ترامب وإيران بعد خسارة الجمهوريين في إنتخابات الكونجرس

هل يهرب الرئيس الأمريكي إلى الحرب أم يبحث عن صفقة تنقذ نفوذه السياسي؟
بقلم : يوحنا عزمي
لم تعد المواجهة بين دونالد ترامب وإيران مجرد ملف متعلق بالبرنامج النووي أو النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، بل أصبحت جزءًا من معادلة سياسية أمريكية أكثر تعقيداً ، خصوصاً في أعقاب الانتخابات النصفية للكونجرس وما تفرضه نتائجها من حسابات جديدة على البيت الأبيض.
فخسارة الحزب الجمهوري للأغلبية البرلمانية، إذا تأكدت على النحو المتداول، تعني أن ترامب يدخل مرحلة مختلفة من رئاسته، لن يكون فيها قادراً على التعامل مع الملفات الداخلية والخارجية بالحرية السياسية نفسها التي امتلكها في بداية ولايته. فالمعارضة الديمقراطية ستحصل على أدوات رقابية وتشريعية أوسع، وستصبح قرارات الإدارة الأمريكية أكثر عرضة للاستجواب والتحقيق والمساءلة السياسية.
وهنا يبرز السؤال الأهم: كيف سيتعامل ترامب مع إيران في ظل هذه المعادلة الجديدة؟ وهل يمكن أن يلجأ إلى توجيه ضربة عسكرية لإيران باعتبارها وسيلة لإعادة ترتيب المشهد السياسي وإظهار القوة الأمريكية ، أم أن خسارة الجمهوريين ستدفعه إلى البحث عن تسوية دبلوماسية تتيح له إعلان تحقيق إنجاز خارجي؟
المسألة هنا لا تتعلق فقط بما إذا كان ترامب سيضرب إيران أم لا، وإنما بطبيعة الرسالة التي يريد إرسالها إلى الداخل الأمريكي وإلى خصوم الولايات المتحدة في الخارج. فالانتخابات لم تُسقط صلاحيات الرئيس في إدارة السياسة الخارجية أو استخدام القوة العسكرية، لكنها جعلت كلفة أي تصعيد جديد أكثر تعقيداً، وفتحت الباب أمام صراع سياسي داخل واشنطن حول جدوى الحرب وأهدافها ونهايتها.
السيناريو الأول: ضربة عسكرية محدودة لإيران
يظل الخيار العسكري مطروحًا على الطاولة، خصوصاً أن ترامب أعلن قبل الانتخابات أن الولايات المتحدة لن تشن هجوماً جديداً على إيران قبل انتهاء التصويت ، وهو ما جعل مرحلة ما بعد الانتخابات محط اهتمام كبير في طهران والعواصم الإقليمية.
وقد يلجأ ترامب إلى توجيه ضربات جوية محددة تستهدف منشآت عسكرية أو صاروخية أو مواقع مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، دون الدخول في حرب برية واسعة أو إعلان حرب شاملة.
هذا السيناريو يمنحه إمكانية تقديم العملية باعتبارها رسالة ردع وإظهاراً للقوة الأمريكية، لكنه يحمل في الوقت نفسه مخاطر الرد الإيراني، سواء باستهداف المصالح الأمريكية في المنطقة أو توسيع المواجهة مع إسرائيل أو تهديد الملاحة في الخليج.
والأهم أن الضربة العسكرية لن تعني بالضرورة تحقيق الأهداف السياسية؛ فقد تؤدي إلى جولة جديدة من التصعيد دون أن تحسم الصراع.
السيناريو الثاني: التصعيد العسكري الواسع لإنهاء الحرب بشروط أمريكية
هناك احتمال آخر يتمثل في أن يختار ترامب توسيع نطاق العمليات العسكرية بدل الاكتفاء بضربات محدودة، مستهدفاً إحداث تغيير كبير في القدرات العسكرية الإيرانية وإجبار طهران على قبول شروط واشنطن.
وتشمل الخيارات التي جرى تداولها استهداف منشآت نووية شديدة التحصين، ومنشآت مرتبطة بالصواريخ والبنية العسكرية ، فضلًا عن استمرار الضغط البحري على إيران.
لكن هذا المسار يواجه معضلة كبيرة: إيران ليست ساحة عسكرية يمكن التعامل معها باعتبارها هدفاً منفرداً ، فهي تمتلك قدرات صاروخية وأدوات إقليمية، كما أن أي تصعيد واسع قد ينعكس على أسعار الطاقة وحركة التجارة والملاحة الدولية.
وتشير تقارير أمريكية إلى أن استمرار الحرب أو توسيعها كان من العوامل التي أضرت بالجمهوريين انتخابياً ، وهو ما يجعل قرار التصعيد مرتبطاً أيضاً بحسابات الاقتصاد الأمريكي والرأي العام.
السيناريو الثالث: العودة إلى المفاوضات والبحث عن صفقة
هذا السيناريو لا يقل أهمية عن الخيار العسكري ، بل إن هناك مؤشرات فعلية على استمرار الاتصالات الدبلوماسية رغم الخلافات العميقة بين الطرفين.
فواشنطن وطهران لم تغلقا قنوات التواصل، كما شهدت الفترة السابقة للانتخابات تحركات دبلوماسية بوساطة قطرية ، في محاولة للوصول إلى تفاهمات بشأن إنهاء الحرب وإعادة فتح مسارات الملاحة في الخليج.
ومن الممكن أن يستثمر ترامب نتائج الانتخابات لإعادة صياغة سياسته تجاه إيران، والانتقال من منطق المواجهة المفتوحة إلى منطق التفاوض تحت الضغط.
وقد تتضمن أي صفقة محتملة ترتيبات بشأن تخصيب اليورانيوم والمخزون النووي الإيراني والبرنامج الصاروخي، إلى جانب أمن الملاحة في مضيق هرمز والعقوبات الاقتصادية.
وسيكون بإمكان ترامب تقديم أي اتفاق ينتزع فيه تنازلات إيرانية باعتباره انتصاراً دبلوماسياً أمريكياً ، حتى لو تطلب ذلك التراجع عن بعض المطالب القصوى التي طرحتها واشنطن سابقاً.
السيناريو الرابع: حرب استنزاف وضغط اقتصادي دون اجتياح عسكري جديد
قد يختار ترامب مساراً وسطاً ، فلا يذهب إلى حرب واسعة، ولا يقدم في الوقت نفسه تنازلات دبلوماسية كبيرة لإيران.
ويقوم هذا السيناريو على استمرار الضغط الاقتصادي والعقوبات، وتشديد القيود البحرية، والإبقاء على الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، مع تنفيذ عمليات عسكرية محدودة عند الضرورة.
والهدف هنا هو إنهاك القدرات الإيرانية تدريجياً، ورفع تكلفة استمرار المواجهة على النظام الإيراني، دون تحمل واشنطن أعباء حرب شاملة جديدة.
لكن المشكلة أن سياسة الاستنزاف قد تتحول إلى مواجهة طويلة الأمد، خصوصاً إذا رفضت طهران تقديم تنازلات ، واستمرت في استخدام أوراق الضغط الإقليمية والملاحية.
السيناريو الخامس: المواجهة السياسية مع الكونجرس
هناك عامل لا ينبغي تجاهله في حسابات ترامب، وهو أن خسارة الجمهوريين للكونجرس تعني أن الرئيس سيواجه معارضة أكثر قدرة على محاسبة إدارته ومراجعة قراراتها.
فالديمقراطيون أصبحوا يمتلكون أدوات أقوى للتحقيق في إدارة الحرب، ومراجعة الإنفاق العسكري، واستدعاء المسؤولين، وعرقلة بعض التشريعات والتعيينات.
ومع ذلك، لا تعني خسارة الأغلبية أن الكونجرس أصبح قادراً تلقائياً على منع ترامب من تنفيذ ضربة عسكرية، فالرئيس الأمريكي يمتلك صلاحيات واسعة في مجال السياسة الخارجية واستخدام القوة، وإن كانت هذه الصلاحيات محاطة بقيود دستورية وتشريعية، أبرزها قانون صلاحيات الحرب ودور الكونجرس في التمويل.
وهنا قد يجد ترامب نفسه أمام معادلة معقدة: يستطيع اتخاذ قرار عسكري ، لكنه لن يستطيع ضمان الدعم السياسي والمالي اللازم لاستمرار حرب طويلة دون مواجهة مقاومة داخلية متزايدة.
واللافت أن الخلاف لم يعد محصوراً بين الجمهوريين والديمقراطيين، بل ظهرت أيضاً خلافات داخل الإدارة الأمريكية نفسها بشأن جدوى استمرار الحرب، حيث نُقلت مواقف منسوبة إلى نائب الرئيس جي دي فانس تحمل الحرب جانباً من مسؤولية الخسارة الانتخابية.
هل تدفعه الخسارة الانتخابية إلى ضرب إيران بدلًا من التراجع؟
فهناك قراءتان متعارضتان لسلوك ترامب بعد الانتخابات:
القراءة الأولى ترى أن خسارة الجمهوريين قد تدفعه إلى مزيد من الحذر، لأن أي مغامرة عسكرية جديدة قد تزيد من تراجع شعبيته، وتمنح الديمقراطيين فرصة لتوسيع الضغط عليه ، خصوصاً أن الحرب انعكست بالفعل على أسعار الوقود وتكاليف المعيشة.
أما القراءة الثانية فترى أن خسارة الأغلبية قد تجعل ترامب أقل ارتباطاً بالحسابات الانتخابية التقليدية ، وأكثر ميلًا إلى اتخاذ قرارات خارجية كبيرة خلال العامين الأخيرين من ولايته، باعتبار أن هامش المناورة السياسية أمامه أصبح أضيق.
وهذه ليست مجرد فرضية نظرية؛ فقد أشارت تقارير إلى أن بعض المسؤولين والمراقبين يخشون أن تؤدي الهزيمة الانتخابية إلى زيادة احتمالات التصعيد العسكري، بينما يرى آخرون أنها قد تفتح نافذة أوسع أمام التسوية الدبلوماسية.
إيران أمام اختبار جديد وترامب أمام معادلة صعبة
في تقديري التحليلي، لا ينبغي التعامل مع خسارة الجمهوريين باعتبارها مؤشراً تلقائياً على أن ترامب سيتجه إلى الحرب أو أنه سيضطر إلى السلام، فالنتيجة الانتخابية تخلق ضغوطًا متعارضة، وقد تدفع الإدارة الأمريكية إلى الجمع بين التصعيد العسكري المحدود والضغط الاقتصادي والتحرك الدبلوماسي في الوقت نفسه.
ترامب يريد أن يظهر أمام العالم باعتباره رئيساً قادراً على فرض إرادته، ولا يريد أن يمنح إيران صورة انتصار سياسي على الولايات المتحدة، لكنه في المقابل يدرك أن استمرار الحرب دون أفق واضح قد يتحول إلى عبء ثقيل على إدارته ، خصوصاً بعد أن أصبح الكونجرس تحت سيطرة خصومه السياسيين.
ومن هنا، فإن المعركة الحقيقية خلال المرحلة المقبلة لن تكون فقط حول حجم الضربة الأمريكية المحتملة، وإنما حول شكل النهاية التي يريد ترامب الوصول إليها: هل يريد اتفاقًا يضمن له إعلان النصر؟ أم يريد إضعاف القدرات الإيرانية إلى الحد الذي يفرض معه شروطه؟ أم أنه سيواصل سياسة الضغط والاحتواء دون حسم نهائي؟
الأرجح أن مفتاح فهم المرحلة المقبلة يكمن في مراقبة ثلاثة أمور: التحركات العسكرية الأمريكية في الخليج ، ومسار الوساطة القطرية، ومدى استعداد طهران لتقديم تنازلات في الملف النووي والملاحة البحرية. فهذه المؤشرات ستكشف ما إذا كانت واشنطن تتجه نحو تسوية سياسية أم تستعد لجولة جديدة من المواجهة.
وفي النهاية، قد تكون المفارقة أن الانتخابات التي أضعفت موقف ترامب الداخلي لا تعني بالضرورة تراجع قدرته على التصعيد الخارجي ، لكنها تجعل أي قرار بالحرب أكثر تكلفة سياسياً واستراتيجياً ، وتضع الرئيس الأمريكي أمام اختبار صعب: كيف يخرج من المواجهة مع إيران بصورة المنتصر ، دون أن تتحول الحرب إلى أزمة أكبر تهدد ما تبقى من ولايته؟



