خطة الملالي لتدمير الخليج والاستيلاء علي الكعبة


يوحنا عزمي يكتب :
منذ اندلاع موجات التصعيد المتلاحقة في الشرق الأوسط، لم تعد منطقة الخليج تُقرأ فقط باعتبارها مساحة جغرافية تضم أكبر مراكز إنتاج وتصدير الطاقة ، وإنما باعتبارها عقدة استراتيجية تتقاطع عندها خطوط النفط والغاز والتجارة البحرية والأمن الإقليمي والدولي. ومن هنا يمكن فهم الحديث المتداول عن وجود «خطة لتدمير الخليج والاستيلاء على الكعبة» باعتباره طرحاً سياسياً يحتاج إلى تفكيك وتمييز بين ما تثبته الوقائع على الأرض وبين الاستنتاجات التي تُبنى عليها ، فالمؤكد حتى الآن هو أن المنطقة تتعرض لضغوط أمنية واقتصادية متزايدة، وليس هناك في المصادر الموثوقة التي راجعتها دليل منشور يثبت وجود خطة معلنة للاستيلاء على مكة أو السيطرة على الكعبة.
الخطر الحقيقي الذي يستحق التوقف عنده يتمثل في استهداف البنية التحتية التي تجعل الخليج مركزاً حيوياً للاقتصاد العالمي.
فقد تعرضت منشآت وخطوط نقل الطاقة السعودية خلال سبتمبر 2026 لهجمات أدت إلى تعطيل خط أنابيب الشرق–الغرب، وهو خط يمتد لنحو 1,200 كيلومتر وكان ينقل ملايين البراميل يومياً الأمر الذي أعاد جزءًا أكبر من حركة النفط إلى المسارات البحرية المرتبطة بمضيق هرمز.
وهنا تظهر المسألة الأوسع: عندما تُضرب منشأة نفطية أو ميناء أو خط أنابيب في الخليج ، فإن التأثير لا يتوقف عند حدود الدولة التي تعرضت للهجوم ، لأن الطاقة الخليجية مرتبطة بسوق عالمي شديد الحساسية. وقد قدرت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن السعودية والكويت والإمارات وقطر والبحرين والعراق شهدت خلال موجة اضطرابات سابقة في 2026 خفضاً أو إيقافاً لإنتاج ملايين البراميل يوميًا نتيجة اضطرابات حركة الملاحة في مضيق هرمز. وفي سبتمبر ، انعكست المخاطر مرة أخرى على حركة الناقلات وتكاليف الشحن، مع تراجع كبير في عدد السفن العابرة للمضيق مقارنة بالمستويات المعتادة.
والأكثر خطورة أن الضغط لا يأتي من اتجاه واحد، فهناك مضيق هرمز من الشرق، وباب المندب والبحر الأحمر من الجنوب والغرب، ومنشآت الطاقة وخطوط الأنابيب داخل دول الخليج في المنتصف. وعندما تتعرض هذه الممرات والمنشآت للاضطراب في الوقت نفسه ، فإن المنطقة تتحول من مجرد ساحة للصراع العسكري إلى ساحة للصراع على «قدرة الحركة» نفسها: من يستطيع تصدير النفط؟ ومن يستطيع حماية طرق التجارة؟ ومن يمتلك البدائل عندما تتعطل الممرات التقليدية؟
ولهذا فإن الحديث عن «تدمير الخليج» يمكن قراءته بصورة أكثر واقعية باعتباره تحذيراً من سيناريو استنزاف طويل للبنية الاقتصادية والأمنية لدول المنطقة، وليس بالضرورة مشروعاً واحداً مكتوباً في وثيقة سرية. فالحروب الحديثة لا تحتاج دائماً إلى احتلال مباشر للعواصم ، أحياناً يكون تعطيل الطاقة والموانئ والممرات البحرية وسلاسل الإمداد كافياً لإحداث آثار اقتصادية وسياسية عميقة، خصوصاً عندما تتزامن الضربات العسكرية مع ارتفاع تكاليف التأمين والنقل والطاقة.
أما الربط بين هذه التطورات وبين «الاستيلاء على الكعبة»، فهو يحتاج إلى قدر أكبر من الحذر الصحفي ، فمكة ليست منشأة استراتيجية يمكن التعامل معها بمنطق السيطرة على حقل نفطي أو ميناء ، بل هي أقدس المواقع الإسلامية ، وأمنها يخضع لمنظومة أمنية وإدارية واسعة. وخلال موسم حج 1447هـ أعلنت السلطات السعودية إجراءات أمنية وتنظيمية واسعة لتأمين مكة والمشاعر وإدارة حركة ملايين الحجاج، بما في ذلك أنظمة تصاريح الدخول ومراكز العمليات الأمنية وخطط إدارة الحشود.
لكن أهمية مكة في الحسابات الإقليمية لا يمكن فصلها عن حقيقة أخرى: أي تهديد مباشر للأماكن المقدسة لن يكون مجرد تطور أمني عادي ، بل سيكون له تأثير ديني وسياسي يتجاوز حدود السعودية والخليج والمنطقة بأكملها. ولذلك فإن استقرار مكة والمدينة يمثل أحد العناصر شديدة الحساسية في منظومة الأمن الإقليمي، وهو ما يفسر حجم الإجراءات الأمنية والوقائية التي تُتخذ حول الحرمين خلال مواسم العمرة والحج.
المشهد الأوسع إذن لا يحتاج إلى نظريات مبالغ فيها حتى ندرك خطورته، فالوقائع الموجودة بالفعل تكفي لإظهار أن الخليج يواجه بيئة استراتيجية شديدة التعقيد، تتداخل فيها الحرب على إيران، والتوتر في اليمن، واضطرابات البحر الأحمر، ومخاطر مضيق هرمز، واستهداف منشآت الطاقة ، والتنافس الدولي على أمن إمدادات النفط والغاز. وقد دفعت هذه التطورات شركات ودولًا إلى البحث عن طرق بديلة لنقل الخام، بما في ذلك عمليات النقل من سفينة إلى سفينة بالقرب من سلطنة عُمان ، في مؤشر على ارتفاع تكلفة الحفاظ على تدفق الطاقة في ظل الاضطرابات الحالية.
ومن هنا فإن السؤال الأكثر أهمية ليس: «هل توجد خطة سرية للاستيلاء على الكعبة؟» وإنما: إلى أي مدى يمكن أن يؤدي استمرار ضربات الطاقة والممرات البحرية إلى إعادة تشكيل الخريطة الاقتصادية والأمنية للخليج؟ وهل تستطيع دول المنطقة حماية بنيتها التحتية وممراتها البحرية دون الانجرار إلى حرب إقليمية مفتوحة؟ وهل تتحول الطاقة، التي كانت لعقود مصدر قوة ونفوذ، إلى نقطة ضغط استراتيجية إذا أصبحت طرق تصديرها معرضة للاستهداف المستمر؟
الخليج اليوم يقف أمام معادلة شديدة الحساسية: كلما اتسعت دائرة الصراع حوله، ازدادت أهمية منشآته وممراته، وفي الوقت نفسه ازدادت قابليتها للتحول إلى أهداف في أي مواجهة واسعة. ولذلك فإن أخطر سيناريو ليس بالضرورة احتلال أرض أو السيطرة على مدينة، وإنما استمرار استنزاف المنطقة تدريجياً، بحيث تتضرر الطاقة والتجارة والاستثمار والأمن في وقت واحد ، وتتحول دول الخليج من مراكز قوة اقتصادية إلى أطراف منشغلة بإدارة أزمات متلاحقة. أما ما وراء ذلك من حديث عن مشروع للاستيلاء على الكعبة، فيظل حتى الآن ادعاء يحتاج إلى أدلة مستقلة وموثوقة، ولا ينبغي أن يتحول إلى حقيقة صحفية لمجرد تداوله على نطاق واسع.



