أمريكا وباب المندب .. حين تتحول الممرات المائية إلى أدوات في صراع النظام الدولي

✍️ يوحنا عزمي
هناك لحظات في السياسة الدولية لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد أحداث منفصلة ، لأن خطورتها الحقيقية تكمن في ارتباطها ببعضها البعض. وما يحدث اليوم حول مضيقي هرمز وباب المندب، والحرب الممتدة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، والتوتر المتصاعد في البحر الأحمر، يتجاوز في دلالاته حدود الصراع الإقليمي التقليدي، ليصبح جزءاً من معركة أوسع على الطاقة والتجارة والممرات البحرية وشكل النظام الدولي خلال السنوات المقبلة.
ومن المهم هنا أن نفرق بين ما هو ثابت وموثق ، وبين ما يدخل في إطار التحليل السياسي أو فرضيات تفسير الأحداث.
فالثابت أن مضيق باب المندب يمثل إحدى أهم نقاط الاختناق البحرية في العالم، وأن أي تهديد حقيقي للملاحة عبره ينعكس مباشرة على حركة التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا. كما أن التطورات الأخيرة في اليمن أظهرت أن جماعة الحوثيين ، التي ترتبط بإيران سياسياً وعسكرياً وفق تقارير دولية متعددة، أصبحت قادرة على تحويل البحر الأحمر إلى ورقة ضغط استراتيجية. وقد أعلنت الجماعة بالفعل إجراءات تستهدف الملاحة المرتبطة بالسعودية، بينما توسع نفوذها على الساحل الغربي لليمن ومناطق قريبة من باب المندب.
وهنا تبدأ القضية في اكتساب أبعادها الدولية.
فإذا أصبح باب المندب غير آمن بصورة مستمرة، فإن السفن المتجهة بين آسيا وأوروبا ستضطر إلى البحث عن مسارات بديلة ، وهو ما يعني زيادة المسافة والتكلفة والوقت، فضلًا عن ارتفاع تكاليف التأمين والشحن. وهذه ليست مشكلة تخص دولة واحدة، بل تمتد آثارها إلى أوروبا وآسيا والدول العربية والاقتصاد العالمي بأكمله.
والأخطر أن أزمة باب المندب لا يمكن فصلها عن أزمة مضيق هرمز.
هرمز يتحكم في جزء بالغ الأهمية من حركة صادرات الطاقة من الخليج، بينما يمثل باب المندب البوابة الجنوبية للبحر الأحمر وقناة السويس. وإذا تعرض الممران في الوقت نفسه لاضطراب واسع، فإن العالم سيواجه أزمة مركبة في الطاقة والتجارة والنقل البحري.
وهنا تحديداً تظهر أهمية مصر.
فقناة السويس ليست مجرد ممر مائي مصري، وإنما إحدى أهم حلقات الاتصال بين الشرق والغرب، وأي انخفاض مستمر في حركة السفن العابرة للبحر الأحمر ينعكس على إيرادات القناة وعلى الاقتصاد المصري وعلى حركة التجارة العالمية في الوقت نفسه.
ولذلك فإن أمن باب المندب بالنسبة إلى مصر ليس قضية يمنية بعيدة، بل قضية أمن قومي واقتصادي مباشرة.
وما يزيد المشهد تعقيداً أن الصين نفسها أصبحت معنية بصورة مباشرة بتأمين هذا الطريق. وقد كشفت تقارير عن اتصالات صينية مباشرة مع الحوثيين بهدف ضمان مرور السفن الصينية في البحر الأحمر، في مؤشر واضح على أن بكين تنظر إلى أمن باب المندب باعتباره جزءاً من أمن تجارتها ومصالحها الاقتصادية.
وهنا نصل إلى البعد الأكبر للأزمة : الممرات البحرية أصبحت جزءًا من الصراع على النظام الاقتصادي العالمي.
فالعالم لم يعد يعيش فقط صراعاً عسكرياً بين دول وقوى إقليمية، بل يعيش أيضاً تنافساً على الطاقة ، وسلاسل الإمداد ، والموانئ ، والممرات التجارية، والعملات ، ومؤسسات التمويل ، ومراكز الإنتاج.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم الاهتمام المتزايد بمسارات بديلة لقناة السويس، وبخطوط الأنابيب ، وبالموانئ الجديدة ، وبالممرات البرية ، وبالتحالفات الاقتصادية التي تحاول تقليل الاعتماد على مسار واحد أو قوة واحدة.
وهنا يأتي دور مجموعة بريكس.
فبريكس ليست مجرد تجمع اقتصادي ، وإنما أصبحت منصة تحاول الدول الأعضاء من خلالها توسيع هامش استقلالها الاقتصادي والسياسي عن المنظومة الغربية. وقد أكدت قمة بريكس في نيودلهي في سبتمبر 2026 تعزيز التعاون السياسي والأمني والاقتصادي والمالي، مع التأكيد على نظام دولي أكثر تمثيلاً وتعددية.
لكن المشكلة أن أعضاء بريكس أنفسهم ليسوا كتلة سياسية متطابقة ، ولذلك فإن التعامل مع أزمة الشرق الأوسط لن يكون بالضرورة موحداً أو بسيطاً.
الصين لديها مصالح ضخمة في استقرار التجارة والطاقة.
روسيا تنظر إلى الصراع من زاوية تنافسها الاستراتيجي مع الغرب.
الهند تريد حماية تجارتها ومصالحها في الطاقة والممرات البحرية.
الدول العربية تريد تجنب حرب إقليمية شاملة تهدد أمنها واقتصاداتها.
أما إيران فتتعامل مع الصراع باعتباره جزءًا من مواجهة استراتيجية أوسع مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
ومن هنا تصبح المنطقة بأكملها أمام معادلة شديدة التعقيد : كل طرف يريد استخدام أوراق القوة دون أن يصل إلى النقطة التي تتحول فيها الأزمة إلى حرب شاملة لا يستطيع أحد السيطرة على نتائجها.
وهذه هي فلسفة حافة الهاوية في السياسة الدولية.
أن تدفع خصمك إلى أقصى نقطة ممكنة ، وأن ترفع تكلفة التراجع بالنسبة إليه، ولكن مع الحرص في الوقت نفسه على إبقاء باب العودة مفتوحاً.
ولهذا فإن السؤال الأهم ليس فقط : من يسيطر على باب المندب؟
بل السؤال الأعمق هو : من يستطيع استخدام باب المندب كورقة ضغط دون أن يدفع العالم كله إلى مواجهة أكبر؟
والولايات المتحدة ليست بمنأى عن آثار إغلاق الممرات البحرية، كما أن القول إنها المستفيد الوحيد من اضطرابها سيكون تبسيطاً شديداً للمشهد، لأن الاقتصاد الأمريكي نفسه جزء من الاقتصاد العالمي ، وأي صدمة كبيرة في الطاقة والنقل والتجارة تحمل تكاليف مباشرة وغير مباشرة على الولايات المتحدة أيضاً.
لكن في المقابل، تستطيع واشنطن الاستفادة سياسياً من امتلاك أدوات القوة البحرية والعسكرية والمالية، ومن حاجة دول كثيرة إلى المظلة الأمنية الأمريكية في أوقات الأزمات.
وهنا يجب النظر إلى الأمر من زاوية المصالح، لا من زاوية المؤامرة وحدها.
فالسياسة الدولية لا تُدار دائماً عبر غرف مغلقة ومخططات شاملة ، وإنما كثيرًا ما تتحرك عبر تفاعل المصالح ، وردود الأفعال ، وحسابات المخاطر ، والأخطاء، والفرص التي تظهر فجأة أثناء الأزمات.
وهذا لا يعني أن القوى الكبرى لا تخطط.
بل يعني أن التخطيط شيء، والقدرة على التحكم الكامل في النتائج شيء آخر تماماً.
ومن أخطر الأخطاء السياسية أن نفترض أن دولة كبرى تستطيع إشعال أزمة ثم التحكم في كل تفاصيلها حتى النهاية.
التاريخ الحديث مليء بأزمات بدأت بأهداف محدودة ثم خرجت عن السيطرة.
ولهذا فإن الخطر الحقيقي في الشرق الأوسط اليوم لا يكمن فقط في النوايا المعلنة للدول، وإنما في احتمال أن يؤدي تراكم الأزمات إلى سلسلة من ردود الفعل لا يستطيع أي طرف إيقافها في الوقت المناسب.
ومن هنا يجب أن تكون مصر شديدة الحذر.
مصر ليست طرفاً هامشياً في هذه المعادلة.
هي الدولة التي تملك قناة السويس، وتقع في قلب العالم العربي، وتشترك في الأمن البحري للبحر الأحمر، وتمتلك واحداً من أكبر الجيوش في المنطقة، وفي الوقت نفسه تواجه ضغوطاً اقتصادية واجتماعية تجعل الاستقرار الداخلي جزءًا أساسيًا من مفهوم الأمن القومي.
ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو انتقال الصراع الإقليمي إلى الداخل المصري.
وهنا لا أتحدث عن اللاجئين باعتبارهم كتلة متجانسة أو باعتبار أن وجودهم يعني تلقائياً تهديداً أمنياً ، فهذا تعميم لا يستند إلى قاعدة موضوعية. لكن من حق الدولة ، مثل أي دولة أخرى ، أن تمتلك منظومة دقيقة لتسجيل أوضاع الأجانب، ومتابعة المخاطر الأمنية الفردية، ومنع أي جهة خارجية من استغلال الأراضي المصرية في أعمال تهدد الأمن القومي.
وفي المقابل، فإن الجبهة الداخلية المصرية لا تُحمى فقط بالإجراءات الأمنية.
الجبهة الداخلية تُحمى بالثقة.
والثقة لا تُفرض بقرارات إدارية ، وإنما تُبنى بالشفافية ، والعدالة ، والاستماع إلى المواطنين ، وتفسير القرارات الصعبة ، وإظهار أن الدولة تشارك المجتمع أعباء المرحلة بدلاً من أن تطلب منه وحده تحملها.
والتاريخ المصري يقدم أمثلة واضحة على أهمية العلاقة بين الدولة والمجتمع في أوقات الأزمات.
فبعد هزيمة يونيو 1967، خرج الرئيس جمال عبد الناصر في 9 يونيو معلناً تحمله المسؤولية السياسية عن الهزيمة ، ثم شهدت مصر مرحلة إعادة بناء للقوات المسلحة وحرب الاستنزاف التي مهدت الطريق إلى حرب أكتوبر.
المغزى هنا ليس المقارنة بين عصرين مختلفين ، وإنما التأكيد على قاعدة سياسية ثابتة : كلما شعر المواطن بأن الدولة صادقة معه وتحترم وعيه ، ازدادت قدرته على تحمل الأعباء.
أما عندما يشعر المواطن بأن القرارات تُتخذ بعيداً عنه، أو أن صوته لا يُسمع، فإن الفجوة تتسع حتى لو كانت الدولة تمتلك أدوات القوة كافة.
ولهذا فإن العدالة الاجتماعية ليست مجرد شعار اقتصادي، وإنما عنصر من عناصر الأمن القومي.
كلما اتسعت الفجوة بين طبقات المجتمع، ازدادت احتمالات الاحتقان، وكلما شعر المواطن بأن الفرص والثروة والنفوذ السياسي تتركز في أيدي فئات محدودة، تراجعت الثقة في المؤسسات.
والأمر نفسه ينطبق على العلاقة بين المال والسياسة.
وجود رجال الأعمال في الحياة العامة ليس مشكلة في حد ذاته، لكن الخطر يبدأ عندما يتحول النفوذ الاقتصادي إلى وسيلة للسيطرة على القرار السياسي أو توجيه السياسات العامة لمصلحة فئة محدودة.
الدولة القوية هي التي تضع قواعد واضحة تمنع تضارب المصالح، وتضمن تكافؤ الفرص، وتفصل بين النفوذ الاقتصادي والقرار العام.
ومن هنا، فإن مواجهة المخاطر الخارجية تبدأ من الداخل.
ليس بالسماح بالخوف أن يتحول إلى فوضى، ولا بتحويل كل أزمة إلى مؤامرة، وإنما ببناء مجتمع أكثر تماسكاً ، واقتصاد أكثر قدرة على الصمود.، ومؤسسات أكثر شفافية ، ودولة تمتلك القدرة على حماية مصالحها دون الانجرار إلى الحروب التي لا تخدم أهدافها.
الشرق الأوسط يقف أمام مرحلة شديدة الحساسية.
هرمز ، باب المندب ، البحر الأحمر ، قناة السويس، غزة، اليمن، إيران، الخليج، والطاقة العالمية، كلها ملفات أصبحت مترابطة بصورة غير مسبوقة.
وأي خطأ في الحسابات قد تكون تكلفته أكبر من حدود الدولة التي ارتكبته.
ولهذا فإن المطلوب من جميع الأطراف هو أعلى درجات ضبط النفس، لأن العالم لا يحتاج إلى حرب جديدة بقدر ما يحتاج إلى إعادة بناء قواعد تمنع الممرات البحرية من التحول إلى رهائن للصراعات السياسية.
أما مصر، فالمعادلة بالنسبة إليها واضحة:
حماية الجبهة الداخلية، حماية قناة السويس، حماية البحر الأحمر، تجنب التورط غير المحسوب في صراعات الآخرين ، والحفاظ في الوقت نفسه على قدرة الدولة المصرية على الردع وحماية مصالحها.
وفي النهاية ، فإن أقوى سلاح تمتلكه مصر ليس فقط الجيش والشرطة والمؤسسات الأمنية، وإنما أيضاً تماسك المجتمع وثقة المواطن في دولته.
وحين تتوافر الثقة ، يصبح المواطن شريكاً في حماية الوطن.
وحين تغيب الثقة، يصبح حتى القرار الصحيح أكثر صعوبة في التنفيذ.
لذلك فإن المرحلة الحالية تحتاج إلى دولة قوية، ومجتمع متماسك، وإعلام مسؤول ، وخطاب سياسي هادئ ، وقرارات محسوبة ، بعيداً عن المبالغة أو التخويف أو الاستقطاب.
فالمنطقة تقف بالفعل أمام لحظة خطيرة، لكن أخطر ما يمكن أن نفعله هو أن نسمح للخوف بأن يقود قراراتنا.



