الضربة التي كسرت القواعد .. هل بدأ فصل الفوضى الكبرى؟

✍️ بقلم : يوحنا عزمي
المشهد اللي العالم صحي عليه النهارده مش مجرد تصعيد عسكري جديد ، لكنه نقلة خطيرة جداً في طبيعة الصراع نفسه، نقلة بتفتح أبواب سيناريوهات كانت لحد وقت قريب تعتبر مستبعدة أو على الأقل مؤجلة. الضربة اللي استهدفت حقل “بارس الجنوبي” في منطقة “عسلوية” قرب بوشهر ، مش ضربة عادية لمنشأة طاقة، لكنها استهداف مباشر لشريان اقتصادي حيوي بيغذي دولة كاملة، وده في حد ذاته إعلان واضح إن قواعد الاشتباك القديمة انتهت، وإن اللي جاي أخطر بكتير.
الحقل ده تحديداً مش مجرد موقع إنتاج غاز ، لكنه العمود الفقري لمنظومة الطاقة الإيرانية ، وركيزة أساسية في تشغيل الاقتصاد وتوفير الاحتياجات اليومية لملايين المواطنين، وبالتالي استهدافه مش بس ضربة اقتصادية ، لكنه ضغط داخلي مباشر على الدولة والمجتمع في نفس الوقت. ولما منشأة بالحجم ده تتحول في لحظات إلى كتلة نار ودخان ، الرسالة هنا بتكون أبعد من مجرد تدمير هدف، دي رسالة مفادها إن البنية التحتية نفسها بقت هدف مشروع في الصراع.
لكن الأخطر من الضربة نفسها هو الاعتراف العلني بيها ، والتأكيد إنها تمت بتنسيق كامل بين إسرائيل والإدارة الأمريكية ، خصوصاً مع تصريحات حادة بتتكلم صراحة عن “إفلاس إيران” وإنهاء دورها في المنطقة. النوع ده من التصريحات مش مجرد دعاية سياسية ، لكنه بيكشف إن في توجه حقيقي لنقل المواجهة من مستوى الاحتواء إلى مستوى كسر الإرادة بشكل مباشر ، حتى لو ده هيشعل المنطقة كلها.
في المقابل ، الرد الإيراني المبدئي بيشير إننا داخلين على مرحلة جديدة تماماً، لأن فكرة إعلان “قائمة أهداف” تشمل منشآت الطاقة في الخليج معناها إن طهران مش ناوية تكتفي برد رمزي أو محدود لكنها بتلوح بتوسيع نطاق الضربات لتشمل أطراف تانية في المعادلة وده بيحول الصراع من مواجهة ثنائية إلى صراع إقليمي مفتوح، كل طرف فيه معرض يكون هدف في أي لحظة.
التداعيات بدأت تظهر بسرعة، وده طبيعي في صراع بيتمس قطاع الطاقة العالمي بشكل مباشر. مجرد تهديد منشآت النفط والغاز في الخليج كفيل بإرباك الأسواق ورفع الأسعار بشكل حاد ، وده اللي انعكس فورًا على أسعار النفط والغاز ، لأن العالم كله بيعتمد بشكل أساسي على استقرار المنطقة دي. ومع التوتر في مضيق هرمز اللي يعتبر شريان رئيسي لنقل الطاقة عالمياً ، أي تعطيل فيه بيبقى له تأثير مباشر على الاقتصاد العالمي بالكامل ، مش بس المنطقة.
في نفس الوقت ، حالة القلق اللي بدأت تظهر في دول الخليج، سواء من خلال إجراءات احترازية أو تقليل الحركة في بعض المنشآت ، بتعكس إدراك حقيقي إن الخطر مش نظري ، وإن احتمالات الاستهداف بقت واردة بشكل كبير. وده بيخلق حالة من الترقب المشحون ، لأن أي ضربة فعلية لمنشأة في الخليج هتكون بمثابة نقطة تحول ضخمة ممكن تدفع الجميع لمواجهة شاملة.
وسط كل ده ، واضح إننا أمام لحظة تداخل فيها السياسي بالاقتصادي بالعسكري ، وكل عنصر فيهم بيضغط على التاني ، وده اللي بيخلي المشهد معقد وخطير في نفس الوقت. لأن المشكلة مش بس في الضربات الحالية ، لكن في سلسلة ردود الفعل اللي ممكن تخرج عن السيطرة ، خصوصاً مع غياب مسارات تهدئة حقيقية أو قنوات تفاوض فعالة.
اللي بيحصل دلوقتي بيحط المنطقة كلها على حافة مرحلة صعبة جداً ، مرحلة ممكن تتحول فيها الصراعات المحدودة إلى موجة فوضى أوسع ، وده هيكون له تأثير مباشر على الشعوب قبل الحكومات ، سواء من ناحية الاقتصاد أو الاستقرار أو حتى الأمن اليومي. وفي ظل المعطيات الحالية، الخطر الأكبر مش في الضربة نفسها، لكن في اللي ممكن ييجي بعدها، لأن أي رد محسوب بشكل خاطئ ممكن يفتح الباب لتصعيد متسلسل محدش يقدر يوقفه بسهولة.
ببساطة ، إحنا قدام لحظة شديدة الحساسية ، بيتحدد فيها شكل المرحلة الجاية، يا إما انزلاق نحو مواجهة أوسع، أو محاولة لالتقاط أنفاس وإعادة ضبط الإيقاع قبل ما الأمور تخرج عن السيطرة بالكامل.



