من أوكرانيا إلى إيران.. كيف تتقاطع جبهات الحرب وتقترب المنطقة من أخطر سيناريو للتصعيد؟

✍️ يوحنا عزمي
يبدو أن الخطر لم يعد مجرد احتمال بعيد يمكن وضعه في خانة السيناريوهات الافتراضية ، بل إن مسار الأحداث خلال الفترة الأخيرة يفرض علينا أن نتعامل بجدية أكبر مع احتمال دخول المنطقة والعالم في مرحلة جديدة من التصعيد، قد تكون أكثر تعقيداً وخطورة من كل ما شهدناه حتى الآن. فالمشهد لم يعد محصوراً في حرب بين الولايات المتحدة وإيران من جهة ، أو في المواجهة الروسية الأوكرانية من جهة أخرى ، وإنما بدأت تظهر مؤشرات مقلقة على إمكانية تداخل هذه الصراعات بصورة تجعل كل جبهة تؤثر في الأخرى، وتحول الأزمات المنفصلة إلى منظومة واحدة من الضغوط العسكرية والاقتصادية والاستراتيجية.
المشكلة الأساسية أن الحرب الحديثة لم تعد تُقاس فقط بعدد الصواريخ والطائرات التي تُستخدم في ساحات القتال، وإنما بقدرة كل طرف على توسيع دائرة الضغط على خصمه، واستهداف نقاط ضعفه الاقتصادية والتكنولوجية والجغرافية ، ودفعه إلى إنفاق المزيد من الموارد في أكثر من جبهة في الوقت نفسه. ولذلك فإن استمرار تعثر أي مسار تفاوضي بين واشنطن وطهران، بالتزامن مع تصاعد المواجهة الروسية الأوكرانية، يخلق بيئة شديدة الخطورة؛ لأن استمرار الحرب في جبهتين متزامنتين قد يفتح الباب أمام أطراف أخرى للدخول غير المباشر، ليس بالضرورة من خلال إعلان حرب صريح، وإنما عبر الدعم الاستخباراتي، والطائرات المسيرة، والهجمات السيبرانية، واستهداف البنية التحتية، واستخدام وكلاء محليين وإقليميين.
والأكثر إثارة للقلق هو انتقال الهجمات المرتبطة بالحرب الروسية الأوكرانية إلى مستويات ومسافات أكثر حساسية. فإذا صح ما أُعلن بشأن استخدام أوكرانيا مسيرات بريطانية في عمليات استهدفت العمق الروسي، فإن أهمية الأمر لا تكمن فقط في حجم العملية العسكرية نفسها، وإنما في دلالتها السياسية والاستراتيجية.
فكلما أصبحت الأسلحة الغربية أكثر حضوراً في عمليات تستهدف الأراضي الروسية، أصبح الفاصل بين الدعم غير المباشر لأوكرانيا وبين الانخراط الغربي المباشر في الصراع أكثر ضيقاً، وهو ما يزيد احتمالات رد موسكو بصورة أكثر حدة تجاه الدول التي تعتبرها جزءًا من منظومة الدعم العسكري لكييف.
وهنا تحديداً تظهر خطورة التهديدات المتبادلة بين روسيا والغرب. فموسكو تنظر إلى الدعم العسكري الغربي لأوكرانيا باعتباره جزءًا من حرب استنزاف تستهدف إضعاف روسيا ، بينما ترى العواصم الغربية أن دعم أوكرانيا هو الوسيلة الأفضل لمنع موسكو من تحقيق أهدافها. وفي الحالتين، نحن أمام معادلة شديدة الخطورة: كل طرف يحاول إطالة قدرة الطرف الذي يقاتل بالوكالة عنه، بينما ترتفع في الوقت نفسه تكلفة الصراع وتزداد احتمالات سوء الحسابات.
لكن الأخطر هو احتمال انتقال هذه المعادلة إلى الشرق الأوسط.
فإذا تصاعدت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، وبدأت طهران في توسيع دائرة ردها لتشمل مصالح أمريكية أو قواعد ومنشآت مرتبطة بالولايات المتحدة في مناطق أخرى، فإن أي استهداف لدولة عضو في حلف شمال الأطلسي قد يفتح باباً مختلفاً تماماً من التصعيد. ولهذا فإن الحديث عن تهديد دول مثل بلغاريا أو قبرص ، إذا ثبت وتحوّل إلى عمليات فعلية، لا ينبغي التعامل معه باعتباره مجرد رسالة سياسية عابرة ؛ لأن طبيعة المواقع المستهدفة والارتباطات العسكرية للدول المعنية قد تجعل أي ضربة تتحول سريعاً من مواجهة ثنائية إلى أزمة أوسع نطاقاً.
وهنا تظهر أهمية النظر إلى خريطة التحالفات لا إلى الجغرافيا وحدها. فإيران لا تواجه الولايات المتحدة في فراغ، وروسيا لا تواجه الغرب بمعزل عن بقية الملفات الدولية. كل طرف يحاول استغلال نقاط الضغط الموجودة لدى خصمه. ومن هذا المنظور يمكن فهم الفكرة التي تقول إن موسكو قد تستفيد سياسياً واستراتيجياً من أي توسع إيراني في استهداف المصالح الغربية، تمامًا كما يستفيد الغرب من استمرار الحرب الأوكرانية في استنزاف القدرات الروسية. لكن يجب التعامل مع هذا الاستنتاج باعتباره سيناريو تحليلياً يحتاج إلى أدلة استخباراتية وسياسية واضحة، وليس حقيقة يمكن الجزم بها بمجرد وجود تقارب في المصالح بين موسكو وطهران.
ومع ذلك، فإن مجرد احتمال وجود هذا النوع من التنسيق غير المباشر يكفي لإثارة القلق؛ لأننا أمام نموذج جديد من الحروب التي لا تحتاج فيها القوى الكبرى إلى الدخول في مواجهة مباشرة حتى تتبادل الضربات. يمكن لدولة أن تستنزف خصمها عبر جبهة بعيدة، ويمكن لحليف إقليمي أن يفتح جبهة أخرى ، ويمكن لهجوم على منشأة عسكرية أو بنية تحتية أن يؤدي إلى ردود فعل متسلسلة لا يستطيع أحد ضمان نقطة توقفها.
وهنا تحديداً تصبح منطقة الخليج واحدة من أكثر المناطق حساسية في هذا السيناريو. فأي مواجهة أمريكية إيرانية واسعة لن تبقى بالضرورة داخل الحدود الإيرانية أو في مياه الخليج فقط. إيران تمتلك شبكة واسعة من أدوات الضغط الإقليمي، والولايات المتحدة لديها وجود عسكري ومصالح استراتيجية في عدد كبير من دول المنطقة، وبالتالي فإن أي ضربة كبيرة قد تؤدي إلى ردود انتقامية تستهدف القواعد والمنشآت والممرات البحرية ومصالح الطاقة.
الأمر لا يتوقف عند المنشآت العسكرية. فالتهديدات المرتبطة بكابلات الألياف الضوئية البحرية تحمل دلالة استراتيجية شديدة الأهمية، لأنها تكشف كيف يمكن أن تنتقل الحرب من استهداف الجيوش إلى استهداف البنية التحتية التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي الحديث. الاتصالات الدولية، والخدمات المالية، ونقل البيانات، وإدارة الشركات والأسواق، كلها تعتمد بدرجات كبيرة على شبكات الكابلات البحرية. ولذلك فإن الإضرار بهذه البنية لا يمثل مجرد عمل تخريبي محدود، وإنما يمكن أن يتحول إلى وسيلة لرفع تكلفة الحرب وإرباك حركة التجارة والاستثمار وإحداث حالة من عدم اليقين الاقتصادي.
وهذا بالضبط هو الشكل الجديد للحرب الاقتصادية: ليس من الضروري أن تدمر مصنعاً حتى تضر باقتصاد دولة، وليس من الضروري أن تغلق ميناء بالكامل حتى ترفع تكلفة التجارة. يكفي أحياناً أن تجعل المستثمر يشعر بأن حركة الملاحة أو الاتصالات أو الطاقة أصبحت معرضة للخطر، حتى تبدأ رؤوس الأموال في إعادة حساباتها، وترتفع تكاليف التأمين والنقل، وتتراجع شهية الاستثمار، وتبدأ الأسواق في تسعير المخاطر قبل أن تقع الكارثة نفسها.
ومن هنا تأتي خطورة السيناريو بالنسبة إلى دول الشرق الأوسط تحديداً. فالمنطقة لا تعاني فقط من احتمالات الحرب المباشرة، وإنما من كونها تقع في قلب شبكات الطاقة والتجارة والممرات البحرية العالمية. أي اضطراب كبير في الخليج أو البحر الأحمر أو شرق المتوسط يمكن أن ينعكس سريعًا على أسعار الطاقة، وتكاليف الشحن، وسلاسل الإمداد، والاستثمار، وأسعار السلع، والاحتياطيات النقدية، ومعدلات التضخم.
والدول الأكثر هشاشة ستكون بطبيعة الحال الأكثر تعرضاً للضربة الاقتصادية، خصوصًا الاقتصادات التي تعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد ولا تمتلك إنتاجاً محلياً كافياً لتغطية احتياجاتها الأساسية. ففي مثل هذه الحالات، لا تكون الحرب مجرد أزمة سياسية أو عسكرية بعيدة، بل تتحول خلال أيام إلى أزمة معيشية يشعر بها المواطن في أسعار الغذاء والطاقة والنقل والخدمات.
لكن علينا في الوقت نفسه أن نكون دقيقين في قراءة المشهد. فليس كل تهديد يعني بالضرورة أن الحرب ستقع، وليس كل تعاون بين دولتين يعني وجود غرفة عمليات مشتركة تدير حرباً واحدة. العلاقات الدولية أكثر تعقيداً من هذه الصورة المباشرة، والقوى الكبرى غالباً ما تستخدم التهديدات والرسائل غير المباشرة للضغط على خصومها دون الوصول إلى نقطة الانفجار. ولهذا فإن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في نية أي طرف خوض حرب شاملة، وإنما في احتمال أن تؤدي سلسلة من القرارات الصغيرة والهجمات المحدودة والردود الانتقامية إلى نتيجة لم يكن أي طرف يريدها في البداية.
وهذا هو أخطر ما في المشهد الحالي: سوء التقدير.
قد تبدأ الأزمة بضربة محسوبة، ثم يأتي الرد بصورة أكبر قليلًا، ثم يرد الطرف الآخر بصورة أكثر اتساعاً ، ثم تدخل دولة حليفة على الخط، ثم يصبح التراجع سياسياً أكثر تكلفة من الاستمرار، وفجأة يجد الجميع أنفسهم داخل حرب أكبر من الحسابات الأصلية.
لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: هل نقترب من حرب إقليمية أو دولية كبرى؟ وإنما: هل ما زالت القوى الفاعلة قادرة على التحكم في مسار التصعيد قبل أن يتحول إلى سلسلة من الأحداث المتتابعة التي تفرض نفسها على الجميع؟
إذا فشلت الدبلوماسية، واستمر التصعيد الروسي الغربي، وتوسعت حرب المسيرات والهجمات بعيدة المدى، ودخلت البنية التحتية الحيوية والممرات البحرية وشبكات الطاقة والاتصالات في دائرة الاستهداف، فإننا لن نكون أمام حرب تقليدية بالمعنى المعروف، وإنما أمام صراع متعدد الجبهات والأدوات، تختلط فيه الحرب العسكرية بالحرب الاقتصادية والسيبرانية والاستخباراتية.
والأكثر قلقاً أن تداعيات هذا النوع من الصراعات لا تتوقف عند حدود الدول المتحاربة. الأسواق العالمية لا تعرف الحدود السياسية، وأسعار الطاقة لا تنتظر البيانات الرسمية، وسلاسل الإمداد لا تميز بين دولة محايدة ودولة مشاركة في الحرب.
لهذا فإن التعامل مع التطورات المقبلة يحتاج إلى قدر كبير من الهدوء والدقة، بعيداً عن التهويل، لكن أيضاً بعيداً عن الاستهانة. فالأسوأ ليس حتمياً ، لكنه يصبح أكثر قابلية للحدوث كلما تراكمت الأزمات ، وتراجعت قنوات التفاوض ، واتسعت دائرة الأطراف المنخرطة في الصراع.
وفي النهاية، فإن أخطر الحروب ليست بالضرورة تلك التي يقرر الجميع خوضها، وإنما تلك التي تبدأ عندما يعتقد كل طرف أنه يستطيع توجيه ضربة محدودة ثم السيطرة على رد الفعل. التاريخ العسكري والسياسي مليء بأمثلة تثبت أن الحسابات التي تبدو منطقية على الورق يمكن أن تنهار بالكامل عندما تبدأ الصواريخ في التحرك ، وعندما تدخل التحالفات على الخط ، وعندما يصبح التراجع أمام الخصم أكثر كلفة من الاستمرار.
لهذا، فإن المرحلة المقبلة تستحق المتابعة بأقصى درجات الانتباه، ليس فقط لمعرفة أين ستضرب الصواريخ ، وإنما لمعرفة كيف ستتحرك التحالفات، وكيف ستتغير حسابات القوى الكبرى، وكيف يمكن لأي شرارة في أوروبا أو الشرق الأوسط أن تنتقل إلى الاقتصاد العالمي كله. لأن الخطر الحقيقي لم يعد في وجود حرب واحدة، وإنما في احتمال أن تبدأ عدة حروب منفصلة في التأثير في بعضها البعض ، فتتحول الأزمات المتفرقة إلى صراع واحد واسع، تكون كلفته على الشعوب والاقتصادات أكبر بكثير من قدرة أي طرف على توقعها أو احتوائها.



