شبح “11 سبتمبر جديد” يلوح في الأفق .. خلايا إيرانية داخل الولايات المتحدة

✍️ يوحنا عزمي
تتصاعد في الكواليس السياسية والإعلامية رواية خطيرة تتردد بشكل متزايد في بعض الدوائر التحليلية ، مفادها أن إسرائيل قد تكون تسعى لتهيئة مسرح حدث ضخم داخل الولايات المتحدة يشبه في تأثيره ما جرى في الحادي عشر من سبتمبر، بحيث يشكل صدمة كبرى للرأي العام الأمريكي تمهد الطريق أمام تدخل عسكري واسع النطاق ضد إيران.
هذه الفكرة لا تأتي في فراغ ، بل تتقاطع مع سلسلة من المؤشرات والتقارير والتحركات العسكرية التي بدأت تظهر تباعاً خلال الأيام الأخيرة ، وفي مقدمتها ما تردد عن استعداد الجيش الإسرائيلي لتنفيذ أكبر عملية استدعاء لقوات الاحتياط في تاريخ الدولة، حيث يجري الحديث عن حشد قد يصل إلى أربعمائة وخمسين ألف جندي احتياط، وهو رقم غير مسبوق يعكس حجم التوتر والاحتمالات التي يجري الاستعداد لها في المنطقة.
القصة تعود إلى أيام قليلة عندما تداولت وسائل إعلام أمريكية، من بينها شبكة ABC News، تقريراً يتحدث عن معلومات أمنية تتعلق بما يسمى “الخلايا النائمة الإيرانية” داخل الولايات المتحدة ، وهي خلايا يُقال إنها تلقت إشارات أو توجيهات بعد التطورات الأخيرة التي شهدتها القيادة الإيرانية.
ومع مرور الوقت بدأت هذه الرواية تتكرر في أكثر من وسيلة إعلامية أمريكية ، وأصبحت محور نقاش متزايد في البرامج السياسية والتحليلية ، حيث تشير تقارير نقلت عن Federal Bureau of Investigation إلى مخاوف من احتمال وقوع هجمات داخل الأراضي الأمريكية نفسها ، مع تركيز خاص على ولاية كاليفورنيا باعتبارها هدفاً محتملاً لأي هجوم مفترض.
المثير للاهتمام أن هذه الرواية الأمنية ظهرت بالتزامن مع حادثة غامضة أثارت الكثير من التساؤلات داخل الأوساط العسكرية الأمريكية. فقد جرى الحديث عن اختراق أمني غير معتاد في قاعدة Fort Campbell العسكرية في ولاية Kentucky، حيث تمكن شخصان مجهولان من الدخول إلى القاعدة وسرقة طائرات مسيرة متطورة من طراز Skydio X10D. هذه الطائرات ليست مجرد مسيرات عادية ، بل هي منظومات متقدمة تعتمد على معالجات ذكاء اصطناعي وتستطيع تنفيذ عمليات استطلاع دقيقة وربما مهام قتالية محدودة ، وتصل قيمة الواحدة منها إلى نحو ثلاثين ألف دولار، ما جعل الحادثة تبدو غير منطقية بالنسبة لكثير من المتابعين ، لأن اختراق قاعدة عسكرية محصنة وسرقة معدات بهذه الحساسية أمر نادر للغاية في الظروف الطبيعية.
ومع تصاعد الحديث عن هذا الاختراق ، بدأت الآلة الإعلامية الأمريكية في الوقت نفسه تسلط الضوء على سيناريوهات تتعلق بإمكانية تنفيذ هجمات بطائرات مسيرة أو عمليات تخريبية داخل الولايات المتحدة، الأمر الذي خلق حالة من القلق لدى بعض قطاعات الرأي العام.
وفي هذا السياق خرج السيناتور الأمريكي Ted Cruz بتصريحات حذر فيها من أن مستوى التهديد أصبح مرتفعاً للغاية، مشيراً إلى ما وصفه بوجود عناصر مرتبطة بإيران داخل الولايات المتحدة يمكن أن تتحرك إذا صدرت لها الأوامر. هذه التصريحات ، التي جاءت في لحظة توتر إقليمي شديد ، ساهمت في زيادة الشعور بأن هناك محاولة لبناء سردية أمنية كبيرة حول خطر إيراني محتمل داخل الأراضي الأمريكية.
وفي الوقت نفسه ، تناولت تقارير إعلامية أخرى فرضيات أكثر إثارة للجدل ، حيث تحدثت عن إمكانية تنفيذ هجمات قد تنطلق من البحر عبر سفن أو زوارق مجهولة تستهدف الساحل الغربي للولايات المتحدة، وهو سيناريو أعاد إلى أذهان كثيرين أجواء التوتر الإعلامي والسياسي التي سبقت حرب العراق عام 2003، عندما جرى الحديث بكثافة عن تهديدات أمنية وشيكة قبل أن تبدأ العمليات العسكرية.
وسط هذه الأجواء ظهر الإعلامي الأمريكي Tucker Carlson بتصريحات أثارت ضجة واسعة ، إذ طرح احتمال أن تكون بعض التيارات السياسية داخل واشنطن ، خصوصاً ما يعرف بالمحافظين الجدد، مقتنعة بأن الضربات الجوية وحدها لن تكون كافية لإخضاع إيران، وأن أي حرب حقيقية ستحتاج في النهاية إلى تدخل بري واسع. وبحسب ما طرحه كارلسون ، فإن المشكلة الأساسية تكمن في أن نسبة كبيرة من الأمريكيين لا تؤيد الدخول في حرب جديدة في الشرق الأوسط، وهو ما يجعل أي إدارة أمريكية تحتاج إلى مبرر قوي يقنع الرأي العام بضرورة الحرب.
ومن هنا ظهرت في النقاشات السياسية فرضية “الذريعة الكبرى”، أي وقوع حدث صادم على الأراضي الأمريكية يمكن أن يغير موقف الشارع بشكل جذري ويمنح الحكومة تفويضاً واسعاً للقيام بعمل عسكري كبير. هذه الفرضية ، رغم أنها تظل في إطار التحليل والجدل الإعلامي، أثارت ردود فعل قوية لأن الحديث عن سيناريو يشبه September 11 attacks يحمل حساسية هائلة داخل المجتمع الأمريكي.
في المقابل ، لم تغب الرواية الإيرانية عن المشهد. فقد خرج السياسي الإيراني Ali Larijani بتصريحات حذر فيها مما وصفه بإمكانية تنفيذ عملية “علم مزيف”، أي عملية يتم تنفيذها بطريقة تجعلها تبدو وكأنها هجوم إيراني بينما تقف خلفها جهات أخرى بهدف إشعال حرب. ووفق ما نقلته وسائل إعلام إقليمية ، أكد لاريجاني أن بلاده لا تعتبر الشعب الأمريكي عدواً ، وأنها حذرت واشنطن من محاولات قد تدفع بالولايات المتحدة إلى صراع واسع في المنطقة.
كل هذه الروايات المتضاربة تتقاطع مع مؤشرات ميدانية أخرى، أبرزها ما ذكرته تقارير إعلامية إسرائيلية عن استعدادات غير مسبوقة داخل الجيش الإسرائيلي، تتضمن احتمالية استدعاء مئات الآلاف من جنود الاحتياط ، وهو إجراء لا يتم عادة إلا في حالات الاستعداد لحرب كبيرة متعددة الجبهات. وإذا تحقق هذا الاستدعاء بالفعل فسيكون الأكبر في تاريخ إسرائيل ، ما يعكس أن القيادة العسكرية هناك تضع في حساباتها سيناريو توسع الصراع ليشمل أكثر من ساحة ، سواء في غزة أو لبنان أو سوريا وربما مناطق أخرى.
هكذا تبدو الصورة شديدة التعقيد؛ روايات أمنية أمريكية تتحدث عن تهديد إيراني محتمل داخل الولايات المتحدة ، وتحليلات إعلامية تتهم أطرافاً في واشنطن وتل أبيب بمحاولة صناعة مبرر لحرب أوسع، وتحذيرات إيرانية من عمليات “علم مزيف”، وفي الخلفية استعدادات عسكرية ضخمة توحي بأن المنطقة قد تقف على أعتاب مرحلة جديدة من التصعيد.
وفي مثل هذه اللحظات يصبح من الصعب الفصل بين الوقائع المؤكدة والحرب النفسية والدعائية التي ترافق دائماً الصراعات الكبرى ، وهو ما يجعل المتابع أمام سيل هائل من الروايات المتناقضة التي تحتاج إلى تدقيق مستمر قبل الوصول إلى حقيقة ما يجري فعلاً خلف الستار.



