السودان أمام أخطر منعطف.. إتهامات بالأسلحة الكيميائية وتدويل الحرب يضعان مصر أمام تهديد إستراتيجي مباشر

✍️ يوحنا عزمي
هناك أمور تتصاعد في السودان بصورة تستحق التوقف أمامها بجدية شديدة، ليس فقط لأنها تعكس حجم التعقيد الذي وصلت إليه الحرب السودانية، وإنما لأن تداعياتها المحتملة تتجاوز الحدود السودانية لتلامس بصورة مباشرة حسابات الأمن القومي المصري.
المشهد الجديد يبدأ من الاتهامات الأمريكية للجيش السوداني باستخدام أسلحة كيميائية خلال الحرب، وهي اتهامات بالغة الخطورة إذا ثبتت صحتها، لأنها لا تتعلق بمجرد انتهاك إضافي لقواعد الحرب، وإنما بملف يمكن أن ينقل الصراع السوداني إلى مستوى مختلف تمامًا من التدخل والضغط والعقوبات الدولية.
وبحسب ما أوردته تقارير صحفية أمريكية، فإن جهات استخباراتية أمريكية تستند إلى مجموعة كبيرة من الوثائق والصور ومقاطع الفيديو والتسجيلات والاتصالات التي تقول إنها تعزز وجود برنامج لتطوير ذخائر تعتمد على غاز الكلور منذ عام 2024، مع مزاعم بأن بعض هذه الأسلحة استُخدمت بالفعل في العمليات العسكرية. كما تضمنت المعلومات المتداولة اتهامات بأن قيادة الجيش السوداني كانت على علم بهذا البرنامج، وهي نقطة شديدة الحساسية إذا ما تحولت لاحقاً إلى ملف تحقيق دولي رسمي.
لكن الأهم من مضمون الاتهام نفسه هو التوقيت.
فالحديث عن الأسلحة الكيميائية يأتي في لحظة تتزايد فيها الدعوات إلى إجراء تحقيق دولي مستقل في الانتهاكات التي ارتُكبت خلال الحرب، بالتزامن مع توصيات أممية بتوسيع نطاق حظر الأسلحة المفروض على دارفور ليشمل كامل الأراضي السودانية ، في ظل استمرار القتال وسقوط أعداد كبيرة من المدنيين ونزوح الملايين.
وهنا تحديداً يجب ألا نتعامل مع الأحداث باعتبارها مجرد مجموعة من التطورات المنفصلة.
في السياسة الدولية ، التوقيت قد يكون في بعض الأحيان أهم من الحدث نفسه ، لأن تراكم عدة ملفات في اللحظة ذاتها يمكن أن يؤدي إلى صناعة مسار سياسي جديد حتى قبل أن تتضح الصورة العسكرية على الأرض.
وبغض النظر عن مدى صحة الاتهامات المتعلقة بالأسلحة الكيميائية ، فإن مجرد انتقالها من مستوى الاتهامات المحلية إلى مستوى المعلومات الاستخباراتية الأمريكية والتغطية الإعلامية الواسعة يضع السودان أمام مرحلة أكثر تعقيداً.
فالسيناريو المحتمل لا يبدأ بالضرورة بتدخل عسكري مباشر، وإنما قد يبدأ بخطوات أقل تكلفة سياسياً وأكثر قابلية للتنفيذ دولياً: تحقيقات ، لجان تقصي حقائق ، عقوبات ، تضييق على مصادر التسليح ، ثم توسيع نطاق الحظر على الأسلحة، وبعد ذلك يمكن أن تتطور الأمور وفقاً لما تكشفه التحقيقات ومدى تعاون الأطراف السودانية معها.
وهنا تظهر واحدة من أخطر المفارقات.
إذا فُرض حظر شامل على توريد السلاح إلى السودان، فإن السؤال لن يكون فقط: هل سيتوقف القتال؟
السؤال الأخطر سيكون: من سيستفيد عسكرياً من هذا الحظر، ومن يستطيع تعويض ما سيفقده من مصادر التسليح؟
فالحظر النظري على السلاح قد يبدو خطوة تستهدف وقف الحرب، لكنه في حرب غير متكافئة بين أطراف تمتلك مصادر مختلفة للحصول على السلاح والذخائر والطائرات المسيّرة، يمكن أن ينتج عنه اختلال جديد في موازين القوة.
وهذا تحديداً ما يجعل التعامل مع الملف السوداني شديد الحساسية.
فإذا تراجع تسليح الجيش السوداني بصورة كبيرة، بينما استطاع الدعم السريع الحفاظ على قدراته القتالية أو الحصول على إمدادات بديلة، فإن النتيجة قد لا تكون نهاية الحرب، وإنما انتقال ميزان القوة لمصلحة طرف على حساب الآخر.
وفي المقابل، إذا نجح المجتمع الدولي في منع الإمدادات عن الطرفين بصورة حقيقية ومتساوية، فقد يؤدي ذلك إلى تقليص القدرة على استمرار العمليات العسكرية، وهو السيناريو الذي يمكن أن يفتح الباب أمام تسوية سياسية.
لكن المشكلة أن الحروب الحديثة لا تعتمد فقط على الدبابات والمدفعية والطائرات التقليدية.
هناك سلاح آخر غير قواعد الاشتباك في السودان وفي عدد متزايد من النزاعات الأفريقية ، وهو الطائرات المسيّرة.
وهنا يصبح المشهد أكثر خطورة.
فالمسيّرات أعادت تعريف مفهوم خطوط المواجهة، لأنها تسمح باستهداف مواقع بعيدة نسبياً عن الجبهات التقليدية ، كما أن استخدامها لا يقتصر على الأهداف العسكرية بالمعنى الضيق، وهو ما يرفع مخاطر إصابة المدنيين والمستشفيات والبنية التحتية والمنشآت الحيوية.
ولهذا فإن التقارير التي تتحدث عن تعرض مناطق مدنية وأعيان غير عسكرية لهجمات في سياق الحرب السودانية يجب التعامل معها بجدية، مع ضرورة التحقيق المستقل في المسؤولية عن كل هجوم وعدم افتراض مسؤولية طرف بعينه دون أدلة موثقة.
المشكلة الحقيقية هنا أن دخول المسيّرات على نطاق واسع يجعل أي تغيير في ميزان التسليح أكثر خطورة، لأن الطرف الذي يمتلك قدرة أفضل على الحصول على المسيّرات أو تشغيلها أو توفير المعلومات اللازمة لتوجيهها قد يستطيع تعويض جانب من النقص في الأسلحة التقليدية.
وبالتالي فإن السودان لا يواجه فقط خطر استمرار الحرب، وإنما خطر تحولها إلى نموذج أكثر تعقيداً من الحرب التكنولوجية، حيث تصبح المسافة بين الجبهة والمدن أقل أهمية ، وتصبح المنشآت المدنية نفسها معرضة لمخاطر أكبر.
ومن هنا يمكن فهم لماذا أصبحت قضية السودان مرتبطة بصورة متزايدة بحسابات دول الجوار، وعلى رأسها مصر.
فمصر لا تنظر إلى السودان باعتباره أزمة داخلية بعيدة عنها، لأن السودان يمثل امتداداً جغرافياً وأمنياً مباشراً لمصر، وأي انهيار طويل الأمد في الدولة السودانية ستكون له تداعيات على الحدود، والهجرة واللجوء، والأمن الإقليمي، وحركة التجارة، والبحر الأحمر، فضلًا عن ملف مياه النيل.
كما أن ارتباط الأزمة السودانية بالأزمة الليبية يجعل القاهرة أمام بيئة إقليمية شديدة الحساسية؛ فالسودان وليبيا يمثلان معاً حدوداً ممتدة ومناطق اضطراب يمكن أن تنتقل آثارها الأمنية والسياسية إلى الداخل المصري إذا خرجت الأوضاع فيهما عن السيطرة.
ولهذا فإن التحرك المصري تجاه واشنطن بشأن الملفات الإقليمية، ومن بينها السودان وليبيا، يجب أن يُقرأ في إطار أوسع من مجرد اتصالات دبلوماسية عابرة.
مصر في النهاية معنية بمنع تحول الأزمات الموجودة على حدودها إلى أزمات أمنية مفتوحة ، خصوصاً إذا ترافقت مع انتشار السلاح والجماعات المسلحة وشبكات التهريب والمسيّرات وتدفقات اللاجئين.
والأخطر من ذلك أن استمرار الحرب السودانية بهذا الشكل يمكن أن يخلق مع الوقت ما يمكن وصفه بـ”اقتصاد حرب” كامل، تصبح فيه بعض الأطراف والقوى الإقليمية والدولية مرتبطة باستمرار الصراع أكثر من ارتباطها بإنهائه، سواء من خلال تجارة السلاح أو الموارد أو النفوذ الجغرافي أو السيطرة على طرق الإمداد.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي: هل نحن أمام محاولة دولية حقيقية لإيقاف الحرب ، أم أمام مرحلة جديدة من إعادة تشكيل موازين القوى داخل السودان تحت ضغط دولي متزايد؟
الإجابة لا تزال غير محسومة.
كما أن الحديث عن احتمال استخدام قوات دولية داخل السودان يحتاج إلى قدر كبير من الحذر، لأن الانتقال من التحقيق والعقوبات وحظر السلاح إلى تدخل دولي عسكري ليس خطوة تلقائية، وإنما يتطلب قرارات وترتيبات سياسية وقانونية ودولية معقدة.
لكن المؤكد أن إدخال ملف الأسلحة الكيميائية إلى الأزمة السودانية يرفع مستوى المخاطر بصورة كبيرة.
فإذا ثبتت هذه الاتهامات من خلال تحقيقات مستقلة وموثوقة، فإنها يمكن أن تمنح المجتمع الدولي أساساً أقوى لاتخاذ إجراءات إضافية ضد المسؤولين عن استخدامها أو تطويرها، وقد تفتح الباب أمام مرحلة أكثر تشددًا من العقوبات والضغوط الدولية.
وفي المقابل، إذا لم تثبت الاتهامات، فإن ذلك لا يعني انتهاء الأزمة، لأن السودان يواجه أصلًا سجلًا واسعاً من الانتهاكات والاتهامات المتبادلة، ويحتاج إلى تحقيقات مستقلة وشفافة تحدد المسؤوليات بعيدًا عن الدعاية العسكرية والسياسية لأي طرف.
المسألة إذن ليست مجرد “سلاح كيميائي”.
المسألة هي المسار الذي يمكن أن يؤدي إليه هذا الملف.
اتهامات خطيرة، ثم تحقيق دولي، ثم عقوبات، ثم قيود على التسليح، بالتزامن مع حرب تستخدم فيها المسيرات والأسلحة بعيدة المدى، بينما يعيش ملايين المدنيين تحت ضغط النزوح والجوع وانهيار الخدمات.
هذه التركيبة هي التي تجعل السودان أمام واحدة من أخطر مراحل الحرب منذ اندلاعها.
أما بالنسبة لمصر، فالمعادلة أكثر حساسية؛ لأن القاهرة لا تستطيع التعامل مع ما يحدث في السودان باعتباره أزمة خارجية منفصلة، وإنما باعتباره تطوراً يقع على عمق استراتيجي مباشر من حدودها الجنوبية ، ويمكن أن تتسع تداعياته إذا استمر انهيار مؤسسات الدولة السودانية أو تحولت البلاد إلى ساحة مفتوحة لتنافس القوى الإقليمية والدولية.
لذلك فإن الأيام والأسابيع المقبلة ستكون شديدة الأهمية.
فإذا اتجه المجتمع الدولي نحو تحقيق مستقل وفرض قيود على السلاح مع الدفع المتزامن نحو تسوية سياسية حقيقية، فقد يمثل ذلك بداية مسار لإنهاء الحرب.
أما إذا تحولت التحقيقات والعقوبات إلى أدوات لإعادة تشكيل ميزان القوة دون وجود مسار سياسي قابل للحياة، فقد تدخل السودان مرحلة جديدة أكثر خطورة، وربما أكثر عنفاً من المرحلة الحالية.
وهنا تحديدًا يجب أن نراقب التفاصيل لا العناوين فقط.
لأن ما يحدث في السودان اليوم قد لا تكون آثاره محصورة داخل السودان، وأي تحول كبير في طبيعة الحرب أو ميزان القوى هناك سيكون له بالضرورة انعكاسات على أمن المنطقة ، وعلى رأسها مصر.
والخلاصة الأهم : السودان يحتاج إلى وقف الحرب ، وحماية المدنيين، وتحقيقات مستقلة وشفافة في جميع الانتهاكات، ومنع تدفق السلاح إلى أطراف الصراع، لكن كل ذلك يجب أن يتم ضمن استراتيجية سياسية واضحة تمنع أن يتحول وقف تسليح طرف واحد إلى مجرد وسيلة لإعادة إنتاج الحرب بميزان قوة مختلف.
فالهدف الحقيقي ليس أن ينتصر طرف سوداني على آخر، وإنما أن تبقى هناك دولة سودانية قادرة على البقاء، وحدود يمكن تأمينها، ومؤسسات يمكن إعادة بنائها ، وشعب يستطيع العودة إلى حياته الطبيعية.
وما عدا ذلك ، فهو مجرد إدارة للأزمة وليس حلًا لها.



