يوحنا عزمي يكتب : الوقود أشعل الشارع السوري .. هل بدأت أولى أزمات حكومة أحمد الشرع

ما يحدث في سوريا الآن لا يمكن اختزاله ببساطة في أنه مجرد احتجاج على ارتفاع أسعار الوقود، لأن الشرارة قد تكون اقتصادية، لكن خلفها تراكمات أكبر بكثير من مجرد سعر لتر سولار أو بنزين.
خلال الساعات الماضية ، شهدت مناطق سورية عدة تحركات واحتجاجات وإغلاقاً لطرق رئيسية، وسط هتافات سياسية في بعض المقاطع المتداولة وصلت إلى المطالبة بإسقاط حكومة أحمد الشرع. وهنا لازم نكون دقيقين، لأن بعض الفيديوهات التي يجري تداولها على مواقع التواصل قيل إنها قديمة ولا تعود إلى موجة الاحتجاجات الحالية، وبالتالي لا يصح استخدام كل مقطع متداول باعتباره دليلًا على ما يحدث الآن.
لكن بعيداً عن الفيديوهات المتداولة، هناك بالفعل غضب اجتماعي مرتبط بقرار اقتصادي ثقيل جاء في توقيت بالغ الحساسية.
الحكومة السورية رفعت أسعار الوقود بشكل حاد، فارتفع سعر الديزل من 125 إلى 175 ليرة للتر، أي بنحو 40%، بينما ارتفع بنزين 95 إلى 195 ليرة، وبنزين 90 إلى 185 ليرة، إلى جانب زيادات في أسعار الغاز المنزلي والصناعي.
قد تبدو هذه الأرقام في ظاهرها مجرد تعديلات في أسعار الطاقة، لكن في بلد خرج لتوه من سنوات طويلة من الحرب والدمار والانهيار الاقتصادي ، فإن الوقود ليس سلعة منفصلة عن حياة المواطن ، بل هو جزء من تكلفة كل شيء تقريباً.
السولار تحديداً يدخل في حركة النقل، والزراعة، وتشغيل المعدات، ونقل البضائع ، وبعض أعمال الصناعة والتدفئة. وبالتالي فإن رفع سعره بنسبة كبيرة لا يتوقف تأثيره عند محطة الوقود، وإنما يبدأ منها ثم ينتقل تدريجياً إلى أجرة المواصلات ، وتكلفة نقل الخضروات، وأسعار السلع، وتكلفة الإنتاج، وفي النهاية إلى دخل الأسرة وقدرتها على شراء احتياجاتها الأساسية.
وهنا تظهر حساسية القرار.
المواطن السوري لا يدخل هذه الأزمة من نقطة الصفر. الأمم المتحدة تشير إلى أن نحو 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، بعد سنوات من الحرب وتراجع الإنتاج وتدمير البنية التحتية وتدهور القدرة الشرائية.
وبالتالي فإن أي زيادة مفاجئة في تكاليف الطاقة يمكن أن تتحول بسرعة إلى ضغط اجتماعي واسع، خصوصاً عندما لا تكون هناك زيادة موازية في الدخول.
وهذا هو السبب في أن احتجاجات الوقود، حتى لو بدأت بمطلب اقتصادي، يمكن أن تتطور سريعاً إلى احتجاج على الوضع المعيشي بأكمله.
السائق يشعر أن تكلفة تشغيل سيارته ارتفعت، والمزارع يواجه تكلفة أعلى لتشغيل المعدات ونقل المحصول، والتاجر يدفع أكثر لنقل البضائع ، والمستهلك يجد نفسه أمام أسعار جديدة في الأسواق.
كل حلقة من هذه السلسلة تضغط على الحلقة التي تليها.
لكن هل يعني ذلك أن الحكومة اتخذت القرار من دون أسباب؟
الأمر أكثر تعقيداً من ذلك.
الحكومة السورية تقول إن الزيادة مؤقتة، وإن ارتفاع تكاليف شراء واستيراد الوقود كان أحد الأسباب الرئيسية وراء القرار، خصوصاً أن سوريا تعاني أصلًا من فجوة كبيرة بين الإنتاج المحلي واحتياجاتها النفطية.
وبحسب تصريحات وزير الطاقة السوري، فإن إنتاج البلاد يبلغ نحو 102 ألف برميل يومياُ ، في حين تصل الاحتياجات المحلية إلى نحو 325 ألف برميل يوميًا.
بمعنى آخر، الإنتاج المحلي لا يغطي سوى جزء محدود من الاستهلاك، بينما تعتمد البلاد على الواردات لتغطية الفجوة.
وهنا تصبح أسعار النفط العالمية بالنسبة لسوريا مسألة داخلية وليست مجرد خبر اقتصادي على شاشات الأسواق العالمية.
كل ارتفاع في أسعار النفط العالمية يعني تكلفة أكبر على دولة تحتاج إلى استيراد كميات كبيرة من الطاقة، خصوصاً في ظل اقتصاد ضعيف وموارد مالية محدودة.
وتزداد المشكلة تعقيداً مع توقف مصفاة بانياس، وهي إحدى أهم منشآت تكرير النفط في البلاد، لإجراء أعمال صيانة، وهو ما يضع المزيد من الضغط على توافر المنتجات النفطية المكررة.
إذن الحكومة أمام معادلة صعبة للغاية:
إذا أبقت الأسعار منخفضة بصورة لا تتناسب مع تكلفة الاستيراد، فسوف تتحمل الدولة الفارق، وهو ما يضغط على المالية العامة ويهدد استدامة الإمدادات.
وإذا رفعت الأسعار بسرعة، فسوف تنتقل تكلفة القرار مباشرة إلى المواطن، وقد تتحول الأزمة المالية إلى أزمة اجتماعية وسياسية.
وهنا تحديداً تكمن خطورة اللحظة الحالية.
لأن المشكلة ليست في قرار رفع السعر وحده، وإنما في السؤال الأهم : هل يستطيع المواطن السوري تحمل تبعات هذا القرار؟
الإجابة في ظل معدلات الفقر وانخفاض الدخول تبدو شديدة الصعوبة.
والأخطر أن ملف الطاقة لا يعيش بمعزل عن التطورات الإقليمية والدولية.
أسواق النفط أصبحت شديدة الحساسية لأي اضطراب في مناطق الإنتاج أو طرق الإمداد ، وأي تصعيد عسكري في الشرق الأوسط يمكن أن يرفع تكلفة التأمين والشحن والإمدادات ويزيد الضغط على الدول المستوردة للوقود.
كما أن اضطرابات الإمدادات الروسية والهجمات التي استهدفت منشآت الطاقة خلال الفترة الماضية أضافت مزيداً من الضغوط إلى سوق الوقود العالمي.
لكن يجب هنا التمييز بين أمرين: ارتفاع الأسعار العالمية قد يزيد تكلفة الاستيراد على سوريا ، لكن ربط كل زيادة محلية بعامل إقليمي واحد فقط سيكون تبسيطاً مخلًا لمشهد اقتصادي أكثر تعقيدًا.
القضية في النهاية هي تراكم عدة أزمات فوق بعضها البعض.
اقتصاد منهك، إنتاج نفطي محدود، اعتماد على الاستيراد، بنية تحتية تحتاج إلى إعادة إعمار، قدرة شرائية ضعيفة، واحتياجات اجتماعية هائلة.
وفي هذه البيئة، يصبح قرار اقتصادي واحد قادرًا على إشعال حالة غضب أوسع من حجمه المالي.
وهنا نصل إلى الجانب السياسي.
عندما يبدأ المواطن بالخروج إلى الشارع بسبب ارتفاع أسعار الوقود ، ثم تتحول المطالب إلى المطالبة بإقالة مسؤولين اقتصاديين أو وزراء، أو تظهر هتافات سياسية ضد القيادة، فهذا يعني أن الأزمة بدأت تنتقل من خانة “غلاء الأسعار” إلى خانة “الثقة في إدارة الدولة”.
وهذا هو الاختبار الحقيقي أمام حكومة أحمد الشرع.
فالحكومات الجديدة عادة لا تُختبر فقط عندما تكون الظروف جيدة، وإنما عندما تضطر لاتخاذ قرارات مؤلمة في ظل اقتصاد هش ومجتمع أنهكته سنوات الحرب.
وقد يكون أمام الحكومة أكثر من خيار: التراجع عن الزيادة، أو تخفيفها، أو تقديم دعم مباشر للفئات الأكثر تضرراً، أو إيجاد آلية تعويض للنقل والزراعة، أو شرح الأسباب الاقتصادية للرأي العام بصورة أكثر شفافية.
لكن أياً كان القرار ، فالمعادلة ليست سهلة.
لأن التراجع الكامل قد يخفف الاحتقان الشعبي على المدى القصير، لكنه لا يحل مشكلة تكلفة الطاقة وتمويل الواردات.
وفي المقابل، الإصرار على الزيادة دون إجراءات اجتماعية موازية قد يحافظ على جزء من التوازن المالي ، لكنه يمكن أن يفاقم الغضب الشعبي.
وهنا تظهر أهمية السياسة الاقتصادية الذكية: ليس المطلوب فقط أن تعرف الدولة كم تحتاج من الأموال ، وإنما أن تعرف أيضًا كم يستطيع المواطن تحملَه.
السوريون عاشوا سنوات طويلة دفعوا خلالها أثماناً هائلة بسبب الحرب والانقسام والانهيار الاقتصادي، ولذلك فإن أي حكومة في دمشق تواجه اليوم مهمة شديدة الصعوبة : إعادة بناء الدولة والاقتصاد في الوقت نفسه ، من دون أن يتحول المواطن نفسه إلى الطرف الذي يدفع تكلفة إعادة البناء وحده.
ولهذا فإن ما يحدث في الشارع السوري يستحق المتابعة بعيداً عن المبالغة أو التهويل.
قد تكون شرارة الاحتجاج هي الوقود ، لكن جذورها أعمق من الوقود بكثير.
إنها أزمة معيشة، وأزمة قدرة شرائية، وأزمة ثقة، واختبار لقدرة السلطة الجديدة على إدارة بلد خرج من حرب طويلة وهو يحمل واحدًا من أثقل الملفات الاقتصادية والاجتماعية في المنطقة.
والأيام المقبلة ستكون مهمة جداً.
فإذا استطاعت الحكومة احتواء الغضب عبر إجراءات اقتصادية واجتماعية مقنعة، فقد تبقى الأزمة في حدود احتجاجات مطلبية مؤقتة.
أما إذا استمرت الضغوط المعيشية وتوسعت الاحتجاجات وتحولت المطالب الاقتصادية إلى مطالب سياسية ، فسوف نكون أمام تطور أكثر أهمية بكثير من مجرد زيادة في أسعار الوقود.
وفي النهاية، يبقى الشعب السوري هو من دفع الثمن الأكبر طوال السنوات الماضية.



