مقالات

إنتخابات الكنيست 2026 .. هل يدفع نتنياهو ثمن الحرب؟

بقلم : يوحنا عزمي

لو عايزين نفهم الإنتخابات الإسرائيلية اللي بتحصل في أكتوبر 2026، فلازم نبص للصورة من بعيد شوية، لأن الموضوع مش مجرد إنتخابات عادية، ولا مجرد منافسة بين نتنياهو ومنافسيه على كرسي رئيس الحكومة. الحكاية أكبر من كده بكتير ، لأن إسرائيل داخلة الانتخابات وهي شايلة معاها إرث تقيل من الحروب والأزمات والانقسامات الداخلية، وبتواجه أسئلة صعبة عن مستقبلها، وعن شكل الدولة اللي الإسرائيليون عايزين يعيشوا فيها خلال السنوات الجاية.

من بعد هجوم السابع من أكتوبر 2023، والمنطقة كلها دخلت مرحلة مختلفة، وإسرائيل نفسها اتغيرت فيها حاجات كتير. الحرب فتحت ملفات كانت موجودة من قبل، لكنها خلت تجاهلها أصعب، وعلى رأسها المسؤولية عن الإخفاق الأمني، ومستقبل الرهائن ، وتكلفة الحرب ، وقدرة الحكومة على تحقيق الأهداف اللي أعلنتها ، فضلًا عن الخلافات الداخلية اللي زادت حدتها مع مرور الوقت.

وهنا لازم نسأل سؤال مهم : هل الإنتخابات دي هتكون مجرد تغيير في الأشخاص اللي بيديروا الدولة، ولا ممكن تكون بداية لمراجعة أوسع للسياسات اللي وصلت إسرائيل إلى المرحلة دي؟

السؤال ده هو مفتاح فهم المشهد كله ، لأن الناخب الإسرائيلي مش هيدخل الإنتخابات وهو بيفكر في الشعارات السياسية بس، لكنه كمان هيفكر في الأمن وفي مستقبل أولاده، وفي الاقتصاد، وفي تكلفة إستمرار المواجهات العسكرية، وفي مدى قدرته على الثقة في الحكومة والمؤسسات الأمنية بعد اللي حصل.

نتنياهو .. هل يستطيع تجاوز إرث الحرب؟

نتنياهو مش مجرد رئيس حكومة داخل منافسة انتخابية، لكنه بقى في قلب نقاش واسع عن المسؤولية السياسية والأمنية. فهناك قطاعات داخل المجتمع الإسرائيلي بتسأل عن كيفية وقوع هجوم السابع من أكتوبر، وعن المسؤولين عن الإخفاقات اللي سبقته، وعن القرارات اللي اتخذتها الحكومة خلال الحرب، وهل حققت النتائج اللي وعدت بيها الإسرائيليين أم لا.

في المقابل، فيه إسرائيليون لسه بيشوفوا إن الخبرة الأمنية والسياسية عامل مهم في اختيار القيادة، وإن التحديات اللي بتواجه الدولة محتاجة قيادة عندها خبرة في التعامل مع الأزمات الإقليمية. وبالتالي ، فالمشهد مش بالبساطة اللي ممكن يتصورها البعض، ومش كل الإسرائيليين بيقيموا أداء الحكومة بالطريقة نفسها.

لكن المشكلة الأساسية بالنسبة لنتنياهو إن ملف الحرب مش هينتهي بمجرد انتهاء العمليات العسكرية، لأن الأسئلة المتعلقة بالمسؤولية والمحاسبة والنتائج هتفضل موجودة ، وهتتحول إلى جزء من النقاش السياسي والانتخابي.

وهنا تظهر نقطة مهمة : هل الناخب الإسرائيلي هيقيم الحكومة على أساس الخطاب اللي بتقدمه عن الأمن والتهديدات الخارجية ، ولا هيحاسبها كمان على النتائج الفعلية للقرارات اللي اتخذتها؟

الإجابة عن السؤال ده هتكون مرتبطة بمواقف الناخبين، وبقدرة كل حزب على إقناعهم برؤيته للمستقبل، لكن المؤكد إن إرث الحرب هيكون حاضراً بقوة في تقييم التجربة السياسية الحالية.

المعارضة .. هل يكفي إسقاط نتنياهو؟

على الجانب الآخر، فيه قوى سياسية بتحاول تقدم نفسها باعتبارها البديل عن الحكومة الحالية. لكن المعارضة الإسرائيلية عندها مشكلة مهمة، وهي إن الاتفاق على معارضة نتنياهو مش معناه بالضرورة الاتفاق على كل القضايا الأساسية.

يعني ممكن تلاقي أحزاب متفقة على ضرورة تغيير الحكومة، لكنها مختلفة في التعامل مع غزة، أو مستقبل الضفة الغربية، أو قضية الاستيطان، أو علاقة الدين بالدولة ، أو حتى شكل السياسة الأمنية اللي المفروض إسرائيل تتبعها في المرحلة المقبلة.

وده معناه إن المعركة مش هتكون فقط على عدد المقاعد اللي هيحصل عليها كل حزب ، لكن كمان على القدرة على تشكيل ائتلاف يقدر يحكم فعلًا.

خلينا نفتكر إن الكنيست الإسرائيلي بيتكون من 120 عضواً ، وأي حكومة محتاجة دعم 61 عضواً على الأقل عشان تضمن الأغلبية البرلمانية. وبالتالي، حتى لو حزب حصل على عدد كبير من المقاعد ، فده مش معناه تلقائياً إنه هيقدر يشكل الحكومة بمفرده.

ومن هنا، الأحزاب الصغيرة ممكن تلعب دوراً مهماً في تحديد شكل الحكومة المقبلة، خصوصاً لو النتائج أفرزت برلماناً منقسماً بين كتل متقاربة في الحجم.

وده يفتح الباب أمام إحتمال إستمرار المفاوضات السياسية لفترة، لأن تشكيل الحكومة في إسرائيل مش مجرد إعلان عن الحزب اللي حصل على أكبر عدد من المقاعد، لكنه عملية معقدة من التفاهمات والتحالفات وتوزيع المسؤوليات.

الجيش والحريديم .. أزمة داخلية مش أقل أهمية من الحرب

من الملفات اللي تستحق المتابعة كمان قضية تجنيد اليهود الحريديم أو المتدينين المتشددين ، في الجيش الإسرائيلي.

القضية دي ممكن تبدو للبعض خلافاً داخلياً متعلقاً بالدين، لكنها في الحقيقة بقت مرتبطة بسؤال أكبر : مين بيتحمل تكلفة الحرب، ومين بيشارك في أداء الخدمة العسكرية ، وهل من المقبول إستمرار إختلاف الالتزامات بين فئات المجتمع في وقت الدولة فيه محتاجة أعداداً كبيرة من الجنود؟

مع استمرار العمليات العسكرية وتكرار استدعاء جنود الاحتياط، زادت أهمية النقاش ده، خصوصاً مع تمسك الأحزاب الدينية بترتيبات خاصة تسمح لقطاعات من الحريديم بالاستمرار في الدراسة الدينية ، مقابل مطالب بفرض التزامات عسكرية أكثر اتساعاً.

والقضية هنا مش قانونية بس ، لكنها كمان سياسية واجتماعية، لأنها بتكشف عن خلافات عميقة حول طبيعة المجتمع الإسرائيلي نفسه.

والأهم إن الملف ده ممكن يؤثر على شكل أي حكومة مقبلة، لأن الأحزاب الدينية بتشكل جزءًا مهماً من بعض التحالفات السياسية، وأي خلاف حول التجنيد ممكن يتحول إلى أزمة تهدد تماسك الائتلاف الحاكم.

بمعنى أبسط، الحكومة المقبلة مش هتكون مطالبة بالتعامل مع التحديات الخارجية فقط، لكنها كمان هتكون مضطرة لمواجهة خلافات داخلية قديمة زادت الحرب من حدتها.

الفلسطينيون .. هل تتغير السياسة الإسرائيلية بعد الإنتخابات ؟

هنا بقى نصل إلى السؤال الأهم بالنسبة للمنطقة العربية : هل الانتخابات الإسرائيلية ممكن تفتح الباب أمام تغيير حقيقي في التعامل مع القضية الفلسطينية؟

الإجابة مش سهلة ، لأن تغيير الحكومة مش معناه بالضرورة تغيير السياسة. ممكن تتغير الوجوه ، وتتبدل التحالفات ، وتختلف طريقة الخطاب السياسي، لكن تفضل القضايا الأساسية من غير حل.

مستقبل غزة، والوضع في الضفة الغربية، والاستيطان، والحقوق السياسية للفلسطينيين، كلها ملفات هتحدد إلى حد كبير طبيعة المرحلة المقبلة.

والمشكلة إن الخلافات داخل إسرائيل لا تعني بالضرورة وجود اتفاق واسع على إقامة دولة فلسطينية أو على تسوية نهائية للصراع. فهناك اختلافات بين الأحزاب في أسلوب إدارة الملفات ، لكن ده لا يعني إن كل القوى المعارضة للحكومة الحالية بتتبنى رؤية واحدة لمستقبل الفلسطينيين.

وعشان كده، من المهم ألا نتعامل مع الانتخابات باعتبارها ضمانة تلقائية لحدوث انفراجة سياسية. الأهم هو متابعة البرامج والمواقف الفعلية ، وما إذا كانت الحكومة الجديدة ، أيا كان شكلها ، مستعدة لتغيير السياسات على الأرض.

وبالنسبة لمصر ، الموضوع له أهمية مباشرة ، لأن أي تصعيد في غزة أو تغير في الأوضاع بالضفة الغربية ممكن تكون له انعكاسات على الأمن الإقليمي، وعلى جهود التهدئة ، وعلى مستقبل العلاقات بين إسرائيل والدول العربية.

وده يخلينا نفهم إن الانتخابات الإسرائيلية مش شأناً داخلياً بحتاً، لأن نتائجها والقرارات اللي هتترتب عليها ممكن تؤثر في حسابات دول المنطقة كلها.

هل انتهى زمن الإعتماد على القوة العسكرية وحدها؟

لو بصينا إلى المشهد من زاوية أوسع، هنلاقي إن أحد أهم الأسئلة اللي فرضتها الحرب هو مدى قدرة القوة العسكرية وحدها على توفير الأمن المستدام.

إسرائيل تمتلك قدرات عسكرية واستخباراتية كبيرة، لكن أحداث السابع من أكتوبر وما تلاها أثارت نقاشاً واسعاً حول حدود هذه القدرات، وحول الفارق بين تحقيق أهداف عسكرية على الأرض وبين الوصول إلى استقرار سياسي طويل الأمد.

القوة العسكرية ممكن تحقق مكاسب ميدانية، وممكن تغير موازين القوة في لحظة معينة، لكنها مش بالضرورة قادرة على إنهاء الصراعات أو منع تجددها في المستقبل.

وده مش معناه إن الاعتبارات الأمنية ممكن تجاهلها، لكنها بتطرح سؤالاً مهماً : إيه الخطة السياسية اللي هتيجي بعد العمليات العسكرية؟ وإزاي ممكن تحويل المكاسب الميدانية ، لو تحققت ، إلى وضع أكثر استقراراً ؟

الأسئلة دي هتكون مهمة لأي حكومة إسرائيلية مقبلة، لأن استمرار الصراع من غير أفق سياسي واضح ممكن يترك أزمات مفتوحة حتى بعد انتهاء المعارك.

وفي المقابل، فإن الوصول إلى تسوية سياسية مش هيكون أمراً بسيطاً ، لأنه محتاج معالجة قضايا معقدة، وتفاهمات بين أطراف متعارضة، وضمانات أمنية وسياسية يصعب الوصول إليها من غير إرادة حقيقية للتفاوض.

وماذا عن مستقبل إسرائيل بعد الانتخابات؟

في تقديري، أهمية انتخابات أكتوبر 2026 مش في اسم الشخص اللي هيقدر يشكل الحكومة فقط، لكن في طبيعة الأسئلة اللي هتفرض نفسها على القيادة المقبلة.

هل هتكون هناك مراجعة جدية للإخفاقات الأمنية؟ هل هتقدر الحكومة الجديدة تتعامل مع الانقسامات الداخلية؟ هل هتقدم رؤية واضحة لمستقبل غزة والقضية الفلسطينية؟ وهل هتنجح في تحقيق توازن بين متطلبات الأمن وتكلفة استمرار المواجهات العسكرية؟

دي كلها أسئلة أكبر من مجرد المنافسة بين الأحزاب ، لأنها بتتعلق بمستقبل الدولة وطبيعة علاقاتها مع محيطها الإقليمي.

ومهم كمان نفهم إن أي تغيير سياسي في إسرائيل مش بالضرورة هيكون في اتجاه واحد. ممكن نشوف تغييرًا في أسلوب إدارة الملفات من غير تغيير جذري في الأهداف، وممكن تظهر حكومة تواجه صعوبات في تنفيذ وعودها بسبب طبيعة الائتلاف اللي هتتشكل منه، أو بسبب الانقسامات داخل المجتمع نفسه.

عشان كده، من الأفضل عدم التعامل مع الانتخابات باعتبارها لحظة سحرية هتحل كل الأزمات ، لأن الواقع أكثر تعقيداً من كده.

في النهاية، الطريق إلى انتخابات الكنيست السادسة والعشرين هو في الحقيقة طريق إلى مواجهة أسئلة مؤجلة. فالحرب تركت وراءها خسائر وتداعيات أمنية وسياسية واجتماعية ، وفتحت نقاشاً حول المسؤولية والمحاسبة ومستقبل الصراع ، وكل دي ملفات مش هتختفي بمجرد إعلان نتائج الانتخابات.

ممكن تتغير الحكومة، وممكن تتغير التحالفات، لكن التحدي الحقيقي هيكون في قدرة القيادة المقبلة على التعامل مع الأسباب العميقة للأزمات، مش مجرد إدارة نتائجها.

والسؤال اللي يستحق المتابعة مش بس: مين هيحكم إسرائيل بعد الانتخابات؟ لكن كمان: هل القيادة الجديدة هتقدر تقدم تصوراً مختلفاً لمستقبل الدولة وعلاقتها بالمنطقة، ولا هنكون أمام تغيير في الأشخاص مع استمرار الخلافات والسياسات نفسها؟

الإجابة مش هتتحدد من نتائج الصناديق وحدها، لكنها هتظهر في القرارات اللي هتتخذها الحكومة المقبلة ، وفي موقفها من الحرب والسلام، وفي قدرتها على تحويل الشعارات الانتخابية إلى سياسات فعلية.

لأن إرث الحرب مش مجرد فصل انتهى من تاريخ إسرائيل، لكنه اختبار مستمر لمستقبلها ، ولقدرة نظامها السياسي على التعامل مع واقع إقليمي لا يبدو أن أزماته هتنتهي بمجرد انتهاء الانتخابات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى