ابداعات

الناجون بصمت

وائل الهاشمي

 

أخطر ما قد يحدث للإنسان أن يمتلئ بالكلام، ولا يجد صوتًا واحدًا يشبهه، أن يجلس وسط الجميع، بينما يشعر في داخله أنه آخر الناجين من مدينة احترقت منذ زمن.

يضحك أحيانًا، يرد على الأحاديث، يتحرك بصورة طبيعية، لكن روحه في مكان آخر، مكان لا يصل إليه أحد.

هناك حروب لا يسمعها العالم.

حروب تبدأ حين يقرر الإنسان أن يخفي كل شيء.

أن يدفن حزنه بابتسامة، ويغلق قلبه بصمتٍ طويل، ثم يتظاهر أن الأمور بخير فقط لأنه تعب من الشرح.

 

في البداية، كان الأمر بسيطًا.

مجرد قلب خذلته الحياة عدة مرات، فقرر أن يصبح أكثر هدوءًا؛ لكن القلوب لا تتحول إلى الصمت فجأة، هي فقط تتعب من الطرق على الأبواب المغلقة.

لذلك بدأ يختبئ.

ليس بجسده بل بروحه.

صار يضحك أقل، يتحدث أقل، يشعر أقل، كأن العالم أقنعه بطريقة غير مباشرة أن النجاة الحقيقية ليست في أن تكون حيًا، بل في ألا يشعر بك أحد.

 

وهكذا، تسللت الوحدة إليه.

لم تأتي على هيئة غرفة فارغة، بل جاءت وسط الزحام، وسط الأصدقاء، والأحاديث، والوجوه الكثيرة.

كان الجميع يراه ولا أحد يراه حقًا.

وهنا يبدأ أخطر أنواع الانهيار، 

أن تصبح ممتلئًا بالضجيج من الداخل، بينما تبدو هادئًا تمامًا من الخارج.

الوحدة ليست أن تبقى بلا أصدقاء، بل أن تشعر بأنك غير مفهوم، مهما تحدثت.

أن تمتلئ بالكلام، ثم تبتلعه لأنك أدركت متأخرًا أن لا أحد ينتظر سماعه.

الوحدة قاسية لأنها لا تأتي دفعة واحدة.

بل تتسلل ببطء؛ في رسالة لم تصل، وفي اهتمام أصبح باردًا،

وفي شخص كان يومًا وطنًا ثم صار غريبًا بلا مقدمات.

 

ثم يأتي الكتمان. 

ذلك الفن البائس الذي نتقنه مع الوقت.

نتعلم كيف نبتلع الكلام قبل أن يولد، كيف نبتسم أثناء الانهيار، وكيف نرد بأنا بخير. بينما أرواحنا تسقط من الداخل كأوراق محترقة. 

الكتمان ليس هدوءًا كما يظن البعض، الكتمان مقبرة صغيرة يحملها الإنسان بداخله.

كل كلمة لم تقال تتحول إلى ثقل، كل دمعة مؤجلة تتحول إلى قسوة، وكل وجع تم تجاهله يعود لاحقًا بصورة أشد، كأنه ينتقم من صاحبه لأنه أخفاه طويلًا.

الكتمان لا يجعل الإنسان قويًا كما يظن الناس، بل يجعله بارعًا في التمثيل فقط.

بارعًا في ارتداء نسخة طبيعية منه، بينما النسخة الحقيقية تجلس في الداخل منهكة، ترتجف بصمت.

 

ثم جاء الفقدان كعادته، بلا استئذان.

لكن الغريب أن الفقد لا يسرق الأشخاص فقط، بل يسرق اللغة أيضًا.

بعد بعض الغيابات، يعجز الإنسان عن شرح نفسه، عن وصف وجعه، عن فهم لماذا أصبح كل شيء ثقيلًا إلى هذا الحد.

يفقد شغفه، ثقته، رغبته في الاقتراب، ويتحول تدريجيًا إلى شخص يخاف من التعلق، لأن قلبه لم يعد يحتمل جنازة جديدة.

ومن شدة ما تألم، بدأ يعتاد الألم.

وهذه هي الكارثة الحقيقية.

أن يصبح الحزن جزءًا يوميًا من الروح،

مثل فنجان القهوة، أو صوت المنبه صباحًا.

 

أن يمر يوم هادئ، فيقلق لأن قلبه لم يعد يعرف الحياة دون وجع.

وفي الليل، حين ينام الجميع،

تبدأ المحاكمة.

تعود الوجوه التي رحلت،

الأصوات القديمة، الرسائل المحذوفة، والذكريات التي كان يظن أنه دفنها جيدًا.

يجلس وحده أمام نفسه، بلا قدرة على الهروب، فيكتشف أن أكثر الأشياء قسوة، ليست تلك التي خسرناها، بل تلك التي لم نتجاوزها أبدًا.

وربما لهذا يبدو بعض البشر باردين.

ليس لأنهم لا يشعرون؛ بل لأنهم شعروا أكثر مما يجب، حتى احترقت أعصاب أرواحهم بالكامل.

 

وربما لهذا السبب، لا يعود بعض البشر كما كانوا أبدًا.

ليس لأن الحياة قاسية فقط،

بل لأنهم حملوا داخلهم أشياءً أكبر من طاقتهم، ثم أكملوا السير وكأن شيئًا لم يحدث.

وهكذا، يصبح الإنسان نسخة هادئة من انهيارٍ قديم يمشي بين الناس بصورة عادية،

بينما في داخله باب مفتوح على الفقد،

وغرفة كاملة لا يسكنها إلا الصمت.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى