هل أصبحت أوكرانيا لاعباً خفياً في صراعات الشرق الأوسط؟

✍️ بقلم : يوحنا عزمي
إذا كنت تعتقد أن الحرب الدائرة بين روسيا وأوكرانيا ما زالت محصورة داخل حدود أوروبا الشرقية، فقد تكون التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط كافية لإجبارك على إعادة النظر في هذه الفكرة بالكامل. فالمشهد لم يعد يتكون من صراعات منفصلة، بل من شبكة معقدة من المصالح والتحالفات والرسائل العسكرية والاستخباراتية، بحيث أصبح من الصعب الفصل بين ما يجري في كييف وما يحدث في الخليج أو العراق أو حتى البحر الأحمر.
خلال الأيام الماضية تعرضت منشآت نفطية داخل السعودية، إلى جانب أهداف في العراق، لهجمات بواسطة طائرات مسيرة، وهو ما فتح الباب أمام موجة واسعة من التكهنات حول الجهة التي تقف وراء هذه العمليات. وكما يحدث عادة في مثل هذه الملفات، اتجهت أصابع الاتهام سريعًا نحو الفصائل المسلحة المرتبطة بمحور إيران، باعتبارها الطرف الأكثر ترجيحاً في نظر كثير من المراقبين. لكن بعد ذلك بدأت تظهر رواية مختلفة تماماً، أكثر تعقيدًا وإثارة للجدل.
وفقًا لما أعلنه مستشار الأمن القومي العراقي، فإن السلطات العراقية ألقت القبض على خلية استخباراتية يُقال إنها تعمل لصالح أوكرانيا، وإن التحقيقات الأولية تضمنت اعترافات تتعلق بتنفيذ هجمات بهدف توجيه الاتهام إلى فصائل عراقية محلية. وإذا ثبتت هذه الرواية بالأدلة القضائية والاستخباراتية، فإننا لن نكون أمام حادث أمني عابر، بل أمام تحول بالغ الخطورة في طبيعة الصراع الدولي، لأن مفهوم “العمليات ذات العلم الزائف” سيصبح جزءًا من معادلة المواجهة الدائرة بين القوى الكبرى، وليس مجرد سيناريو نظري تتحدث عنه كتب الاستخبارات.
هنا تحديدًا تبدأ الصورة في الاتساع. فالسؤال لم يعد: من أطلق الطائرة المسيّرة؟ بل أصبح: من المستفيد من إشعال أكثر من جبهة في الوقت نفسه؟ وهل يمكن أن تكون بعض العمليات العسكرية جزءًا من لعبة أكبر هدفها إعادة رسم خريطة التحالفات وإجبار دول المنطقة على الانخراط في صدامات تخدم حسابات دولية أوسع؟
من يتابع تطور القدرات العسكرية الأوكرانية خلال الأشهر الأخيرة يلاحظ أنها انتقلت من مرحلة الدفاع إلى تنفيذ ضربات بعيدة المدى داخل العمق الروسي، مستهدفة منشآت حساسة وبنية تحتية استراتيجية. هذا التطور لا يمكن فصله عن الدعم العسكري والاستخباراتي الغربي الضخم الذي تلقته كييف، لكنه في الوقت نفسه يفتح الباب أمام تساؤلات عديدة حول طبيعة الأدوار الجديدة التي قد تؤديها أوكرانيا خارج ساحة القتال التقليدية، خاصة في ظل تصاعد المواجهة غير المباشرة بين الغرب من جهة وروسيا وإيران من جهة أخرى.
ومن هذا المنطلق، يرى بعض المحللين أن أوكرانيا قد تكون معنية بتوسيع نطاق الضغط على خصومها، ليس فقط عبر استهداف روسيا، وإنما أيضاً عبر إرباك الحلفاء الذين يقدمون لها الدعم العسكري والسياسي، وعلى رأسهم إيران التي اتهمتها كييف مراراً بتزويد موسكو بطائرات “شاهد” المسيّرة. وفي المقابل، يرى آخرون أن هذه القراءة تحتاج إلى أدلة أكثر صلابة، وأن الربط بين مختلف الجبهات لا يكفي وحده لإثبات وجود تنسيق عملياتي مباشر.
الأمر اللافت أن التوتر بين كييف وطهران لم يعد يقتصر على التصريحات السياسية. فقد شهدت الفترة الأخيرة تصعيداً متبادلًا، وتحدثت تقارير عن استهداف سفن مرتبطة بإيران في بحر قزوين، وهو ما زاد من حدة التوتر بين الطرفين، ودفع مسؤولين إيرانيين إلى اتهام القيادة الأوكرانية بالتحرك بما يخدم المصالح الإسرائيلية والغربية. وبغض النظر عن دقة هذه الاتهامات، فإن مجرد تبادلها يعكس حجم التشابك الذي وصلت إليه الأزمة.
وعندما ننظر إلى المشهد من زاوية أوسع، نجد أن العالم لم يعد يعيش حروبًا منفصلة، بل حرباً واحدة ذات جبهات متعددة. روسيا تواجه أوكرانيا في أوروبا، وإيران تواجه ضغوطاً متزايدة في الشرق الأوسط، وإسرائيل تخوض صراعًا مفتوحاً مع خصومها الإقليميين، والولايات المتحدة تسعى إلى الحفاظ على شبكة تحالفاتها، بينما تدخل قوى أخرى مثل كوريا الشمالية والصين بدرجات متفاوتة في معادلات الصراع. كل ذلك يحدث بالتوازي مع استمرار التوتر في البحر الأحمر وباب المندب والخليج، وهي مناطق تمثل شرايين رئيسية للاقتصاد العالمي.
لذلك، فإن قراءة أي حدث بمعزل عن بقية الأحداث قد تؤدي إلى استنتاجات ناقصة. فما يبدو في ظاهره هجومًا محليًا قد يكون، في حال ثبوت ارتباطاته، جزءًا من مواجهة دولية أوسع، وما يبدو خلافاً إقليمياً قد يتحول إلى ورقة ضغط في صراع عالمي تتداخل فيه المصالح العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية.
في النهاية، لا يزال كثير من التفاصيل بحاجة إلى تحقيقات مستقلة وأدلة يمكن التحقق منها، لكن المؤكد أن الشرق الأوسط لم يعد مجرد ساحة لصراعاته التقليدية، بل أصبح نقطة التقاء لمعارك النفوذ بين القوى الكبرى. وإذا استمر هذا التشابك في الاتساع، فقد نجد أنفسنا أمام مرحلة جديدة من النظام الدولي، تتراجع فيها الحدود الفاصلة بين الحروب الإقليمية والصراعات العالمية، ويصبح أي حادث أمني في المنطقة قادراً على إشعال سلسلة من التفاعلات تمتد آثارها من الخليج إلى أوروبا، ومن البحر الأحمر إلى قلب موسكو.



