مقالات

مصر ليست في قفص الاتهام : الأمن القومي أولًا .. والبقية حسابات سيادية معقدة

✍️ يوحنا عزمي

مرة أخرى ، تفرض الضرورة إعادة ضبط زاوية النظر في تقييم الدور المصري داخل معادلة الأمن الإقليمي ، بعيداً عن الأحكام الانفعالية أو الاتهامات الجاهزة التي تتكرر مع كل أزمة في المنطقة.

فالسؤال التقليدي : “أين مصر؟” لا ينطلق غالباً من فهم حقيقي لتعقيدات القرار السيادي ، بقدر ما يعكس تصوراً عاطفياً لدور تاريخي لم يعد من الممكن استنساخه بنفس الآليات أو في نفس السياقات.

في جوهر المسألة ، لا تتحرك الدولة المصرية باعتبارها فاعلاً تابعاً لانتظارات الآخرين ، بل وفق تعريفها الخاص للأمن القومي ، وهو تعريف مركب يتجاوز البعد العسكري المباشر ليشمل اعتبارات اقتصادية ، سياسية ، جغرافية ، بل وديموغرافية أيضاً.

ومن ثم ، فإن أي قرار تتخذه القاهرة – سواء بالتدخل أو الإمتناع – هو نتاج حسابات دقيقة تتعلق بتوازنات القوة ، وكلفة التحرك ، واحتمالات التصعيد ، فضلًا عن أولويات الداخل التي تظل دائماً المحدد الحاكم لأي سياسة خارجية رشيدة.

مصر ، بحكم موقعها وتاريخها ، تدرك أن حماية أمنها القومي ليست خياراً بل التزاماً وجودياً لا يقبل المساومة أو التفويض. ولذلك ، فهي لا تبني استراتيجياتها على افتراض أن أطرافاً أخرى ستتولى عنها أعباء المواجهة ، كما أنها لا تنتظر إذناً من أحد لتحديد نطاق تحركها. هذه القاعدة ظلت ثابتة في مختلف المراحل التاريخية ، من الحروب التقليدية إلى الأزمات الإقليمية المعقدة، حيث بقي القرار مصرياً خالصاً ، تتحمل الدولة وحدها تبعاته، نجاحاً أو إخفاقاً.

أما فيما يتعلق بالأمن الخليجي ، فإن القراءة الواقعية تكشف بوضوح أنه لم يكن يوماً ضمن نطاق المسؤولية المباشرة لمصر، ليس تقصيراً منها ، بل نتيجة خيارات استراتيجية اتخذتها دول الخليج نفسها. فمنذ التحولات الكبرى التي أعقبت أزمة غزو الكويت عام 1990، أعادت هذه الدول صياغة عقيدتها الأمنية بالاعتماد شبه الكامل على المظلة الأمريكية ، سواء من خلال الشراكات الدفاعية أو القواعد العسكرية أو صفقات التسلح الضخمة.

هذا المسار لم يكن طارئاً ، بل امتداداً لتوجه بدأ منذ تأسيس مجلس التعاون الخليجي في عام 1981، حين سعت تلك الدول لبناء منظومة دفاعية ذات طابع إقليمي مغلق، تدار بأدواتها الخاصة وتخدم أولوياتها المباشرة.

لكن التجربة العملية ، خاصة خلال أزمة الكويت ، كشفت حدود هذه المنظومة ، ودفع ذلك نحو تعميق الارتباط بالولايات المتحدة كضامن رئيسي للأمن. في هذا السياق ، لم يكن لمصر موقع فعلي داخل هذه الترتيبات ، لا لأن دورها مرفوض بالضرورة ، بل لأن الهيكل الأمني الخليجي تشكل منذ البداية بعيدًا عنها، وبإرادة خليجية خالصة. ومن ثم ، فإن تحميل القاهرة مسؤولية أي خلل في هذا النظام يبدو طرحاً يفتقر إلى الدقة ، بل ويتجاهل حقيقة أن القرار الأمني الخليجي ظل ، ولا يزال ، حكراً على أصحابه.

أما مفهوم الأمن القومي العربي ، فهو في حد ذاته يطرح إشكالية أعمق تتعلق بغياب البنية المؤسسية القادرة على ترجمته إلى واقع عملي. نظرياً ، يفترض هذا المفهوم توزيع الأعباء بين الدول العربية وفق قدراتها ، ضمن إطار من التنسيق الاستراتيجي والتكامل العسكري والسياسي. لكن عملياً ، لم تنجح المنطقة في بناء هذا النموذج ، وظلت فكرة “الدفاع العربي المشترك” أقرب إلى الطرح النظري منها إلى التطبيق الفعلي.

في هذا الإطار ، لا يمكن مطالبة دولة بعينها – مهما كان وزنها – بالقيام بدور جماعي في غياب منظومة جماعية حقيقية. مصر قد تكون مرشحة بطبيعتها للعب دور محوري ، لكن هذا الدور لا يُمارس في فراغ ، بل يتطلب تكليفاً واضحاً ، وتنسيقاً فعالاً وشركاء قادرين على تحمل نصيبهم من المسؤولية. دون ذلك، يتحول الحديث عن تقصير أو غياب إلى نوع من الإسقاط السياسي أكثر منه تقييماً موضوعياً.

خلاصة القول ، إن تقييم الدور المصري يجب أن ينطلق من فهم عميق لطبيعة الدولة وحدود قدرتها ، وللتحولات التي طرأت على النظام الإقليمي ككل. فمصر لا تنسحب من المشهد ، لكنها تعيد تعريف موقعها فيه وفق معادلة توازن دقيقة بين الالتزامات والقدرات، بين الطموح والواقعية. ومن دون إدراك هذه المعادلة، سيظل السؤال عن دورها مطروحاً بصيغة خاطئة ، وستبقى الإجابات تدور في دائرة الاتهام بدلًا من أن تقترب من جوهر الحقيقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى