عسكرة الكابلات : كيف توظف إيران الجغرافيا الرقمية في معادلة الردع الدولي؟

✍️ يوحنا عزمي
في تطور لافت يحمل دلالات تتجاوز ظاهره التقني ، لوحت إيران بإمكانية فرض رسوم على مرور بيانات الإنترنت عبر الكابلات البحرية التي تعبر نطاقها الحيوي في مضيق هرمز. هذا التلويح لا يُقرأ بوصفه إجراءً تنظيمياً أو اقتصادياً بحتاً ، بل كإشارة سياسية محسوبة التوقيت والرسالة، جاءت متزامنة مع تصاعد نبرة التهديد من جانب كل من الولايات المتحدة وإسرائيل بشأن استئناف الضغط العسكري على طهران.
الخطاب هنا لا ينتمي إلى منطق “الرد بالمثل” في صورته التقليدية، فلا صواريخ في مواجهة صواريخ ، بل أدوات ردع من طبيعة مختلفة تماماً. إيران تعيد تعريف ساحة الاشتباك ، وتنقلها من المجال العسكري المباشر إلى فضاء البنية التحتية الرقمية العالمية، حيث تمر نسبة معتبرة من حركة البيانات الدولية عبر مسارات بحرية قريبة من مجالها الجغرافي. بهذا المعنى ، تتحول الجغرافيا السياسية إلى رافعة تأثير في الاقتصاد الرقمي العالمي ، ويصبح التحكم في عقدة العبور التقنية ورقة ضغط ذات كلفة مرتفعة على الخصوم وحلفائهم معاً.
الرسالة الضمنية واضحة : من يمتلك القدرة على فرض رسوم تنظيمية على كابلات الاتصالات ، يمتلك – نظرياً على الأقل – القدرة على تعطيلها في لحظة تصعيد. وهنا تكمن قيمة التهديد، لا في تنفيذه ، بل في إبقائه كاحتمال قائم يرفع كلفة أي قرار عسكري ضد إيران إلى مستويات تتجاوز الحسابات التقليدية. فالمسألة لم تعد محصورة في خسائر ميدانية أو بشرية ، بل تمتد إلى اضطراب سلاسل البيانات ، وتأثيرات اقتصادية تطال شركات التكنولوجيا الكبرى ، والأسواق المالية ، وحركة التجارة العالمية المعتمدة على الاتصال اللحظي.
في هذا السياق ، يبدو التحرك الإيراني أقرب إلى محاولة مدروسة للحفاظ على توازن الردع مع الولايات المتحدة وإسرائيل ، ولكن بأدوات غير تقليدية. إنها مقاربة تقوم على “عسكرة” البنية التحتية التكنولوجية دون إطلاق رصاصة واحدة ، وتحويل مسارات الإنترنت إلى عنصر في معادلة القوة. لذلك لم يكن من قبيل المصادفة أن يتضمن التهديد إشارات إلى شركات عملاقة مثل Google وMicrosoft وAmazon، وكأن الرسالة تتجاوز الحكومات إلى الفاعلين الاقتصاديين الذين يشكلون عماد الاقتصاد الرقمي الغربي.
الأكثر دلالة هو الصمت الصيني إزاء هذه التصريحات. هذا الصمت، في لحظة سياسية حساسة ، يمكن قراءته كامتناع متعمد عن نزع الغطاء المعنوي عن الخطوة الإيرانية ، بما ينسجم مع نمط صيني معروف في إدارة الصراعات الكبرى: دعم غير مباشر يحافظ على مسافة رسمية. ومع الحضور الروسي المتزايد في المشهد الدولي بقيادة بوتين ، تتضح صورة أوسع لا تختزل التوتر في مواجهة إيرانية –إسرائيلية أو إيرانية – أمريكية ، بل تضعه ضمن تنافس القوى الكبرى على إعادة رسم قواعد الاشتباك العالمي.
بهذا المعنى ، لا تبدو إيران طرفاً وحيداً في معادلة الصراع، بل ساحة تتقاطع عندها مصالح واستراتيجيات ثلاث قوى كبرى: الولايات المتحدة ، الصين ، وروسيا. وكلما بقي توازن الردع قائماً بين هذه القوى عبر أدوات مباشرة وغير مباشرة ، ظل الانزلاق إلى مواجهة شاملة مؤجلاً. أما إذا اختل هذا التوازن، فإن مساحات المناورة تضيق ، وتصبح احتمالات التصعيد أكثر واقعية.
ما تكشفه هذه الواقعة هو أن مفهوم الردع في القرن الحادي والعشرين لم يعد مقصوراً على الصواريخ والطائرات وحاملات الطائرات، بل امتد إلى الكابلات البحرية، ومراكز البيانات، وشبكات الاتصال. الجغرافيا لم تفقد أهميتها، لكنها اندمجت مع التكنولوجيا لتنتج شكلاً جديداً من القوة : القدرة على التأثير في البنية التحتية التي يقوم عليها العالم الرقمي.
وفي هذه المنطقة الرمادية بين الاقتصاد والتقنية والسياسة، تحاول إيران أن ترفع كلفة أي مواجهة محتملة إلى مستوى يتجاوز حسابات السلاح التقليدي ، وتبعث برسالة مفادها أن مسرح الصراع لم يعد كما كان.



