مقالات

أوروبا تحترق .. القارة الباردة تدخل أخطر كابوس مناخي يهدد مستقبل الحياة على الأرض

بقلم : يوحنا عزمي


أوروبا اليوم لا تعيش مجرد صيف قاس أو موجة حر عابرة، بل تواجه مشهداً أقرب إلى الكارثة المناخية التي كانت حتى وقت قريب تبدو وكأنها جزء من أفلام الخيال العلمي. القارة التي طالما ارتبطت في أذهان العالم بالطقس المعتدل والأجواء الباردة ، أصبحت فجأة ساحة لمشاهد صادمة؛ طرق تذوب تحت الأقدام ، إشارات مرور تتشوه بفعل الحرارة ، مستشفيات تعلن حالة الطوارئ، وأشخاص يفقدون حياتهم بسبب الإجهاد الحراري في ظاهرة غير مسبوقة بهذا الحجم.

قبل سنوات قليلة ، لو أخبرك أحدهم أن دولًا مثل فرنسا وألمانيا وبريطانيا ستشهد وفيات جماعية بسبب درجات الحرارة المرتفعة ، وأن غرف العمليات داخل المستشفيات ستصبح غير صالحة لإجراء الجراحات لأن الحرارة بداخلها تجاوزت الحدود الآمنة ، وأن المواطنين سيجدون أنفسهم مضطرين للقفز داخل النوافير والأنهار وسط المدن هرباً من ضربات الشمس، لاعتقدت أنه يتحدث عن سيناريو مستقبلي خيالي. لكن ما كان يبدو مستحيلًا أصبح اليوم حقيقة يعيشها ملايين الأوروبيين.

لفهم ما يحدث الآن، يجب أولًا التوقف عند ظاهرة جوية تعرف باسم “أوميجا بلوك” أو حاجز أوميجا، وهي حالة مناخية تتشكل عندما تستقر كتلة ضخمة من الهواء الساخن فوق منطقة جغرافية واسعة لفترة طويلة ، فتمنع مرور التيارات الهوائية المعتدلة التي عادة ما تكسر حدة الحرارة. النتيجة المباشرة لهذه الظاهرة هي تحول الأجواء إلى ما يشبه الفرن المغلق، حيث تستمر الحرارة في التصاعد دون أي فرصة حقيقية لتراجعها.

ورغم أن هذه الظاهرة ليست جديدة على علم المناخ ، فإن علماء الأرصاد يؤكدون أن ما يحدث حالياً في أوروبا هو الأقوى منذ بدء تسجيل البيانات المناخية الحديثة. ويرى الخبراء أن التغير المناخي الناتج عن الانبعاثات الكربونية لعب الدور الأكبر في تحويل موجة حر اعتيادية إلى أزمة تاريخية بهذا الحجم ، بعدما ظل كثيرون لسنوات يتعاملون مع التحذيرات البيئية باعتبارها مبالغات لا تستحق القلق.

المشهد على الأرض يبدو صادمًا بكل المقاييس. العاصمة الفرنسية باريس سجلت خلال الأيام الماضية درجات حرارة تجاوزت في بعض الأوقات درجات الحرارة المسجلة في مكة المكرمة، بينما بدأت الطرق في بعض المدن الألمانية بالتشقق والذوبان تحت تأثير الشمس الحارقة. أما بريطانيا، الدولة التي طالما اعتبر سكانها أجهزة التكييف رفاهية لا حاجة لها بسبب طبيعة الطقس البارد، فقد وجدت نفسها مضطرة لإعلان حالة الطوارئ مع إرتفاع درجات الحرارة إلى مستويات غير مسبوقة.

وفي غضون أسابيع قليلة فقط، سجلت الهيئات الصحية الأوروبية أرقاماً مقلقة في معدلات الوفيات المرتبطة بالإجهاد الحراري. فرنسا وحدها شهدت أكثر من 1400 حالة وفاة ، بينما سجلت إسبانيا أكثر من 200 وفاة، إضافة إلى عشرات الحالات في دول أوروبية أخرى. معظم الضحايا كانوا من كبار السن الذين يعيشون بمفردهم، حيث أدى الجفاف وارتفاع حرارة الجسم إلى وفاتهم داخل منازلهم دون أن ينتبه إليهم أحد إلا بعد فوات الأوان.

لكن السؤال الذي يطرحه كثيرون هنا يبدو منطقياً للغاية؛ كيف يمكن لدرجات حرارة تتراوح بين 43 و44 درجة مئوية أن تتسبب في هذه الكارثة داخل أوروبا، بينما تعيش دول مثل مصر ودول الخليج درجات حرارة أعلى من ذلك بشكل معتاد دون انهيار مشابه؟

الإجابة ببساطة أن تأثير الحرارة لا يقاس بالأرقام وحدها، بل بطبيعة البيئة التي يعيش فيها الإنسان ومدى استعداد البنية التحتية للتعامل معها. أوروبا تاريخياً قارة باردة نسبياً ، ومعظم مدنها ومبانيها صممت منذ مئات السنين وفق فلسفة معمارية تهدف إلى الاحتفاظ بالدفء داخل المنازل خلال الشتاء الطويل. لذلك نجد أن كثيراً من البيوت الأوروبية مبنية بجدران عازلة ونوافذ محدودة التهوية، وهي مواصفات مثالية للبرد لكنها تتحول إلى كارثة حقيقية أثناء موجات الحر ، حيث تصبح المنازل أشبه بأفران مغلقة تحتفظ بالحرارة والرطوبة لساعات طويلة.

الأمر لا يتوقف عند البناء فقط ، فارتفاع الرطوبة يضاعف الأزمة بشكل كبير، لأن الجسم البشري يعتمد على تبخر العرق لتبريد نفسه. وعندما تصبح الرطوبة مرتفعة ، يتعطل هذا النظام الطبيعي ، فيرتفع الإحساس بدرجة الحرارة إلى مستويات تفوق الرقم الحقيقي بكثير. إضافة إلى ذلك، تتميز كثير من المناطق الأوروبية بسماء صافية ونسب منخفضة من الأتربة والتلوث ، ما يعني أن أشعة الشمس تصل مباشرة بقوة أكبر ، لتضاعف الإحساس بالاختناق والاحتراق الحراري.

لهذا السبب ظهرت خلال الأيام الأخيرة مشاهد بدت صادمة للعالم ؛ إشارات مرور بدأت تتشوه بفعل الحرارة، كابلات كهربائية تعرضت للتلف ، أجزاء من الطرق تحولت إلى كتل لينة بفعل ذوبان الأسفلت بينما شهدت الشوارع حالات متكررة من الإغماء والانهيار. وفي بعض المدن اضطرت سيارات الإطفاء إلى النزول لرش المياه على المواطنين في الشوارع لتخفيف آثار الإجهاد الحراري، في وقت لجأ فيه كثيرون إلى إلقاء أنفسهم داخل نوافير الميادين العامة وهم بكامل ملابسهم فقط بحثًا عن أي وسيلة للبقاء.

وقد يتساءل البعض هنا عن سبب عدم لجوء الأوروبيين ببساطة إلى تشغيل أجهزة التكييف كما يحدث في الدول الحارة. لكن الحقيقة أن التكييف في معظم المنازل الأوروبية ليس جزءًا أساسياً من نمط الحياة. السكان هناك لم يحتاجوا إليه تاريخياً لأن معركتهم كانت دائمًا مع البرد لا الحرارة، ومع اندفاع الناس مؤخراً نحو شراء أجهزة التكييف، اصطدموا بقوانين بيئية صارمة تفرض قيودًا على استخدامها بحجة الحفاظ على خطط خفض الانبعاثات الكربونية وتحقيق ما يعرف بسياسات “صافي الانبعاثات الصفري”.

وفي بريطانيا تحديداً ، هناك توجهات بيئية تدفع نحو تقليل استخدام أجهزة التكييف وتشجع بدائل مثل فتح النوافذ وتظليل الشوارع والمباني، لكن هذه السياسات أصبحت موضع جدل كبير بعدما وصلت الحرارة إلى مستويات تسببت في تعطيل بعض خطوط النقل العام، نتيجة تمدد القضبان الحديدية وتأثر البنية التحتية تحت الشمس الحارقة.

أما الأزمة الأخطر فتتكشف الآن داخل المستشفيات الأوروبية.  عدد من المستشفيات البريطانية والفرنسية لم يكن مجهزاً أصلًا بأنظمة تكييف مركزية قادرة على تحمل هذه الظروف، وبعض الأنظمة الموجودة تعطلت بالفعل تحت الضغط الهائل. النتيجة أن غرف العمليات والعيادات ارتفعت حرارتها إلى مستويات تهدد سلامة المرضى والأطباء معًا، ما أجبر إدارات صحية على إلغاء آلاف العمليات الجراحية الضرورية لأن البيئة الطبية أصبحت غير آمنة للتعقيم والتعامل مع الجروح.

وهناك عامل آخر يزيد المشهد خطورة، وهو الطبيعة السكانية الخاصة بالقارة الأوروبية نفسها. أوروبا تعرف منذ سنوات باسم القارة العجوز، لأنها تضم واحدة من أعلى نسب كبار السن في العالم، وكثير من هؤلاء يعيشون بمفردهم بسبب التفكك الأسري المنتشر هناك. ومع ارتفاع الحرارة، يصبح كبار السن الفئة الأكثر هشاشة، لأن أجسامهم أقل قدرة على تنظيم الحرارة الداخلية، وأي ضربة شمس قد تتحول إلى وفاة صامتة لا يكتشفها أحد إلا بعد أيام.

هذا السيناريو ليس جديدًا تمامًا على أوروبا، فقد شهدت القارة في عام 2003 واحدة من أسوأ الكوارث المناخية عندما ضربتها موجة حر مشابهة تسببت في وفاة عشرات الآلاف، بينهم ما يقرب من خمسة عشر ألف شخص في فرنسا وحدها. واليوم يبدو أن التاريخ يعيد نفسه بصورة أكثر عنفاً ، وسط تحذيرات علمية تؤكد أن ما يحدث الآن ليس إلا مقدمة لما هو قادم.

العالم بأكمله يقف اليوم أمام مرحلة جديدة تتغير فيها طبيعة الكوكب بشكل جذري. الظواهر المناخية التي كانت تعتبر استثنائية أصبحت تتحول تدريجياً إلى نمط متكرر، والموجات الحارة العنيفة مرشحة لأن تصبح الوضع الطبيعي الجديد خلال العقود المقبلة، خاصة في أوروبا التي تصنف الآن باعتبارها أسرع قارات العالم ارتفاعاً في درجات الحرارة.

وربما أكثر ما يثير القلق أن جزءًا كبيراً من البشر ما زال غير مدرك لحجم التحول الذي يحدث أمام أعيننا. العالم الذي نعرفه يتغير بسرعة، ومعه يجب أن تتغير أنماط الحياة بالكامل، من تصميم المنازل والمدن، إلى أنظمة العمل والزراعة وإدارة الطاقة. لأن الاستمرار في تجاهل ما يحدث قد يقود البشرية إلى لحظة تستيقظ فيها لتكتشف أن الكوكب الذي عاشت عليه لقرون لم يعد
هو نفسه الكوكب الذي عرفته يوماً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى