هزيمة ترامب .. حين بدأت ملامح الإنكسار الأمريكي

بقلم : يوحنا عزمي
ما يحدث في الولايات المتحدة خلال اليومين الماضيين يتجاوز بكثير مجرد خسارة انتخابية يتعرض لها الحزب الجمهوري أو تراجع عابر في شعبية دونالد ترامب. نحن أمام مشهد سياسي بالغ الدلالة، تتكشف فيه تباعاً نتائج قرارات استراتيجية اتخذتها الإدارة الأمريكية ، ويبدو أن تداعياتها بدأت تضرب بنية التحالفات السياسية التي راهن عليها ترامب، سواء في الداخل الأمريكي أو على مستوى علاقته بحلفائه في الخارج.
الهزيمة التي تعرض لها ترامب وحزبه تبدو ، وفق المعطيات المطروحة، بمثابة زلزال سياسي كشف عن حجم التصدعات داخل المعسكر الجمهوري ، وأعاد طرح أسئلة جوهرية بشأن مستقبل الإدارة الأمريكية وقدرتها على مواصلة سياساتها الخارجية، خصوصًا فيما يتعلق بالحرب مع إيران والعلاقة مع إسرائيل.
والأكثر أهمية أن المشهد لم يعد يقتصر على تبادل الاتهامات بين الخصوم السياسيين ، بل بدأنا نشهد محاولات واضحة من بعض الأطراف المحسوبة على المعسكر نفسه للتنصل من المسؤولية، وإعادة توزيع الأعباء السياسية ، وكأن الجميع أدرك فجأة أن السفينة تواجه خطر الغرق، وأن النجاة الفردية أصبحت أولوية تتقدم على التضامن مع القيادة.
أولاً : ترامب يبحث عن كبش فداء .. ووزير الحرب في مرمى النيران
من أبرز المؤشرات على حجم الارتباك داخل الإدارة الأمريكية الحديث عن احتمالات التضحية بوزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث، وتحميله جانباً كبيراً من مسؤولية المأزق الذي وجدت الولايات المتحدة نفسها فيه نتيجة المواجهة مع إيران.
فترامب، الذي اعتاد تقديم نفسه باعتباره صاحب القرارات الحاسمة والقادر على فرض إرادته على الجميع ، يجد نفسه الآن أمام معادلة سياسية شديدة التعقيد، فالحرب التي كان من المفترض أن تعزز صورة القوة الأمريكية وتؤكد قدرة واشنطن على فرض شروطها، تحولت إلى عبء سياسي واقتصادي واستراتيجي، وبدأت تكلف الإدارة الأمريكية رصيداً متزايداً من شعبيتها.
وفي مثل هذه الظروف، يصبح البحث عن مسؤول يمكن تحميله تكلفة الإخفاق أحد الخيارات التقليدية التي تلجأ إليها القيادات السياسية لتخفيف الضغط عن نفسها.
ويبدو أن هيغسيث قد يكون أحد المرشحين لتحمل هذه المسؤولية، خصوصاً في ظل الانتقادات المتعلقة بإدارة الحرب، والاتهامات المرتبطة بتوريط الولايات المتحدة في مواجهة تثار حول قانونيتها وتداعياتها.
والمفارقة أن الرجل الذي ظهر في السابق بلهجة شديدة التصعيد، وتبنى خطاباً متشدداً تجاه إيران والمقاومة، يجد نفسه اليوم أمام احتمال المساءلة السياسية، وربما فقدان منصبه، في وقت تتزايد فيه الضغوط على الإدارة الأمريكية لتفسير أسباب الحرب وتكلفتها والنتائج التي حققتها.
لكن السؤال الأهم هنا ليس مصير وزير الحرب وحده، وإنما ما إذا كان ترامب يحاول بالفعل حماية مستقبله السياسي عبر التضحية بأحد أبرز رجاله، أم أن الأزمة أصبحت أعمق من أن يعالجها تغيير مسؤول أو إقالة وزير.
ثانياً : إسرائيل تعيد ترتيب أوراقها.. ومحاولة واضحة للتنصل من مسؤولية الحرب
ربما يكون التطور الأكثر إثارة للاهتمام هو ما يتعلق بالخطاب الإسرائيلي تجاه الحرب مع إيران.
فقد خرج داني دانون، السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة، في تصريحات إعلامية تناول فيها مسؤولية الولايات المتحدة عن قرار الحرب، وقدم القرار باعتباره قراراً أمريكياً اتخذه ترامب، مع التأكيد على أن إسرائيل لم تكن صاحبة القرار ، وإنما أيدت الموقف الأمريكي ودعمته.
وهنا ينبغي التوقف أمام دلالة هذا الخطاب، فإسرائيل التي طالما اعتبرت المواجهة مع إيران هدفاً استراتيجياً رئيسياً ، والتي سعت على مدار سنوات إلى دفع واشنطن نحو تبني موقف أكثر تشدداً تجاه طهران، تبدو اليوم حريصة على الفصل بين موقفها السياسي وبين المسؤولية المباشرة عن تداعيات الحرب.
وهذا التحول، إن صح أنه يعكس توجهًا سياسياً إسرائيلياً أوسع، يكشف عن إدراك متزايد بأن تكلفة المواجهة لم تعد مقتصرة على الخسائر العسكرية أو الأمنية ، بل امتدت إلى الداخل الأمريكي نفسه، وأصبحت تمثل عبئاً على أي إدارة تسعى إلى الاحتفاظ بثقة الناخبين.
فإسرائيل تدرك جيداً أن علاقتها بالولايات المتحدة لا تقوم فقط على الدعم العسكري والمالي، وإنما تعتمد أيضاً على وجود توافق سياسي وشعبي يسمح باستمرار هذا الدعم دون تكلفة انتخابية باهظة.
وعندما تتحول هذه العلاقة إلى موضوع خلاف داخل الكونجرس، وتصبح المساعدات المقدمة لإسرائيل محل نقاش واعتراض، فإن المسألة تتجاوز حدود الخلاف السياسي التقليدي، لتصل إلى جوهر الشراكة الاستراتيجية بين البلدين.
والأكثر دلالة أن الحديث عن تراجع الدعم أو إعادة النظر في طبيعة المساعدات الأمريكية لإسرائيل يأتي في توقيت بالغ الحساسية، بالتزامن مع تصاعد الأصوات المنتقدة للسياسات الإسرائيلية داخل الولايات المتحدة.
وبالتالي، فإن محاولة الفصل بين القرار الأمريكي والحسابات الإسرائيلية ليست مجرد مسألة تصريحات إعلامية، بل تعكس أهمية إعادة تقييم الموقف الإسرائيلي في ظل تغير المزاج السياسي الأمريكي.
ثالثاً : جي دي فانس يقر بالمشكلة .. حرب إيران أصبحت عبئاً انتخابياً على الجمهوريين
أما التطور الذي يستحق اهتماماً خاصاً ، فيتعلق بموقف نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس ، الذي تناول في تصريحاته تداعيات الحرب على نتائج الانتخابات، وأشار إلى أن الغضب الشعبي من المواجهة مع إيران كان أحد العوامل الرئيسية وراء تراجع الجمهوريين.
وهنا نحن أمام نقطة شديدة الأهمية، لأن الأمر لا يتعلق بتصريحات صادرة عن معارض ديمقراطي أو محلل سياسي ينتقد الإدارة، وإنما بموقف صادر عن أحد أبرز أركان السلطة التنفيذية الأمريكية نفسها.
فانس يدرك أن الحزب الجمهوري لا يستطيع تجاهل الرسالة التي وجهها الناخبون، وأن القاعدة الانتخابية التي منحت ترامب وفريقه الثقة في انتخابات 2024 ليست بالضرورة مستعدة لمنحهم تفويضاً مفتوحاً لخوض حروب خارجية ، بينما تواجه الأسر الأمريكية أزمات معيشية وضغوطاً اقتصادية متزايدة.
فالناخب الأمريكي الذي صوّت تحت شعار وضع أمريكا أولًا، لا يريد بالضرورة أن يجد بلاده منخرطة في مواجهة عسكرية مفتوحة، تتحمل الخزانة الأمريكية تكلفتها ، وتنعكس تداعياتها على أسعار الطاقة والتضخم ومستوى المعيشة.
ومن هنا، تصبح الحرب مع إيران نقطة ضعف انتخابية حقيقية للجمهوريين، خصوصاً إذا اقتنع قطاع واسع من الأمريكيين بأن مصالح بلادهم الداخلية جرى وضعها في مرتبة متأخرة لحساب أولويات السياسة الخارجية.
والأكثر أهمية أن النقاش بدأ يمتد إلى طبيعة العلاقة الأمريكية الإسرائيلية نفسها، وهو تطور لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد اختلاف في وجهات النظر.
فلسنوات طويلة، كانت العلاقة مع إسرائيل واحدة من أكثر الملفات حساسية في السياسة الأمريكية، وكان انتقاد الدعم الأمريكي غير المشروط لها يواجه ضغوطاً سياسية وانتخابية كبيرة. لكن المشهد يتغير تدريجياً ، وأصبحت هناك قطاعات متزايدة من الرأي العام الأمريكي، خصوصاً بين الأجيال الشابة وبعض التيارات السياسية، تطالب بإعادة النظر في طبيعة هذه العلاقة وحدود الدعم المقدم لإسرائيل.
ومن الواضح أن فانس وغيره من السياسيين الجمهوريين يدركون أن تجاهل هذه التحولات قد تكون له تكلفة كبيرة في الانتخابات المقبلة، خصوصًا انتخابات 2028، التي بدأت حساباتها السياسية مبكراً.
لكن يجب ألا نخلط بين محاولة بعض السياسيين إعادة تموضعهم انتخابيًا وبين حدوث تحول جذري في السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل. فالتغير في الخطاب لا يعني بالضرورة تغيراً فورياً في السياسات، لكنه بالتأكيد يكشف عن أن المساحات التي كان يُنظر إليها باعتبارها خطوطاً حمراء بدأت تشهد نقاشاً أكثر جرأة واتساعاً.
رابعاً : الأسواق تتحرك.. والاقتصاد يكشف تكلفة المغامرة العسكرية
ومن زاوية أخرى، لا يمكن تجاهل رد فعل الأسواق العالمية تجاه التطورات السياسية والعسكرية الأخيرة.
فأسعار النفط والغاز أصبحت شديدة الحساسية لأي مؤشرات تتعلق بمستقبل المواجهة ، وأي إشارة إلى احتمالات التهدئة أو تراجع فرص التصعيد تنعكس سريعاً على حركة الأسواق.
ووفق الأرقام المتداولة، شهد النفط تراجعاً ملحوظاً ، وهبط دون مستوى 100 دولار للبرميل، بعد خسائر كبيرة خلال إحدى جلسات التداول ، كما تعرضت بورصة تل أبيب لضغوط وخسائر تعكس حجم القلق بشأن مستقبل الاقتصاد الإسرائيلي في ظل استمرار التوترات.
وهذا يعكس حقيقة اقتصادية مهمة: الحروب لا تُقاس نتائجها فقط بما تحققه الجيوش على الأرض ، وإنما أيضاً بما تتركه من أعباء على الاقتصادات والأسواق والاستثمارات وثقة المستثمرين.
فالولايات المتحدة، رغم امتلاكها قدرات عسكرية واقتصادية هائلة، ليست بمنأى عن تداعيات المواجهات الممتدة ، خصوصاً عندما تتداخل الحرب مع أسعار الطاقة والتضخم والإنفاق العسكري والالتزامات المالية الخارجية.
ومن هنا، فإن أي تصعيد جديد مع إيران سيواجه حسابات مختلفة تماماً عن تلك التي كانت مطروحة في بداية المواجهة.
فترامب لم يعد يتعامل مع قرار عسكري بمعزل عن حساباته الانتخابية، بل أصبح مضطرًا إلى حساب رد فعل الكونجرس، وموقف الرأي العام، والتكلفة الاقتصادية ، واحتمالات اتساع الصراع.
وهذا لا يعني أن الحرب أصبحت مستحيلة أو أن احتمالات العودة إليها انتهت، فالتاريخ السياسي والعسكري مليء بالمفاجآت، وقد تدفع حسابات خاطئة أو تطورات ميدانية مفاجئة الأطراف إلى استئناف المواجهة.
لكن المؤكد أن تكلفة اتخاذ قرار جديد بالحرب أصبحت أكثر تعقيداً ، وأن هامش المناورة السياسية أمام ترامب لم يعد كما كان.
خامساً : لا تراهنوا على الديمقراطيين.. فتغير موازين القوى لا يعني تغير المصالح الأمريكية
وهنا أريد التأكيد على نقطة مهمة للغاية، حتى لا يذهب البعض بعيدًا في قراءة هذه التطورات.
فخسارة الجمهوريين وصعود الديمقراطيين أو امتلاكهم نفوذاً أكبر داخل الكونجرس لا تعني أننا أمام تحول أمريكي جذري لصالح الحقوق الفلسطينية أو المصالح العربية.
فالسياسة الأمريكية لا تُدار فقط وفق اعتبارات الحزب الحاكم أو الشعارات الانتخابية ، وإنما تحكمها منظومة واسعة من المصالح الاستراتيجية والاقتصادية والأمنية، فضلًا عن الحسابات المتعلقة بموازين القوى والتحالفات الدولية.
والديمقراطيون ليسوا بالضرورة أكثر انحيازاً إلى القضايا العربية من الجمهوريين، كما أن اختلافهم مع ترامب لا يعني أنهم سيعيدون صياغة السياسة الخارجية الأمريكية بما يتوافق مع تطلعات شعوب المنطقة.
لكن ما يستحق الاهتمام فعلًا هو أن إسرائيل لم تعد تحظى بالمساحة نفسها من الإجماع السياسي والشعبي التي تمتعت بها في فترات سابقة ، وأن سياساتها أصبحت موضوعاً لنقاش وانتقاد متزايدين داخل المجتمع الأمريكي ومؤسساته السياسية.
وهذا في حد ذاته تطور مهم، لأنه يضع حدوداً جديدة أمام قدرة أي إدارة أمريكية على تقديم دعم غير مشروط لإسرائيل دون أن تواجه اعتراضات وضغوطاً داخلية.
إن التغير الحقيقي لا يكمن فقط في هوية الحزب المسيطر على الكونجرس ، وإنما في التحول الذي أصاب البيئة السياسية والاجتماعية الأمريكية ، وفي الطريقة التي أصبح بها الناخب الأمريكي ينظر إلى الحروب الخارجية، وإلى تكلفة التحالفات، وإلى أولويات بلاده.
في النهاية .. ما نشهده أكبر من هزيمة انتخابية لترامب
ما يحدث الآن يكشف عن أن القوة الأمريكية، رغم ضخامتها، ليست مطلقة، وأن القرارات العسكرية التي تتخذها واشنطن لا يمكن فصلها عن حسابات الداخل الأمريكي وتوازناته السياسية والاقتصادية.
ترامب راهن على أن استخدام القوة سيعزز مكانته، وأن الانخراط في مواجهة كبرى سيمنحه صورة الرئيس القادر على فرض الإرادة الأمريكية، لكنه يجد نفسه الآن أمام نتائج سياسية معقدة، وحلفاء يعيدون حساباتهم، وخصوم يستعدون لاستثمار أخطائه، وناخبين بدأوا يطرحون أسئلة مختلفة تماماً عن تلك التي كانت مطروحة قبل سنوات.
والأهم أن إسرائيل نفسها أصبحت تواجه واقعًا سياسياً أمريكياً أكثر تعقيداً ، لا يمكن فيه افتراض استمرار الدعم التقليدي إلى الأبد دون مراجعة أو مساءلة.
ومع ذلك، لا ينبغي أن نستبعد احتمالات التصعيد مجدداً، فالأزمات الكبرى لا تنتهي دائماً بمجرد ظهور مؤشرات التراجع، وقد يكون الخطر الحقيقي في أن تدفع الضغوط السياسية بعض الأطراف إلى اتخاذ قرارات أكثر خطورة للهروب من أزماتها الداخلية.
لكن وسط كل هذه التحولات ، هناك حقيقة لا يمكن تجاهلها: ما جرى في غزة لم يكن مجرد فصل عابر من فصول الصراع، بل كان نقطة فارقة في تشكيل الوعي العالمي تجاه القضية الفلسطينية، وكشف حجم التناقض بين الخطاب الغربي الذي يتحدث عن حقوق الإنسان والقيم الديمقراطية، وبين الممارسات التي شاهدها العالم على مدار الحرب.
لقد دفع الفلسطينيون ثمناً إنسانياً فادحاً من أرواحهم وبيوتهم ومستقبلهم ، وسقط آلاف الشهداء في واحدة من أكثر المآسي الإنسانية قسوة في العصر الحديث، لكن مشاهد الدمار والقتل والحصار لم تمر دون أثر في الرأي العام العالمي.
ومن الصعب تجاهل أن ما شهدته غزة أسهم في تعميق أزمة الثقة في السياسات الغربية، وفتح نقاشاً واسعاً حول ازدواجية المعايير، وحدود الدعم السياسي والعسكري لإسرائيل، والمسؤولية الأخلاقية والقانونية عن الجرائم المرتكبة بحق المدنيين.
قد لا تكون كل التحولات الحالية نتيجة عامل واحد، وقد تتداخل فيها حسابات الاقتصاد والسياسة والانتخابات والصراع الدولي، لكن غزة كانت بلا شك أحد أهم العوامل التي أعادت تشكيل النقاش العالمي حول إسرائيل والقضية الفلسطينية.
رحم الله شهداء غزة، ورحم كل من دفع حياته ثمناً للحرية والكرامة الإنسانية.
فالتاريخ لا يتغير دائماً في لحظة واحدة، وإنما تصنعه أحياناً أحداث تبدو منفصلة في بدايتها، ثم تتراكم آثارها بمرور الوقت حتى تتحول إلى زلزال يعيد ترتيب موازين القوى ويكشف حقائق حاول كثيرون إخفاءها.
وربما تكون اللحظة التي نعيشها الآن واحدة من تلك اللحظات التي سيعود إليها المؤرخون لاحقاً لفهم كيف بدأت ملامح التراجع في منظومة سياسية ظنت طويلًا أن نفوذها لا يمكن أن يتعرض للاهتزاز.



