مقالات

بين عبث التصريحات وخطر التصعيد .. حرب أمريكا وإيران تدخل أخطر مراحلها

✍️ يوحنا عزمي

السياسة وعبث التصريحات الإخبارية .. ربما تكون هذه الجملة  هي الوصف الأدق لما نراه الآن في التغطية الإعلامية اليومية للصراع بين الولايات المتحدة وإيران. تصريحات متلاحقة، ومواقف متضاربة ، وتقييمات متناقضة من خبراء ومحللين ومتابعين ، لدرجة أن المشهد لم يعد يسمح لك بأن تبني قناعة نهائية على تصريح واحد أو رواية واحدة ، لأن كل طرف يقدم روايته باعتبارها الحقيقة الكاملة ، بينما تأتي الرواية المقابلة بعد دقائق لتنسف جزءًا كبيراً منها.

وفي مثل هذه الحروب ، لا تصبح المشكلة الحقيقية في كثرة التصريحات أو تناقضها ، وإنما في أن المتابع يجد نفسه أمام سؤال واحد لا يستطيع أحد حتى الآن أن يقدم له إجابة حاسمة : من يملك بالفعل زمام المبادرة على الأرض؟ ومن يستطيع فرض إرادته على الطرف الآخر؟

منذ يومين خرج دونالد ترامب بثقة شديدة ليعلن أن مضيق هرمز أصبح منطقة أمريكية، وأن المضيق بات تحت السيطرة الأمريكية. تصريح بهذا الحجم لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد جملة سياسية عابرة ، لأن مضيق هرمز ليس ممراً بحرياً عادياً، بل واحد من أهم شرايين الطاقة والتجارة في العالم ، وأي حديث عن السيطرة عليه يعني عمليًا الحديث عن امتلاك ورقة ضغط استراتيجية هائلة على إيران وعلى الاقتصاد العالمي في الوقت نفسه.

لكن بعد ذلك تأتي القيادة المركزية الأمريكية لتعلن أنها نفذت ما وصفته بأنه إجراء محدود ودقيق ضد قوات تابعة للحرس الثوري الإيراني ، بعدما كانت تلك القوات تقوم بزرع ألغام وتشكل تهديداً وشيكاً في مضيق هرمز.

وهنا يظهر التناقض الذي يلفت النظر.

إذا كان المضيق تحت السيطرة الأمريكية الكاملة ، فكيف تمكنت قوات إيرانية من الوصول إلى منطقة حساسة داخله ، والتحرك لزرع ألغام ، بما يعني ضمنيًا أن هناك قدرة إيرانية على العمل داخل مساحة يفترض أنها أصبحت خاضعة للسيطرة الأمريكية؟

يمكن بالطبع تفسير الأمر عسكرياً بأن السيطرة لا تعني بالضرورة منع كل حركة للخصم، وأن الحرب البحرية الحديثة لا تُدار بهذه البساطة. لكن سياسياً وإعلامياً ، يظل السؤال قائماً: هل نحن أمام سيطرة كاملة كما قيل ، أم أمام محاولة لإظهار السيطرة باعتبارها أمراً واقعاً بينما لا تزال إيران قادرة على العمل وإحداث تهديدات داخل هذه المنطقة؟

والأمر نفسه يتكرر على الجانب الإيراني.

الحرس الثوري الإيراني يقول إنه هاجم قاعدتين أمريكيتين في الأردن ، رداً على ما وصفه بالعدوان الأمريكي الإسرائيلي على جزيرة لارك، ويتحدث عن تدمير بنى تحتية ومواقع تمركز مقاتلات تابعة للعدو في قاعدتي الملك حسين والأزرق الجويتين.

ثم، في الوقت نفسه تقريباً، تظهر رواية أمريكية عبر فوكس نيوز تتحدث عن اعتراض القوات الأمريكية عدداً كبيراً من الصواريخ الإيرانية في الأجواء الأردنية.

وهنا نعود مرة أخرى إلى المربع نفسه : إيران تقول إنها ضربت ودمرت، والولايات المتحدة تقول إنها اعترضت ودافعت واحتوت الهجوم.

لكن ربما تكون الحقيقة الأكثر أهمية وسط هذا الضجيج الإعلامي كله أن أياً من الطرفين لم يتمكن حتى الآن من تحقيق الحسم المنفرد الذي يسمح له بإنهاء الحرب وفق شروطه الخاصة.

وهنا تحديداً يجب أن نخرج من متابعة التصريحات باعتبارها أخبارًا منفصلة ، وأن ننظر إلى الصورة الأكبر.

الخطر الأول أن العزلة الاقتصادية والعقوبات الأمريكية المفروضة على إيران ، رغم تأثيرها الاقتصادي الكبير ، لم تتحول حتى الآن إلى عجز عسكري واضح يمنع القيادة الإيرانية ، وخصوصاً الحرس الثوري ، من التفكير في تنفيذ عمليات هجومية وتهديد المصالح والقواعد الأمريكية في المنطقة.

وهذه نقطة شديدة الأهمية.

لأن العقوبات الاقتصادية يمكن أن تضعف الاقتصاد، وتضغط على العملة، وتقلل الموارد، وتؤثر في قدرة الدولة على الإنفاق، لكنها لا تعني بالضرورة أن القدرات العسكرية والاستراتيجية تنهار بالسرعة نفسها. وفي حالة إيران تحديداً ، هناك خبرة طويلة في العمل تحت العقوبات ، إلى جانب تطوير منظومات صاروخية وطائرات مسيرة وقدرات غير متماثلة تسمح لطهران بإحداث تكلفة مرتفعة على خصومها حتى في ظل فارق القوة العسكرية التقليدية.

كما أن الحديث عن الدور الروسي والصيني يجب أن يُقرأ بحذر شديد ، فلا يعني بالضرورة أن موسكو أو بكين ستدخلان حرباً مباشرة إلى جانب إيران ، لكن استمرار العلاقات العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية بين هذه الأطراف يمكن أن يمنح طهران مساحات إضافية للمناورة ويصعب مهمة واشنطن في تحويل الضغط الاقتصادي إلى انهيار سريع للقدرة الإيرانية على المواجهة.

أما الخطر الثاني ، وربما الأخطر سياسياً ، فهو ما صدر عن ترامب قبل دقائق من حديثه عن أن الولايات المتحدة ، بمجرد الانتصار في الحرب ، ستكون لديها سيطرة شبه كاملة على مضيق هرمز.

هذا التصريح تحديداً لا يبدو مجرد توصيف للوضع الحالي، وإنما يحمل في داخله تصوراً لما بعد الحرب.

فحين يتحدث رئيس أمريكي عن “السيطرة شبه الكاملة” على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم باعتبارها نتيجة متوقعة للانتصار، فإن السؤال يصبح: ما طبيعة المرحلة التي يريد الوصول إليها قبل إعلان هذا الانتصار؟

وهل الهدف هو إجبار إيران على تقديم تنازلات محددة، أم إعادة تشكيل ميزان القوى في الخليج، أم أن سقف الأهداف ارتفع بالفعل إلى محاولة تغيير النظام الإيراني نفسه؟

الأمر يصبح أكثر حساسية مع التصريح الآخر الذي قال فيه ترامب: “لا يمكننا الاستمرار في دعم من لا يقف معنا”.

هذه الجملة تحديداً تحتاج إلى قراءة سياسية وليس مجرد قراءة إخبارية.

من يقصد ترامب؟

هل يتحدث عن دول بعينها في المنطقة؟ هل الرسالة موجهة إلى شركاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط؟ هل المقصود دول مثل عُمان أو مصر أو تركيا؟ أم أن المقصود بصورة أوسع هو الحلفاء الأوروبيون ودول حلف شمال الأطلسي؟

لا يمكن الجزم من الجملة وحدها، لكن إذا كان المقصود هو توسيع دائرة المشاركة السياسية والاقتصادية والعسكرية في الحرب، فهذه مسألة مختلفة تماماً عن مجرد استمرار مواجهة أمريكية إيرانية.

فالولايات المتحدة تستطيع خوض عمليات عسكرية واسعة بمفردها من الناحية التقنية والعسكرية، لكن المشكلة ليست دائماً في القدرة على إطلاق الصواريخ أو تنفيذ الضربات ، وإنما في تكلفة الحرب ومدة استمرارها وما ستتركه من تداعيات على الطاقة والتجارة والاقتصاد العالمي والأمن الإقليمي.

ومن هنا يصبح تقسيم فاتورة الحرب على مجموعة أكبر من الحلفاء أمراً منطقياً من منظور واشنطن ، سواء عبر المشاركة العسكرية المباشرة، أو الدعم اللوجستي والاستخباراتي، أو تحمل جزء من التكلفة الاقتصادية والسياسية.

لكن المفارقة أن توسيع دائرة الأطراف المشاركة قد يؤدي إلى النتيجة العكسية تماماً : إطالة الحرب بدلًا من إنهائها.

لأن دخول أطراف أكثر إلى المعادلة يعني مصالح أكثر، وحسابات أكثر، وخطوطاً حمراء أكثر ، وبالتالي صعوبة أكبر في الوصول إلى تسوية سريعة.

وفي المقابل ، لا يمكن تجاهل روسيا والصين.

ليس لأن موسكو وبكين بالضرورة ستدخلان الحرب مباشرة دفاعاً عن إيران ، فهذا استنتاج أكبر من الأدلة المتاحة ، وإنما لأن انهيار إيران الكامل اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً سيعيد رسم خريطة النفوذ في الشرق الأوسط بصورة عميقة، وهو أمر لا يمكن أن تنظر إليه روسيا والصين باعتباره تطوراً عادياً.

الصين تحديداً لديها مصالح اقتصادية وطاقة وتجارية ضخمة في المنطقة ، كما أن موقفها من العقوبات الأمريكية على إيران يمثل أحد الاختبارات الحقيقية لمدى قدرة واشنطن على فرض نظام عقوبات عالمي عندما لا تكون القوى الكبرى الأخرى مستعدة للالتزام به بالكامل.

ومن هنا يمكن فهم أحد السيناريوهات الأكثر خطورة : إذا تعذر على الولايات المتحدة تحقيق الحسم العسكري المباشر ، فقد يتحول التركيز تدريجياً من استهداف القدرات العسكرية الإيرانية إلى استنزاف الاقتصاد الإيراني ، وتعظيم الضغوط الاجتماعية والسياسية الداخلية ، واستثمار حالة الغضب الشعبي والمعارضة للنظام بهدف إنتاج أزمة داخلية متراكمة.

وهذا السيناريو ، إذا حدث ، سيكون أخطر بكثير من مجرد حرب صواريخ وطائرات.

لأن الحرب الخارجية لها جبهة يمكن تحديدها، أما الفوضى الداخلية فليس لها جبهة واضحة.

وعندما نتحدث عن دولة بحجم إيران وعدد سكان يقارب 93 مليون نسمة، فإن أي انهيار داخلي واسع لن يبقى بالضرورة داخل الحدود الإيرانية. موجات النزوح، واضطراب الطاقة، وإغلاق طرق التجارة، وارتفاع أسعار النفط، وتوتر دول الجوار، وتصاعد نشاط الجماعات المسلحة ، كلها تداعيات يمكن أن تنتقل إلى المنطقة بأكملها.

وهنا تصبح دول المنطقة ، شئنا أم أبينا ، جزءًا من معادلة الخطر حتى لو لم تكن طرفاً مباشراً في الحرب.

أما روسيا ، فحدود تحركها الحقيقي تظل واحدة من أكثر علامات الاستفهام غموضاً في المشهد الحالي. وهل ستكتفي بالدعم السياسي والتكنولوجي والاقتصادي؟ أم ستذهب إلى خطوات أكثر تأثيراً؟ وهل تستطيع الصين ممارسة ضغط اقتصادي مضاد على واشنطن دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة معها؟

هذه الأسئلة تحديداً هي التي تجعل أي اتصالات أمريكية روسية في هذه المرحلة محط اهتمام بالغ، ومنها الزيارة التي أشرت إليها في المقال رقم 107، والتي تظل تفاصيلها الكاملة مفتوحة على أكثر من تفسير ، خصوصاً إذا كانت مرتبطة بمحاولة فهم حدود التحرك الروسي أو منع انتقال الصراع إلى مستوى أخطر.

وقد يكون هناك سيناريو آخر لا يقل أهمية ، وهو محاولة بناء غطاء أو تبرير دولي لتصعيد أكبر إذا فشلت المسارات السياسية والاستخباراتية في تحقيق أهدافها.

وفي الحالتين نحن أمام صراع لا يتحرك فقط بالصواريخ والطائرات، وإنما يتحرك أيضًا عبر الرسائل السرية، والاتصالات، والضغوط الاقتصادية ، والحرب النفسية ، وإدارة الرأي العام، ومحاولات اختبار ردود فعل الخصم قبل اتخاذ الخطوة التالية.

وهذا هو جوهر المشكلة.

الحرب الحالية ليست مجرد مواجهة بين دولتين ، وإنما هي لعبة ردع وردع مضاد بين قوى كبرى ومصالح دولية وإقليمية متشابكة، لكن المأساة أن هذه اللعبة لا تجري في فراغ جغرافي بعيد عن منطقتنا ، وإنما تجري فوق أرضنا ، وفوق ممراتنا البحرية ، وبالقرب من قواعدنا ، وتمس أمننا الاقتصادي والسياسي بشكل مباشر.

والأكثر إزعاجاً أن هناك دائماً أطرافاً في المنطقة قد ترى في انهيار طرف أو فوضى دولة أخرى فرصة تاريخية لتحقيق مكاسبها الخاصة ، ولذلك فإن كلما ارتفع مستوى التصعيد ، يجب ألا ننظر فقط إلى من يطلق النار ومن يرد ، بل نسأل أيضاً : من الذي يمكن أن يربح من استمرار النار؟

ففي السياسة الدولية ، ليس بالضرورة أن يكون المستفيد هو من ينتصر في المعركة، أحياناً يكون المستفيد الحقيقي هو من ينجح في إطالة المعركة حتى ينهك جميع الأطراف ثم يدخل إلى الطاولة ليحصد ما تبقى.

ولهذا، فإن العبث الحقيقي في المشهد ليس فقط في تضارب التصريحات الأمريكية والإيرانية، وإنما في أن بعض التصريحات قد تكون جزءًا من الحرب نفسها؛ رسالة للخصم، وطمأنة للحلفاء، وضغط على الأسواق، ومحاولة للتأثير على الرأي العام، وربما تمهيد نفسي لقرارات أكبر.

وبالتالي ، لا ينبغي أن ننشغل كثيراً بسؤال : من قال الحقيقة في التصريح الأخير؟

السؤال الأهم هو : إلى أين يتجه المسار كله؟

هل نحن أمام حرب محدودة هدفها فرض شروط تفاوضية جديدة؟ أم أمام عملية استنزاف طويلة؟ أم أمام محاولة لتغيير النظام الإيراني؟ وهل تستطيع الولايات المتحدة تحقيق أهدافها دون الدخول في مستنقع إقليمي طويل؟ وهل تستطيع إيران الاستمرار في المواجهة دون أن يتحول الضغط الاقتصادي إلى أزمة داخلية؟ والأهم من كل ذلك: كيف ستتصرف روسيا والصين إذا اقتربت الأمور من نقطة تهدد مصالحهما الاستراتيجية بصورة مباشرة؟

حتى الآن ، لا توجد إجابات قاطعة.

وهذا تحديداً ما يجعل المشهد مقلقاً.

لأن أخطر الحروب ليست بالضرورة تلك التي نعرف كيف بدأت، وإنما تلك التي لا نعرف أين يمكن أن تتوقف.

ربنا يستر.. لأن ما يبدو في الإعلام مجرد تناقض في التصريحات، قد يكون في الحقيقة انعكاساً لصراع أكبر بكثير ما زالت أطرافه تختبر حدود بعضها البعض، بينما المنطقة كلها تقف في المنتصف وتنتظر معرفة من سينتصر، ومن سيدفع الفاتورة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى