مقالات

هل تتحول العقوبات الأمريكية على الطيران الإيراني إلى ورقة ضغط سياسية على بزشكيان؟

✍️ يوحنا عزمي

هناك تطور لافت يحدث بالتزامن مع توجه الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى نيويورك للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة ، وهو تطور يستحق التوقف أمامه، ليس فقط من زاوية العقوبات الاقتصادية ، وإنما من زاوية التوقيت والدلالات السياسية التي قد يحملها.

واشنطن أعلنت ، عبر وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت، أن شركات الطيران الإيرانية ستواجه عملياً قيوداً واسعة اعتباراً من الأربعاء 23 سبتمبر، مع تحذير واضح للشركات والمطارات الأجنبية من تقديم خدمات للطائرات الإيرانية ، بما في ذلك التزود بالوقود، وخدمات الهبوط ، وبيع التذاكر ، تحت طائلة التعرض لعقوبات أمريكية قد تصل إلى الحرمان من التعامل مع النظام المالي القائم على الدولار.

من الناحية الرسمية ، القرار يأتي في إطار استراتيجية واشنطن لتوسيع نطاق الضغط الاقتصادي على إيران وخنق شبكاتها الجوية والمالية ، وليس هناك في الإعلان الأمريكي ما يقول صراحة إن الهدف هو منع الرئيس الإيراني من حضور الجمعية العامة أو احتجازه داخل الولايات المتحدة.

لكن السياسة الدولية لا تُقرأ دائماً من خلال البيانات الرسمية فقط، أحياناً يكون التوقيت نفسه جزءًا من الرسالة السياسية.

ففي الوقت الذي قررت فيه واشنطن بدء تطبيق هذه الإجراءات في 23 سبتمبر، كان بزشكيان في طريقه إلى نيويورك للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة، وهو ما يخلق سؤالًا مشروعاً: إذا وصلت الطائرة الإيرانية إلى الولايات المتحدة ، فكيف ستتعامل مع احتياجاتها التشغيلية في ظل التحذير الأمريكي لشركات الطيران والمطارات ومقدمي الخدمات؟

وهنا تحديداً تظهر المفارقة.

إيران تستطيع أن ترسل رئيسها إلى نيويورك، لكن المسألة لا تتعلق فقط بالوصول ، وإنما أيضًا بكيفية إدارة الرحلة بعد بدء تطبيق العقوبات، ومن سيوفر للطائرة الخدمات التي تحتاج إليها إذا أرادت المغادرة لاحقًا.

وهذا لا يعني تلقائياً أن واشنطن تخطط لاحتجاز بزشكيان، ولا توجد حتى هذه اللحظة معلومات موثوقة تثبت وجود خطة أمريكية من هذا النوع. كما أن مقارنة الأمر مباشرة بما حدث مع الرئيس الفنزويلي السابق تحتاج إلى أدلة منفصلة ولا يمكن اعتبارها حقيقة لمجرد التشابه في فكرة الضغط على رئيس دولة.

لكن في المقابل، من الصعب تجاهل أن واشنطن اختارت لحظة شديدة الحساسية سياسياً لتشديد الخناق على قطاع الطيران الإيراني، بينما كان الرئيس الإيراني يستعد للظهور على أكبر منصة دبلوماسية دولية في العالم.

والأكثر إثارة للاهتمام أن بزشكيان غادر طهران بالفعل متجهاً إلى نيويورك ، في وقت كانت فيه إيران والولايات المتحدة تخوضان واحدة من أكثر مراحل الصراع توتراً ، مع استمرار الضغوط العسكرية والاقتصادية، وفي الوقت نفسه وجود قنوات واتصالات دبلوماسية غير مباشرة حول إمكانية التوصل إلى ترتيبات لخفض التصعيد.

ثم جاءت محطة الجزائر لتضيف عنصراً آخر إلى المشهد.

الطائرة الرئاسية الإيرانية توقفت في مطار الجزائر الدولي خلال رحلتها إلى نيويورك ، وأفادت تقارير جزائرية بأن التوقف كان لأسباب فنية، بينما استُقبل بزشكيان من مسؤولين جزائريين خلال وجوده في المطار. وبالتالي فالمتاح حالياً هو وصف التوقف بأنه توقف فني، وليس لدينا دليل موثوق يثبت أنه كان نتيجة مخاوف إيرانية من إجراء أمريكي أو تغيير في خطة الرحلة.

وهنا تصبح القراءة السياسية أكثر تعقيداً.

قد يكون ما يحدث مجرد تزامن بين مسارين منفصلين: مسار أمريكي يستهدف قطاع الطيران الإيراني ضمن سياسة العقوبات، ومسار دبلوماسي إيراني يتعلق بحضور بزشكيان اجتماعات الأمم المتحدة.

وقد يكون التوقيت جزءًا من استراتيجية ضغط محسوبة، هدفها ليس بالضرورة منع الرئيس الإيراني من الوصول إلى نيويورك، وإنما رفع تكلفة الحركة الإيرانية دولياً وإظهار مدى قدرة واشنطن على التأثير في التفاصيل التشغيلية لحركة إيران الجوية خارج حدودها.

وهذا في حد ذاته سلاح سياسي.

فالعقوبات الحديثة لم تعد مجرد منع شركة من التجارة أو تجميد حسابات مصرفية ، وإنما أصبحت منظومة متكاملة تستطيع من خلالها قوة كبرى التأثير في الوقود ، والتأمين ، والمطارات، والتحويلات المالية، والخدمات الأرضية، وشبكات النقل، وصولًا  إلى قدرة دولة بأكملها على الحركة في المجال الدولي.

ومن هذه الزاوية، فإن الرسالة الأمريكية قد تكون أوسع بكثير من مجرد استهداف شركات الطيران الإيرانية.

الرسالة قد تكون: يمكن لإيران أن تحاول التحرك دبلوماسياً، لكن واشنطن قادرة على تضييق المجال أمام أدوات الحركة التي تستخدمها طهران دولياً. 

وفي المقابل ، فإن حضور بزشكيان في نيويورك يحمل أهمية سياسية كبيرة بالنسبة لطهران، خصوصاً أن الوفد الإيراني موجود بالفعل في أجواء الجمعية العامة، ووزير الخارجية عباس عراقجي وصل إلى نيويورك للمشاركة في الاجتماعات وإجراء اتصالات دبلوماسية. كما أن تقارير حديثة تحدثت عن رغبة إيرانية في استخدام اجتماعات الأمم المتحدة كنافذة لإحياء المسار الدبلوماسي.

لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: هل تستطيع الطائرة الإيرانية الوصول إلى نيويورك؟

السؤال الأهم هو: إلى أي مدى تريد واشنطن أن تستخدم أدوات الضغط الاقتصادي والعقوبات لتقييد الحركة الدبلوماسية الإيرانية ، وهل ستظل الأزمة محصورة في العقوبات والرسائل السياسية، أم ستتطور إلى إجراءات أكثر مباشرة؟

حتى الآن ، لا توجد أدلة كافية للقول إن هناك خطة أمريكية لاحتجاز بزشكيان أو منعه من مغادرة الولايات المتحدة، وأي حديث عن ذلك باعتباره أمراً محسوماً سيكون قفزاً من الوقائع  إلى الاستنتاج.

لكن المؤكد أن المشهد يحمل قدراً كبيراً من التوتر، وأن توقيت العقوبات على الطيران الإيراني بالتزامن مع زيارة الرئيس الإيراني لنيويورك يفرض نفسه كواحد من الملفات التي تستحق المتابعة الدقيقة خلال الساعات المقبلة.

وفي السياسة الدولية ، أحياناً لا تكون أهمية الحدث في القرار وحده، وإنما في موعد اتخاذ القرار، والهدف الذي يطالُه، والظرف الذي يأتي فيه.

وهنا تحديداً تكمن القصة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى