مضيق هرمز بين الرواية الأمريكية والواقع الميداني.. هل تتحكم واشنطن في معادلة الملاحة أم تفرض خطاباً سياسياً لتخفيف الضغوط الداخلية؟

ك. الصحفي : يوحنا عزمي
تبدو التصريحات الصادرة عن البيت الأبيض وكبار المسؤولين في الإدارة الأمريكية، وكذلك قيادة القيادة المركزية الأمريكية، بشأن السيطرة الكاملة للولايات المتحدة على حركة الملاحة الدولية في مضيق هرمز ، وكأنها محاولة مستمرة لتقديم صورة مغايرة لما يجري على الأرض.
فواشنطن تصر على نفي إمتلاك إيران أي قدرة حقيقية على التحكم في المضيق، وتؤكد أن الملاحة البحرية لا تزال تحت سيطرتها، وأن حركة ناقلات النفط والسفن التجارية تسير بصورة طبيعية وآمنة. لكن المشكلة الأساسية أن الرواية السياسية، مهما تكررت على ألسنة المسؤولين ، لا تستطيع أن تحل محل الوقائع الميدانية ، ولا أن تلغي المخاطر التي تفرض نفسها على حركة التجارة والطاقة العالمية.
فمضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي عادي يمكن قياس السيطرة عليه بعدد القطع البحرية الأمريكية الموجودة في المنطقة أو بحجم التصريحات العسكرية الصادرة عن واشنطن. إنه أحد أهم الشرايين الإستراتيجية للاقتصاد العالمي، وأي اضطراب في حركة الملاحة داخله ينعكس بصورة مباشرة على أسواق النفط والغاز، وتكاليف النقل والتأمين البحري، وسلاسل الإمداد الدولية.
ومن ثم، فإن السيطرة الحقيقية على المضيق لا تعني مجرد الوجود العسكري أو القدرة على إطلاق التهديدات ، وإنما تعني امتلاك القدرة الفعلية على ضمان مرور السفن بصورة منتظمة وآمنة، ومن دون تعرضها للتهديد أو الاستهداف أو الاضطرار إلى تغيير مساراتها.
وهنا تحديداً تظهر الفجوة بين الخطاب الأمريكي والواقع الذي تحاول الإدارة الأمريكية احتواء تداعياته. فحتى إذا كانت الولايات المتحدة تمتلك تفوقاً عسكرياً وبحرياً واضحاً في المنطقة، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أنها نجحت في إنهاء قدرة إيران على التأثير في حركة الملاحة، أو حرمانها من استخدام موقعها الجغرافي وأدواتها العسكرية كورقة ضغط استراتيجية. فإيران تدرك جيداً أن مضيق هرمز يمثل إحدى أهم أوراق القوة الجيوسياسية التي تمتلكها، وأن مجرد استمرار التهديدات المرتبطة بالملاحة فيه كفيل بإحداث ارتباك واسع في حسابات القوى الدولية وأسواق الطاقة، حتى من دون الوصول إلى إغلاق كامل للمضيق.
والأكثر أهمية أن هذه التطورات تأتي في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب وإدارته ، في ظل اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونجرس ، وما تفرضه من ضغوط سياسية واقتصادية داخلية. فالأمريكيون لا يتابعون الحرب من زاوية الحسابات العسكرية والاستراتيجية وحدها، وإنما يقيسون نتائجها أيضاً من خلال تأثيرها المباشر على حياتهم اليومية، وأسعار الوقود والطاقة، وتكاليف المعيشة، ومستقبل الاقتصاد الأمريكي. وكلما طال أمد المواجهة، ازدادت صعوبة إقناع الناخب الأمريكي بأن الأعباء التي يتحملها تستحق الثمن الذي يدفعه.
ومن هنا يمكن فهم التحولات اللافتة في خطاب ترامب بشأن الانتخابات والحرب على إيران. فقد سبق له أن قلل من أهمية الانتخابات وتأثيرها المحتمل على قراراته العسكرية، وأظهر وكأن إدارته لن تسمح للحسابات الانتخابية بالتدخل في مسار المواجهة. لكنه عاد لاحقاً ليمنح انتخابات التجديد النصفي أهمية استثنائية، ويصفها بأنها من أهم الانتخابات في التاريخ الأمريكي، مع حديثه عن تأجيل استئناف العمليات العسكرية إلى ما بعد اتضاح نتائجها. وهذا التحول يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية بشأن العلاقة بين الحسابات العسكرية والاعتبارات السياسية الداخلية، ومدى تأثير المزاج الانتخابي الأمريكي على قرارات البيت الأبيض المتعلقة بالحرب.
فالمسألة لم تعد تتعلق فقط بما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على مواصلة عملياتها العسكرية ضد إيران، وإنما أصبحت تتعلق أيضاً بكلفة استمرار الحرب، وبقدرة الإدارة الأمريكية على تحمل انعكاساتها الاقتصادية والسياسية. فالحروب لا تُقاس نتائجها بما تحققه الجيوش في ساحات القتال وحدها، وإنما كذلك بما تفرضه من أعباء على الداخل، وبمدى قدرة القيادة السياسية على تحويل المكاسب العسكرية إلى نتائج سياسية قابلة للاستمرار.
ومن هذا المنطلق، فإن تصريحات ترامب المتكررة بشأن أمن مضيق هرمز، وارتفاع معدلات عبور ناقلات النفط، واقتراب انخفاض أسعار الطاقة، ينبغي التعامل معها باعتبارها جزءًا من خطاب سياسي يحتاج إلى اختبار مستقل أمام البيانات الفعلية لحركة الملاحة وأسعار النفط ومعدلات المخاطر البحرية. فالتأكيد على أن المضيق آمن لا يكفي لإثبات ذلك، كما أن الحديث عن زيادة حركة السفن لا يعني بالضرورة عودة الملاحة إلى طبيعتها ، ما لم تؤكده الأرقام وحركة الناقلات وشركات الشحن والتأمين البحري.
وفي المقابل، فإن أي تقارير موثقة عن تعرض ناقلات النفط للألغام أو الهجمات ، أو اضطرار السفن إلى تغيير مساراتها ، أو ارتفاع أقساط التأمين البحري، تمثل مؤشرات لا يمكن تجاهلها عند تقييم مستوى الأمن الفعلي للمضيق. فالمعيار الحقيقي ليس ما تقوله واشنطن عن سيطرتها، وإنما ما تستطيع السفن التجارية تنفيذه على أرض الواقع، ومدى قدرتها على عبور هذا الممر الحيوي من دون مخاطر استثنائية.
أما أسواق النفط، فهي بدورها لا تتعامل مع التصريحات السياسية باعتبارها ضمانات اقتصادية. فسعر البرميل يتأثر بمستوى المعروض الفعلي، وتوقعات استمرار الإمدادات، والمخاطر الجيوسياسية، وتكاليف النقل والتأمين، ومدى ثقة الأسواق في استقرار الممرات البحرية. ولذلك فإن الحديث عن انخفاض وشيك ومستدام في أسعار النفط يظل مرهوناً بتطورات حقيقية على الأرض، وليس بمجرد تصريحات تصدر عن البيت الأبيض.
والأخطر في هذه المعادلة أن استمرار الحرب من دون أفق سياسي واضح قد يؤدي إلى نتيجة تتجاوز حدود المواجهة الأمريكية الإيرانية ذاتها. فاضطراب الملاحة في مضيق هرمز لا يهدد مصالح إيران والولايات المتحدة وحدهما، وإنما يضع الاقتصادات الآسيوية والأوروبية ودول الخليج أمام تحديات مباشرة، ويعيد طرح سؤال بالغ الأهمية حول قدرة النظام الدولي على حماية الممرات البحرية الاستراتيجية من التحول إلى أدوات للصراع والابتزاز المتبادل.
وفي تقديري، فإن الرهان الأمريكي الحقيقي لم يعد عسكرياً فقط، بل أصبح سياسياً واقتصادياً وإعلامياً في آن واحد. فالإدارة الأمريكية مطالبة بإقناع الداخل بأنها حققت أهداف الحرب، وبأنها نجحت في تحييد التهديد الإيراني ، وبأنها لم تدخل البلاد في مواجهة مفتوحة تستنزف مواردها وتضاعف أعباء مواطنيها. لكن تحقيق هذه المعادلة يتطلب نتائج ملموسة، لا مجرد خطاب متكرر يحاول تقديم صورة الانتصار قبل اكتمال شروطه.
ولا يمكن أيضاً تجاهل أن إيران، رغم ما قد تتعرض له من خسائر عسكرية واقتصادية، لا تزال تمتلك أدوات تأثير غير تقليدية تجعل تكلفة المواجهة معها أكثر تعقيداً من مجرد مقارنة حجم الترسانتين العسكريتين. فالجغرافيا هنا تلعب دوراً حاسماً، والقدرة على تهديد الملاحة أو تعطيلها جزئياً قد تفرض على الولايات المتحدة وحلفائها حسابات مختلفة تماماً عن تلك التي تضعها واشنطن في بياناتها العسكرية.
وفي النهاية، فإن السؤال الذي ينبغي أن يظل مطروحاً ليس فقط من يعلن السيطرة على مضيق هرمز، وإنما من يمتلك القدرة الفعلية على ضمان أمنه واستمرار تدفق التجارة والطاقة عبره. فالفارق كبير بين التفوق العسكري والسيطرة الاستراتيجية المستدامة، وبين القدرة على خوض الحرب والقدرة على إنهائها بشروط تحقق الأهداف المعلنة.
أما الرئيس ترامب، فسوف يظل مطالباً بالإجابة عن سؤال جوهري أمام الرأي العام الأمريكي: ماذا حققت هذه الحرب بالفعل، وما الثمن الذي دفعه الأمريكيون، وهل أصبحت الولايات المتحدة أكثر أمنًا واستقرارًا بعد كل هذه المواجهة ، أم أنها وجدت نفسها أمام أزمة جديدة يصعب احتواء تداعياتها؟
فالسياسة قد تمنح القادة مساحة واسعة للمناورة، والإعلام قد يساهم في تشكيل الانطباعات ، والتصريحات قد تصنع عناوين عريضة، لكن الاختبار النهائي يظل في النتائج الملموسة. والانتخابات، في نهاية المطاف، تمثل إحدى أهم أدوات المحاسبة السياسية في النظام الأمريكي، حيث يستطيع الناخبون التعبير عن تقييمهم لأداء الإدارة وسياساتها، بعيداً عن الروايات التي تقدمها السلطة عن نفسها.



