زلزال سياسي في ألمانيا .. صعود اليمين المتشدد يتزامن مع تقارب أمريكي روسي يهدد بإعادة رسم خريطة أوروبا

✍️ يوحنا عزمي
ما حدث في ألمانيا الليلة ليس مجرد نتيجة انتخابية عابرة في إحدى الولايات، ولا يمكن قراءته باعتباره مجرد انتصار لحزب على حساب حزب آخر، لأن دلالة ما جرى في ساكسونيا-أنهالت تتجاوز حدود الولاية نفسها ، وتفتح سؤالًا أكبر بكثير حول الاتجاه الذي تسير فيه ألمانيا وأوروبا خلال المرحلة المقبلة.
حزب “البديل من أجل ألمانيا” المعروف اختصاراً بـAfD حقق تقدماً تاريخياً في انتخابات ساكسونيا – أنهالت ، متفوقاً بفارق كبير على حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي الذي ينتمي إليه المستشار فريدريش ميرتس. وتظهر النتائج الأولية تقدم AfD بنحو 45% من الأصوات مقابل نحو 18% للاتحاد الديمقراطي المسيحي، وهي نتيجة تحمل وزناً سياسياً كبيراً لأنها تأتي في لحظة تعيش فيها ألمانيا واحدة من أكثر مراحلها حساسية منذ نهاية الحرب الباردة.
والأهم من الرقم نفسه أن هذا الفوز يعكس شيئاً يتجاوز شعبية حزب بعينه؛ إنه يعكس حالة من الغضب والقلق وإعادة التفكير في السياسات التي حكمت ألمانيا خلال السنوات الماضية، خصوصاً في ملفات الهجرة والأمن والطاقة والحرب في أوكرانيا ومستقبل علاقة أوروبا بروسيا.
وهنا يجب أن نتوقف قليلًا.
فصعود اليمين الألماني لم يحدث في فراغ سياسي. ألمانيا اليوم تدفع ثمنًا اقتصادياً واستراتيجياً متزايداً للحرب الروسية الأوكرانية، وفي الوقت نفسه تواجه أسئلة داخلية صعبة حول الهجرة والاندماج والإنفاق الاجتماعي والأمن الداخلي. ولذلك فإن جزءًا مهمًا من صعود AfD يمكن فهمه باعتباره تعبيراً عن رغبة قطاعات من الناخبين في تغيير الاتجاه، وليس فقط باعتباره تحولًا أيديولوجياً نحو اليمين.
لكن الخطأ هو اختزال المشهد كله في عبارة “ألمانيا أصبحت مؤيدة لروسيا”.
الأمر أكثر تعقيداً من ذلك.
صحيح أن AfD يتبنى مواقف أكثر تشككاً تجاه استمرار الدعم العسكري والمالي لأوكرانيا، ويدعو إلى إعادة النظر في سياسة ألمانيا تجاه موسكو، إلا أن ذلك لا يعني تلقائياً أن الحزب يستطيع، بمجرد فوزه في انتخابات ولاية ، أن يعيد صياغة السياسة الخارجية الألمانية أو يفتح الطريق مباشرة أمام عودة العلاقات مع روسيا.
لكن سياسياً ، الرسالة التي خرجت من صناديق الاقتراع واضحة للغاية: هناك شريحة متزايدة من المجتمع الألماني لم تعد مقتنعة بأن السياسة الحالية يجب أن تستمر بالطريقة نفسها.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى.
في الوقت الذي كانت فيه ألمانيا تشهد هذا التحول السياسي الداخلي، كانت موسكو وواشنطن تتحركان في اتجاه مختلف تماماً.
ففي موسكو، التقى مبعوثا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر ، بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الكرملين، واستمرت المحادثات أكثر من ثلاث ساعات. ولم تكن أهمية اللقاء في مدته فقط، وإنما في حقيقة أن واشنطن تواصل فتح قنوات مباشرة مع موسكو في الوقت الذي تبدو فيه العلاقة بين روسيا وأجزاء واسعة من أوروبا في أسوأ مراحلها منذ عقود.
ثم جاءت الخطوة التالية التي تحمل دلالة سياسية أكبر؛ فبعد موسكو ، توجه المبعوثان إلى كييف للقاء الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، ووصل الاثنان إلى العاصمة الأوكرانية عبر بولندا والقطار ، في ظل استمرار إغلاق المجال الجوي الأوكراني أمام الرحلات المدنية.
وهنا تصبح الصورة أكثر وضوحاً.
واشنطن لا تتعامل مع موسكو وكييف باعتبارهما مسارين منفصلين، وإنما تحاول أن تمسك بالخيطين في الوقت نفسه، وهو ما يعني أن إدارة ترامب لا تزال ترى أن الوصول إلى تسوية للحرب يمر أولًا عبر التواصل المباشر مع بوتين ، ثم نقل ما جرى إلى الجانب الأوكراني.
والعبارة التي نقلت عن كوشنر بعد اللقاء، ومفادها أن “الأعداء لن يبقوا أعداء إلى الأبد”، تختصر فلسفة هذا التحرك أكثر من أي تصريح آخر؛ فالمقصود ليس أن الخلاف الروسي الأمريكي انتهى، ولا أن اتفاقًا تاريخياً أصبح جاهزاً ، وإنما أن واشنطن تريد إبقاء الباب مفتوحاً أمام تحويل الخصومة إلى تفاوض ، والتفاوض إلى صفقة إذا توافرت الشروط.
وهذا تحديداً هو ما يجعل المشهد الأوروبي شديد الحساسية.
لأن أوروبا تتحرك في اتجاه، بينما تحاول واشنطن فتح اتجاه آخر.
ألمانيا، في ظل حكومة ميرتس، تتجه نحو مزيد من التشدد تجاه روسيا، خصوصاً بعدما اتهمت برلين موسكو بالوقوف وراء حادث الطائرة المسيرة في مطار لايبزيغ/ هاله ، واتخذت إجراءات دبلوماسية ضد مؤسسات روسية. وفي المقابل، رفضت موسكو الاتهامات، بينما ذهب وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى استخدام لغة شديدة التصعيد، معتبراً أن الاتهامات الألمانية تمثل بداية «حرب حقيقية»، ومتهماً ميرتس بدفع ألمانيا نحو العسكرة.
وهنا تحديداً يصبح الانتصار الكبير لـAfD أكثر أهمية من مجرد نتيجة انتخابية محلية.
لأن السؤال الذي ستضطر برلين إلى طرحه على نفسها هو: إلى أي مدى يمكن الاستمرار في سياسة التصعيد مع روسيا بينما تتغير المزاجات السياسية داخل المجتمع الألماني نفسه؟
فإذا استمر الضغط الشعبي لصالح اليمين ، وإذا حققت الأحزاب المحافظة أو اليمينية نتائج أكبر في الانتخابات المقبلة، فإن هامش الحركة أمام الحكومة الألمانية قد يتقلص بصورة واضحة.
ليس لأن ألمانيا ستتحول بالضرورة إلى حليف لروسيا ، فهذا استنتاج متسرع، وإنما لأن فكرة استمرار المواجهة المفتوحة مع موسكو لن تبقى محل إجماع سياسي كما كانت في بداية الحرب.
وهذا هو التغيير الحقيقي.
إن أوروبا التي دخلت الحرب الأوكرانية وهي تتحدث بلغة واحدة تقريبًا تجاه روسيا، بدأت اليوم تدخل مرحلة جديدة تتعدد فيها الأصوات، وتتباين فيها المصالح، ويزداد فيها السؤال حول تكلفة استمرار الصراع.
فالناخب الألماني لا ينظر فقط إلى الخرائط العسكرية في أوكرانيا؛ إنه ينظر أيضاً إلى فاتورة الطاقة ، والهجرة ، والأمن ، والاقتصاد، ومستوى المعيشة، ومستقبل بلاده، ويسأل سؤالًا بسيطًا لكنه شديد الخطورة سياسياً : إلى متى؟
ومن هنا يمكن فهم الصعود المتواصل لليمين الأوروبي.
فالمسألة ليست ألمانيا وحدها، وإنما ظاهرة سياسية أوسع تمتد إلى عدد من الدول الأوروبية، حيث تستغل الأحزاب اليمينية حالة القلق الشعبي من الهجرة والاقتصاد والحرب وتراجع الثقة في الأحزاب التقليدية.
ولهذا فإن ما حدث في ساكسونيا – أنهالت يجب أن يكون جرس إنذار حقيقي بالنسبة إلى ميرتس، وليس فقط لحزبه.
لأن المشكلة بالنسبة إليه ليست أنه خسر ولاية، وإنما أن جزءًا من الناخبين الذين كان من المفترض أن يشكلوا القاعدة الطبيعية للتيار المحافظ بدأ ينقل صوته إلى اليمين الأكثر تشدداً.
وهنا قد تصبح المعركة القادمة داخل ألمانيا أكثر تعقيدًا من مجرد مواجهة بين الحكومة والمعارضة ؛ فقد تتحول إلى معركة على تعريف ألمانيا نفسها: هل تريد أن تكون القوة العسكرية والسياسية الرئيسية في أوروبا في مواجهة روسيا؟ أم تريد تخفيف التوتر والعودة تدريجياً إلى سياسة أكثر براغماتية تجاه موسكو؟
وفي الوقت نفسه، هل تستمر ألمانيا في استقبال المهاجرين وفق السياسات السابقة، أم تتجه إلى تشديد جذري في سياسة الهجرة واللجوء؟
هذه الأسئلة هي التي صنعت صعود AfD، وليس مجرد الشعارات الانتخابية.
أما التطور الروسي الأمريكي، فهو يضيف طبقة أخرى إلى المشهد.
إذا تمكنت إدارة ترامب في النهاية من تحقيق اختراق حقيقي مع موسكو، فإن ذلك سيغير الحسابات الأوروبية بأكملها. وإذا بدأت واشنطن وموسكو في الاقتراب من تفاهم حول الحرب الأوكرانية، فقد تجد بعض الحكومات الأوروبية نفسها أمام واقع جديد لم تكن مستعدة له؛ واقع لا تكون فيه أوروبا هي الطرف الذي يحدد وحده شكل العلاقة مع روسيا.
وهذا تحديداً ما يفسر حساسية زيارة ويتكوف وكوشنر إلى موسكو أولًا ثم كييف.
فواشنطن أرادت أن تستمع إلى بوتين، ثم تستمع إلى زيلينسكي، وتحاول أن تضع الطرفين داخل مسار تفاوضي واحد. ولم تعلن المحادثات عن اختراق حاسم حتى الآن، لكن مجرد استمرار هذا المستوى من التواصل بين واشنطن وموسكو في حد ذاته يحمل أهمية استراتيجية.
أما أوروبا، فهي تراقب كل ذلك بقلق؛ لأن أي صفقة روسية أمريكية مستقبلية قد تعيد رسم موازين القوة داخل القارة.
وهنا نصل إلى الخلاصة الأهم.
ما يحدث في ألمانيا، وما يحدث بين واشنطن وموسكو، وما يحدث في الحرب الأوكرانية ، ليست ملفات منفصلة.
إنها أجزاء من عملية واحدة عنوانها الأكبر: إعادة تشكيل النظام السياسي والأمني في أوروبا.
صعود اليمين الألماني يعني أن الشارع بدأ يضغط من الداخل.
التقارب الأمريكي الروسي المحتمل يعني أن واشنطن تحاول فتح مخرج من الخارج.
والحرب في أوكرانيا تمثل نقطة الاشتباك التي تتقاطع عندها المصالح الروسية والأمريكية والأوروبية.
لذلك فإن الانتخابات الألمانية الأخيرة قد لا تكون مجرد خبر سياسي ينتهي بإعلان النتائج، وإنما قد تكون واحدة من العلامات التي تشير إلى أن أوروبا دخلت بالفعل مرحلة سياسية جديدة.
مرحلة لم تعد فيها قضايا الحرب والسلام والهجرة والعلاقة مع روسيا مجرد ملفات حكومية، بل أصبحت قضايا تحدد مستقبل الأحزاب والحكومات نفسها.
والسؤال الحقيقي الآن ليس فقط: من فاز في ساكسونيا-أنهالت؟
السؤال هو: هل نحن أمام بداية موجة سياسية ألمانية وأوروبية جديدة ستعيد تعريف علاقة أوروبا بروسيا، وبأوكرانيا، وبالولايات المتحدة؟
إذا استمرت نتائج اليمين في الصعود، وإذا نجحت واشنطن في الوقت نفسه في دفع مسار تفاوضي مع موسكو، فإن أوروبا خلال السنوات المقبلة قد تبدو مختلفة تماماً عن أوروبا التي عرفناها منذ بداية الحرب الأوكرانية.
وهنا تكمن أهمية ما حدث الليلة.
فالتغيير ربما لم يبدأ في برلين بعد، لكنه بدأ يظهر بوضوح في صناديق الاقتراع.



