الطاقة في مرمى النيران .. ومضيق هرمز ورقة الحسم الأخطر

بقلم : يوحنا عزمي
اللي بيحصل في إيران حالياً مش مجرد جولة عسكرية عابرة ولا ردود فعل تقليدية بين أطراف متصارعة ، لكننا أمام مشهد بيتشكل فيه تحول استراتيجي عميق بيجري على الأرض بشكل متسارع ، وملامحه بدأت توضح إن المنطقة كلها ممكن تدخل مرحلة جديدة مختلفة تماماً عن كل اللي عرفناه قبل كده ، لأن طبيعة الصراع نفسها اتغيرت من مواجهات محدودة إلى صراع إرادات مفتوح، كل طرف فيه مش بس بيحاول يحقق إصابة عسكرية ، لكنه بيسعى يكسر نفس خصمه ويضغط عليه نفسياً وسياسياً واقتصادياً لحد ما يوصله لنقطة التراجع أو الانهاك الكامل.
في البداية كانت الضربات أشبه برسائل سريعة ومحدودة ، لكن مع تطور الأحداث بقت العمليات أعمق وأكثر دقة، وبقت تستهدف نقاط حساسة داخل العمق الإيراني نفسه ، وده نقل الصراع من أطراف الحدود إلى قلب الدولة ، وده أخطر تحول ممكن يحصل في أي حرب ، لأنه معناه إن الأمن الداخلي نفسه بقى جزء من ساحة المعركة ، وإن الرسالة لم تعد مجرد ردع ، بل محاولة لاختراق التوازن الداخلي وخلق حالة ارتباك مستمرة.
ورغم شدة الضغط ، النظام الإيراني لسه واقف ، وده في حد ذاته مؤشر مهم جداً ، لأن طبيعة هذا النظام قائمة على توازن دقيق بين القيادة السياسية والمرجعية الدينية والقوة العسكرية المتمثلة في الحرس الثوري، وأي خلل في المعادلة دي ممكن يؤدي لانهيار سريع، لكن اللي بيحصل دلوقتي إن كل الأطراف دي تحت ضغط متزامن : ضربات عسكرية بتستهدف مواقع حساسة ، ضغوط اقتصادية متراكمة ، وتوترات داخلية ، ومع ذلك المنظومة ما انهارتش، وده بيدل إننا قدام خصم عنده قدرة عالية على امتصاص الصدمات وإعادة التوازن حتى في أصعب الظروف.
اللافت كمان إن طريقة الرد الإيراني مش عشوائية ولا اندفاعية زي ما البعض متخيل ، بالعكس ، فيه حسابات دقيقة جداً بتحكم كل خطوة، لأن إيران بتتعامل بعقلية النفس الطويل، فبدل ما تستخدم كل أوراقها مرة واحدة، بتوزع الضربات بشكل محسوب ، وبتحافظ على قدراتها العسكرية خاصة الصاروخية ، وده هدفه إنها تتجنب الوقوع في فخ الاستنزاف السريع، لأن أي مواجهة مفتوحة بالكامل ممكن تستنزفها قبل ما تحقق أهدافها ، وبالتالي هي بتدير الصراع وكأنه ماراثون طويل مش سباق سرعة.
وفي نفس الوقت ، الصراع ما بقاش محصور داخل حدود إيران، لكنه بدأ يتمدد بشكل تدريجي، وده أخطر ما في المشهد، لأن رقعة التوتر بقت تقترب من مناطق حساسة جداً زي الخليج ، بالإضافة إلى وجود مصالح وقواعد مرتبطة بالولايات المتحدة والغرب ، وده معناه إن أي خطأ في الحسابات أو تصعيد غير محسوب ممكن يفتح الباب أمام حرب إقليمية واسعة النطاق ، مش مجرد مواجهة ثنائية ، وده السيناريو اللي كل الأطراف بتحاول تتجنبه لكن في نفس الوقت كل المؤشرات بتقول إنه احتمال قائم.
ومن أخطر أدوات الضغط اللي دخلت بقوة في المعادلة هي ورقة الاقتصاد ، لأن الصراع مش بس صواريخ وضربات عسكرية ، لكنه كمان حرب تأثير على الأسواق العالمية ، وهنا بيظهر الدور الحيوي لممرات الطاقة، وعلى رأسها مضيق هرمز، اللي بيمر من خلاله نسبة ضخمة من نفط العالم ، وأي تهديد بإغلاقه أو حتى تعطيله بيكفي لخلق حالة قلق عالمي، ويرفع أسعار النفط، ويضغط على اقتصادات كبرى ، وده بيحول إيران من مجرد طرف عسكري إلى لاعب اقتصادي مؤثر في استقرار السوق العالمي.
أما الولايات المتحدة ، فرغم امتلاكها قوة عسكرية ضخمة، إلا إنها لحد اللحظة بتحاول تتجنب الانزلاق إلى حرب شاملة، لأنها مدركة إن المواجهة المفتوحة مع إيران مش مجرد عملية عسكرية، لكنها هتكون مكلفة جداً على كل المستويات ، سواء من حيث الخسائر المباشرة أو التأثير على استقرار المنطقة والاقتصاد العالمي ، وده بيخلي استراتيجيتها الحالية قائمة على الضرب المحدود والضغط المستمر دون الوصول لنقطة الانفجار الكبير.
وفي ظل كل التعقيدات دي ، المشهد مفتوح على أكثر من احتمال، فإما نشهد تصعيد أكبر يوسع دائرة الصراع ويحول المنطقة لساحة مواجهة مفتوحة، أو يستمر الوضع في شكل حرب استنزاف طويلة تعتمد على ضربات متقطعة ومحسوبة، وهو السيناريو الأقرب حتى الآن، أو يحصل نوع من التهدئة المؤقتة نتيجة ضغوط دولية، لكنها غالبًا هتكون هدنة هشة مش حل جذري للصراع.
في النهاية ، اللي بيحصل مش مجرد حرب تقليدية بين طرفين، لكنه صراع على النفوذ والسيطرة ومصادر الطاقة ، وصراع على شكل الشرق الأوسط في المرحلة القادمة، والأهم من كل ده إن مفيش طرف قادر يحسم المعركة بسرعة، وده معناه إننا داخلين على مرحلة طويلة ومعقدة ، مليانة مفاجآت ، ومفتوحة على تغييرات ممكن تعيد تشكيل موازين القوة في المنطقة بالكامل.



