ابداعات

رسول الدهشة

إسماعيل السيد 

 

يا امي 

تخيلي لو لم تكن هُناك ثورة

تخيلي لو لم التقي بجندي صفعني في الصغر

لو لم أحب امرأة تقرأ لرامبو وبولدير، وتسمع لفيروز

وتجاهر بالغناء

لو لم أكن غريباً في المدرسة والشارع، وفي حضنكِ

تخيلي يا أمي معي 

أن اكون مُفرطاً في عاديتي 

تقول لي احداهن، صباح الورد لا افتح النافذة لأرى زهرة الجهنمية في الخارج

تقدمين لي القهوة لا أتحسس صوت فيروز في الهاتف 

تخبرني فتاة ونحن نتدحرج نحو إنفكاك 

أكرهك

فاشعر بمذاق الملح في فمي

لو لم اكن مهووساً بالحب الذي لا يحولنا لجثث

لو لم اكن أرى الشعر في الأشياء 

لو لم أكن حزيناً هكذا في نهاية كل ليلة

حتى الليالي السعيدة ، لأنني اتذكر أنها كالثمالة وكرغوة القهوة، ستتلاشى في النهاية

هل كُنت سأكون انا ؟

الستُ الحُزن غير المُبرر انا

تموت طفلة بالبرد في بلادِ ما، انا من اخيط فتوق دميتها واخبئها بالملاءة

تنتحر كاتبة في قصيدة ما

أنا من يُحيك لرحلتها الأخيرة طوق من الازهار 

ترتعش عاشقة وحيدة في رصيف وتبكي 

انا من اخبئ عنها النافذة والقمر 

لكي يضل الحنين عن قلبها

 

تخيلي لو لم يكن الوطن حزيناً هكذا، مثل قلبي، ومثل نهر بلا صخور مضيئة

ومثل رجل ثمل، ولم يجد جدار مُظلم للتبول 

هل كُنت ساكون شاعر 

مؤكد كنت سأعمل في دار جنائز

لأنال حصتي من الموتى ربما 

وربما لأنني لا يمكنني أن احيا بلا حزني

امرأة تجيد صنع الحساء، وتقديم القهوة، والضحك على طُرفة سمجة تخيفني 

امرأة تسمع موسيقى الجاز، وتقرأ مجلات الموضة تخيفني

امرأة في مزاجها الشهري، لا تقول 

انت لا تُحبني لُأدللها أكثر تخيفني 

امرأة اقابلها لاكثر من مرة 

دون أن ألمح دمعة ساخنة في الداخل، دمعة اُدحرجها بقصيدة 

بقصة عن رجل خسر قلبه في حادثة حب

وعاد بلا عطر تخيفني

امرأة لا تبكي تخيفني 

وامرأة تضحك دائماً

تقتلني رعباً

غريب الأطوار انا يا امي، وداخلي كهف يضج بالأفاعي، والعيون الماكرة 

لحيتي عُش لكلمات ثملة، يحدث أن تسقط صرعى اهتزاز 

وقلبي شعب من الأشرار، ينفثون في الحرب لتشتعل أكثر، يبحثون في نسائي عن اطفال لم يكنا مني، يحرقونهم هناك ، ليمسى الحزن أكثر حزنا

ورأسي غابة من الاحزان الصالحة دائماً للشعر، او البكاء 

حسب ما تمليه السيدة زجاجة 

في الواحدة فقداً

يا امي اغفري لي عاديتي غير العادية 

لأنني اخشى إن اصبحت سعيداً، على الوحيدين

من سيبكي اولئك الذين بلا احد، يبكي جنازاتهم يا امي

من يا امي

هناك كثيرون مثلي 

يبكون على الجميع، لكنهم كالظلال 

اخف من أن يشعر الاخرون 

بثقل جنازاتهم

ربما انا رسول الجنائز المُهملة.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى