بين ضباب الاشتباك ورسائل السياسة : من يوظف الغموض في مياه هرمز؟

✍️ يوحنا عزمي
الأسئلة التي تندفع إلى الواجهة في مثل هذه اللحظات لا تنبع فقط من صوت الانفجارات أو من تضارب الأخبار، بل من التوقيت شديد الحساسية الذي تتقاطع فيه الوقائع العسكرية مع التحركات السياسية، بحيث يصبح المشهد كله قابلاً لتفسيرات متعددة، بعضها منطقي وبعضها أقرب إلى الظنون التي يغذيها الغموض.
الحديث عن اشتباكات في محيط ميناء بندر عباس وجزيرة جزيرة قشم القريبة من مضيق هرمز يضعنا تلقائياً أمام واحدة من أكثر النقاط حساسية في الجغرافيا السياسية العالمية ، حيث تختلط الملاحة بالطاقة بالعسكرة ، وحيث أي تحرك محدود يمكن أن يُقرأ كرسالة استراتيجية تتجاوز حجمه المباشر.
تضارب الروايات في الساعات الأولى لأي حادث من هذا النوع ليس أمراً استثنائياً ، بل هو القاعدة المعتادة في مناطق التوتر.
لكن اللافت أن بعض السرديات الإعلامية قفزت سريعاً من توصيف الاشتباك إلى تحديد الفاعل ، ثم إلى ربط الحدث بتحركات سياسية جارية في الإقليم. وهنا يبدأ التحليل الحقيقي ، لا في سؤال “من أطلق النار؟” بل في سؤال “من يستفيد من توجيه أصابع الاتهام بهذا الاتجاه أو ذاك؟”.
الإيحاء المبكر بأن جهة خليجية قد تكون ضالعة في الهجوم ، تزامن مع تداول أخبار عن وجود وحدات عسكرية مصرية في دولة خليجية في إطار تعاون دفاعي معلن. هذا التزامن الزمني فتح الباب أمام قراءات ترى أن الهدف قد لا يكون عسكرياً بحتاً ، بل سياسياً بالدرجة الأولى ، عبر خلق انطباع بأن تحالفات عربية دفاعية يمكن تصويرها كأطراف في مواجهة مباشرة مع إيران.
في المقابل ، صدرت نفيات متسارعة من أطراف إقليمية أخرى، وهو أمر يثير بدوره تساؤلات حول دوافع الإسراع في النفي، وهل الهدف هو النأي بالنفس أم ضبط مسار السردية الإعلامية قبل أن تتصلب في اتجاه معين.
اللافت كذلك أن الحديث عن تحركات عسكرية أمريكية متزامنة مع الأحداث قُدم بصيغة توحي بأن ما يجري ليس “عودة للحرب” بل “ردود موضعية”. هذا التوصيف بحد ذاته يعكس محاولة لضبط سقف التصعيد لفظياً حتى لو كان الميدان يشهد احتكاكاً فعلياً. فاللغة السياسية في مثل هذه اللحظات تصبح أداة إدارة أزمة ، لا مجرد وصف لما يحدث.
من هنا ، يصبح الاحتمال الأخطر ليس أن تكون هناك ضربة مباشرة من هذه الدولة أو تلك ، بل أن يكون هناك توظيف متعمد للغموض نفسه. عمليات التضليل أو “الراية المزيّفة” ليست فرضية خيالية في تاريخ الصراعات ، بل تكتيك معروف يهدف إلى توجيه رد فعل الخصم نحو طرف ثالث. وفي بيئة مشحونة مثل بيئة الخليج ومضيق هرمز ، يكفي إشعال الشك لخلق سلسلة من الحسابات الدفاعية التي قد تتحول بسرعة إلى تصعيد حقيقي.
ربط الحدث بتحركات دبلوماسية رفيعة المستوى يضيف طبقة أخرى من التعقيد. الزيارات الرسمية عادة ما تُقرأ في سياقها السياسي ، لكن عندما تتزامن مع أحداث عسكرية غامضة ، تتحول إلى عنصر في السردية الإعلامية ، سواء عن قصد أو دون قصد.
هنا يصبح التوقيت نفسه مادة للتحليل : هل هو صدفة زمنية؟
أم استغلال مقصود للحظة سياسية حساسة؟ أم مجرد إسقاط ذهني ناتج عن محاولة فهم ما يجري في ظل نقص المعلومات؟
المؤكد حتى هذه اللحظة أن الصورة ضبابية ، وأن معظم ما يتم تداوله يعتمد على تسريبات وتفسيرات إعلامية أكثر منه على بيانات رسمية حاسمة. وفي مثل هذه البيئات ، تتحول الأخبار إلى أدوات ضغط نفسي وسياسي بقدر ما هي نقل للوقائع. لذلك فإن أخطر ما في المشهد ليس الاشتباك المحدود ذاته ، بل المناخ الذي يسمح بتوجيه الاتهامات وبناء سيناريوهات كاملة قبل أن تتضح الحقائق.
التحليل المتزن يقتضي الاعتراف بأن تعدد الاحتمالات لا يعني صحة أي منها ، وأن غياب الأدلة القاطعة يفرض الحذر في تبني سردية نهائية. ما يمكن قوله بثقة هو أن المنطقة تعيش لحظة حساسة تتقاطع فيها الحسابات العسكرية مع الرسائل السياسية، وأن أي قراءة متسرعة قد تسهم – دون قصد – في تثبيت رواية قد لا تكون دقيقة. في مثل هذه اللحظات، يصبح الانتظار للحصول على معلومات مؤكدة جزءًا من المسؤولية ، لأن الكلمة قد تكون أحياناً شرارة لا تقل خطرًا عن الطلقة.



