإن لقاء العلمين، إذا تأكدت تفاصيله كما يتم تداولها، لا ينبغي قراءته باعتباره حدثاً منفصلًا ، وإنما باعتباره حلقة ضمن محاولة أكبر لإعادة ضبط مسار الأزمة.
مصر تريد أن تمنع انهيار المسار السياسي، وحماس تريد الحفاظ على وجودها ودورها في أي ترتيبات مستقبلية، والولايات المتحدة تريد إنجاح مبادرتها وإثبات قدرتها على صناعة التسويات ، بينما تسعى إسرائيل إلى حماية مصالحها الأمنية والسياسية وفرض رؤيتها لشكل المرحلة المقبلة.
وبين هذه الأهداف المتعارضة ، ستظل النقطة الأكثر حساسية هي: من يمتلك القدرة على تحويل المبادرة إلى واقع؟
فإذا استطاعت واشنطن الضغط على جميع الأطراف، بما فيها إسرائيل ، فقد يتحول مسار العلمين إلى بداية مرحلة تفاوضية مختلفة. أما إذا عادت المفاوضات إلى دائرة التسويف وتبادل الشروط ، فقد يصبح الاجتماع مجرد محطة أخرى في سلسلة طويلة من المحطات التي لم تستطع وقف إعادة تشكيل الواقع على الأرض.
وفي النهاية، فإن القيمة الحقيقية لهذا اللقاء لن تظهر في الصورة التي التقطت حول الطاولة، ولا في البيانات التي ستصدر بعده، وإنما فيما سيحدث بعدها مباشرة : هل ستتحول الاتصالات إلى خطوات تنفيذية؟ هل ستنجح القاهرة في تقريب المواقف الفلسطينية؟ وهل ستستخدم إدارة ترامب نفوذها فعلياً لدفع حكومة نتنياهو نحو الالتزام بما تطرحه واشنطن؟
الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي ستحدد ما إذا كان اجتماع العلمين مجرد لقاء دبلوماسي جديد ، أم بداية لاختبار حقيقي للعلاقة بين واشنطن وتل أبيب ، ولقدرة مصر على التأثير في واحدة من أكثر القضايا تعقيداً في الشرق الأوسط.



