بين تهدئة بكين وتصعيد واشنطن .. هرمز رهينة التناقض الأميركي واحتمالات الإنفجار

✍️ بقلم : يوحنا عزمي
بدا الموقف الصيني خلال لقاءات بكين حاسماً في تعريفه لطبيعة المدخل الممكن لمعالجة أزمة مضيق هرمز ؛ إذ حرص الرئيس شي جين بينغ على تثبيت فكرة أساسية مفادها أن أي حل مستدام لا يمكن أن يمر عبر المزيد من القطع البحرية ولا عبر رفع منسوب الاستعراض العسكري ، بل عبر نزع الطابع العسكري عن المضيق وتهدئة البيئة المحيطة به وخفض مستويات التوتر التي جعلت الممر المائي الأهم في العالم أشبه بساحة اشتباك مفتوحة.
الرسالة الصينية كانت مباشرة في مضمونها، حتى وإن جاءت بلغة دبلوماسية هادئة : إذا جرى تفكيك أسباب التصعيد في هرمز ، فإن بكين لن تتأخر عن دعم أي جهد دولي يعيد الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل اندلاع المواجهة ، لأن استقرار هذا الشريان البحري ليس مسألة إقليمية تخص أطراف النزاع فحسب ، بل قضية تمس الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة وسلاسل الإمداد التي تعتمد عليها الصين بقدر اعتماد غيرها.
في المقابل ، أظهر الرئيس دونالد ترامب خلال وجوده في بكين قدراً من التجاوب مع هذا الطرح، بل ذهب إلى الإشادة بما سمعه من القيادة الصينية حول الاستعداد للتعاون في ملف هرمز وغيره من الملفات الدولية ذات التأثير المشترك. بدا المشهد وكأن هناك أرضية تفاهم تتشكل حول مبدأ واضح : خفض الوجود العسكري أولاً، وخلق مناخ يسمح بالحلول السياسية لاحقاً ، وهو منطق يتسق مع القراءة الصينية للأزمات الدولية التي ترى أن عسكرة الممرات الحيوية تقود دائماً إلى نتائج عكسية. غير أن هذا الانطباع لم يلبث أن تعرض للاهتزاز السريع ، إذ ما إن غادر ترامب الأجواء الصينية حتى عادت نبرة التهديد في تصريحاته ، معلناً أنه لن يصبر طويلاً على إيران، في إشارة فسّرها كثيرون على أنها إبقاء اليد على الزناد واستعداد لاستئناف المواجهة إذا تعثر المسار التفاوضي.
هذا التحول السريع من لغة التهدئة إلى لغة التلويح بالقوة لم يكن مجرد تناقض لفظي عابر ، بل حمل دلالات استراتيجية عميقة انعكست فوراً على الأسواق، فعادت أسعار النفط إلى الارتفاع انطلاقاً من افتراض أن احتمالات الحرب باتت أقرب من احتمالات التهدئة. فإغلاق مضيق هرمز، أو حتى تعريضه لمخاطر عسكرية كبيرة ، يعني عملياً وضع جزء ضخم من صادرات الطاقة العالمية تحت تهديد مباشر، وهو ما يفسر الحساسية المفرطة للأسواق تجاه أي إشارة تصعيدية في هذا الملف.
وفي حال اندلاع مواجهة واسعة ، فإن الرد الإيراني المتوقع لن يقتصر على الساحة البحرية الضيقة، بل قد يمتد في دوائر أوسع تطال البنية النفطية في الخليج، بما يخرج دولاً بأكملها من معادلة الإنتاج لفترة قد تطول، ويضع العالم أمام أزمة طاقة مركبة لا يمكن احتواؤها بسهولة.
من هنا يبرز السؤال الجوهري : إذا كان الخيار العسكري مطروحاً فعلاً في حسابات واشنطن ، فلماذا كان مضيق هرمز حاضراً بقوة على طاولة مباحثات بكين؟ ولماذا بدا أن هناك قبولاً أميركياً مؤقتاً بالرؤية الصينية التي تربط الحل بإزالة مظاهر الحشد العسكري من محيط المضيق، قبل أن يتم تجاهل هذا المنطق بالكامل بعد العودة إلى واشنطن؟
الاحتمالات متعددة ؛ فقد يكون الأمر انعكاساً لطبيعة شخصية سياسية تميل إلى التبدل السريع في المواقف تبعاً للظروف والضغوط ، وقد يكون جزءاً من تكتيك تفاوضي يقوم على إرباك الخصوم عبر إرسال رسائل متناقضة ، أو ربما نتيجة تأثيرات وضغوط حلفاء إقليميين يدفعون باتجاه تشديد القبضة على إيران وعدم منحها متنفساً سياسياً. أياً كان التفسير، فإن النتيجة واحدة: صورة ضبابية تزيد من منسوب القلق الدولي وتُبقي الممر البحري الأهم في العالم رهينة احتمالات مفتوحة على كل السيناريوهات.
في جوهر المسألة، يتضح أن حل أزمة مضيق هرمز لا يرتبط بحجم المساعدة التي يمكن أن تقدمها الصين أو غيرها من القوى الدولية، بقدر ما يرتبط بطبيعة العلاقة بين واشنطن وطهران نفسها. فالمضيق ليس سوى عرضٍ لأزمة أعمق؛ وإذا لم يُبن مسار حقيقي لخفض التوتر بين الطرفين ، فإن أي ترتيبات أمنية مؤقتة ستظل هشة وقابلة للانهيار عند أول اختبار. لذلك يبدو أن استقرار هرمز يمر حتماً عبر بوابة تسوية أوسع مع إيران ، لا عبر زيادة السفن الحربية حوله ولا عبر بيانات التهديد المتبادلة ، لأن عسكرة الممر لن تنتج سوى مزيد من الانسداد ، بينما وحده المسار السياسي قادر على إعادة الثقة اللازمة لعودة الملاحة إلى طبيعتها.
وفي ظل هذه الأجواء المشحونة، تبقى المؤشرات مقلقة والتوقعات صعبة والرؤية شديدة الضبابية ، إذ يقف العالم أمام مفترق طرق يتحدد فيه مصير أحد أهم الشرايين البحرية وفق قرارات قد تصدر في لحظة توتر أو حسابات خاطئة. وبين خطاب التهدئة في بكين وتصريحات التصعيد في طريق العودة، يظل السؤال مفتوحاً حول المدى الذي يمكن أن يظل فيه المضيق مغلقاً ، وحول الثمن الذي قد يدفعه الجميع إذا تحولت التهديدات إلى أفعال في منطقة لا تحتمل مزيداً من الاشتعال.



