“كروكيه تنخرطُ عن الطريق”

المهند إسلام
تستمرُ دوّامة الحياة المملة،
تُغلق العقول مع مرور الوقت،
ينسى المؤلفون كيفَ يكتبون.
ولكيلا يقتل الناسَ بعضهم بعضًا مللًا،
يتخذونَ التجارب الجديدة ملجأ لهم.
لذا خرجتُ خارج المنزلِ بحثًا عن الإلهام،
وانحدر الإلهامُ عن طريقه.
في النادي الرياضي،
أربع لاعبين،
منقسمين لفريقين.
منهم ثلاثة عجائز،
إحداهن ذا شعرٍ أبيض منفوش،
وجسدٍ ممتلئ،
أعين ضيقة،
ونظارة تنمُ عن ضعف النظر.
لم تختلف اللاعبة الثانية عن الأولى بكثير،
غيرَ وجود الحجاب الأسود،
والبنطال الضيق.
أمّا عن الفريق الآخر،
رجلٌ في الثلاثين،
نحافته دليل على إدمانه التدخين.
وآخرهم،
شابٌ في السابعة عشرَ،
أشبهُ بالعجوز الأولى في جسده،
أشبهُ بوالده الجالس في الخارج في ملامحه.
وعلى الكرسي المجاور لوالد صديقي،
أجلسُ أنا،
أشاهدُ مباراة “كروكيه”،
كنوعٍ من أنواع التغيير،
ورغبًا في إلهام جديد.
ولأكونَ صريحًا،
كان مرضاة لأصدقائي،
ومحاولةٌ للتوقف عن كوني وغدًا معهم.
يُمسكُ اللاعبين مضارب طويلة للكرة،
يتجولون حول الملعب،
يطالعون المضارب،
الحلقات،
الكرة،
وحتى الأرض!
يحسبون اتجاهات الكرة،
يخفضون ظهورهم حتى أرجلهم،
يوجهون المضارب،
ويدفعون الكراتَ حول الملعب،
لمدة جولتين.
لا أعلمُ ما يدور بعقولهم،
لكن أعلمُ أنه شيء هام،
ولا أبالِ به.
لم أكتبْ قصة أمدحُ بها مباراة للكروكيه.
كما لم أكتب لأُهينَ أصحابِها العجائز.
فقط انكسرَ ظهري من المشاهدة،
وأوقفت أذناي سماع الوالد المُتحدث،
أُُغلقت عيناي مللًا،
وأتلفت أعصابَ أصابعي.
ضجيجٌ يحدثُ تدريجيًا،
ليسَ في ملعب الكروكيه بالطبع،
فالأصوات العالية ممنوعةُ في ذلك الملعب،
أنت تفسدُ تركيزَ اللاعبين!
كان الضجيجُ قادمًا من ملعبِ كرة السلة،
اشعلَ الدوبامين ملامح وجهي،
واشتعلَ الادرينالين يساعده.
عادت الألوانُ إلى جسدي،
وتحركت قدماي تاركة ملعب الكروكيه،
ملعب العقل،
المنطق،
التفكير،
والهدوء.
وتوجهت مشاعري سابقة قدماي،
تراقبُ مباراة للسلة،
تراقبُ لاعبينَ ثائرين،
مهتاجين،
جائعين للركض،
الفوز.
وتحركت ذاكرتي تشعلُ المحرك داخلها،
حينَ كنتُ يومًا إحدى هؤلاء اللاعبين،
تشتعلُ مشاعر الغضب مع كل ركضة،
مشاعر الحرية مع كل عضلةٍ تؤلم،
مشاعرُ اللاعقلانية مع كل عنفٍ يحدثُ في الملعب.
تحركت ذاكرتي تتذكر،
حينَ كانت كرة السلة مهربي بعد يومٍ شاق،
مهربي بعد المدرسة،
مهربٌ للوغد الهائجِ داخلي هاربٌ من أصدقاءه.
كما هربتُ مجددًا الآن.
“أتلعبُ السلة؟”
قالها أحدهم بجانبي،
ملابسه تخبرني أنهُ من الفريق الذي يلعب.
“اعتدتُ اللعب.”
“يمكنك اللعب معنا إن أردت.”
اخترقت سعادتي عقول لاعبي الكروكيه.
ربما لم أعد ألعبُ السلة،
ربما بدأت أتجه للعقلانية،
ربما فرضت عليّ الحياة العقلانية،
والمنطق.
كنتُ لاعبًا متمرد ذا بنطال قصير رياضي يلعبُ السلة،
أصبحتُ باحثًا يبحثُ عن الوعي والمنطق.
لكن بينهما كانَ ذاك الفتى هناك،
يلعبُ السلة مع لاعبين غرباء،
ببنطالِ جينز واسع القدمين، وسماعةٍ سلكية،
وغدٌ،
متمرد،
حر،
وغدٌ متمرد، حرٍ واعي.



