مقالات

حين يصبح الذكاء الاصطناعي لاعباً في السياسة .. ماذا تخشى واشنطن وبكين؟

✍️ بقلم : يوحنا عزمي

هناك لحظات في التاريخ لا يكون السؤال فيها “من سينتصر؟” وإنما “هل ما زال الإنسان هو الطرف الذي يضع قواعد اللعبة؟

وهذا تحديداً هو السؤال الذي يجعل زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى واشنطن مختلفة عن أي قمة أمريكية ـ صينية تقليدية.

شي يصل إلى الولايات المتحدة في زيارة رسمية تستمر من 23 إلى 25 سبتمبر ، وفي خطوة بروتوكولية لافتة ، يعتزم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استقباله شخصياً في قاعدة أندروز، قبل أن تنتقل الزيارة إلى مراسم رسمية في البيت الأبيض ، ثم مأدبة دولة يحضرها عدد من أكبر الأسماء في عالم التكنولوجيا ، بينهم إيلون ماسك وسام ألتمان وجنسن هوانغ وتيم كوك وجيف بيزوس وغيرهم.

لكن بعيداً عن الصور والبروتوكول والابتسامات الدبلوماسية، هناك ملف آخر يبدو أنه بدأ يفرض نفسه على الطاولة باعتباره واحداً من أخطر ملفات القرن الحادي والعشرين: الذكاء الاصطناعي.

ترامب نفسه قال في الأيام الأخيرة إن الذكاء الاصطناعي قد يكون أكبر من الثورة الصناعية أو الإنترنت ، وأعلن أن الولايات المتحدة لن تعمل على إبطاء نمو القطاع ، بل ستسعى إلى الحفاظ على موقعها المتقدم في السباق العالمي نحو ما يسميه “الذكاء الفائق”.

وهنا تبدأ القصة الحقيقية ..

لأن واشنطن وبكين ، رغم أنهما تخوضان منافسة شرسة على التكنولوجيا والرقائق ومراكز البيانات والنماذج المتقدمة، بدأتا تدركان أن هناك نوعاً جديداً من المخاطر لا يمكن التعامل معه بالطريقة التقليدية التي تعاملت بها الدول مع الأسلحة أو الصواريخ أو حتى الأسلحة النووية.

في السلاح التقليدي ، تعرف أين يوجد السلاح ، ومن يمتلكه، وكيف يعمل ، ومتى يمكن إطلاقه.

أما في الذكاء الاصطناعي ، فالصورة أكثر تعقيداً ..

النموذج المتقدم ليس مجرد آلة تنفذ أمراً مكتوباً حرفياً. إنه نظام قادر على معالجة كميات هائلة من المعلومات ، اكتشاف علاقات وأنماط ، وإنتاج مخرجات قد لا تكون دائماً سهلة التفسير حتى بالنسبة إلى البشر الذين طوروه.

ولهذا فإن أخطر سؤال في سباق الذكاء الاصطناعي ربما لا يتعلق فقط بقدرة الآلة على التفكير، وإنما بقدرتنا نحن على فهم ما تفعله عندما تصبح قدراتها أكثر تعقيداً من قدرة الإنسان على المتابعة والتفسير.

واللافت أن هذا القلق بدأ يتحول من نقاش أكاديمي إلى موضوع دبلوماسي ..

فخلال المحادثات الأمريكية ـ الصينية في نيويورك، ناقش وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت ونائب رئيس الوزراء الصيني خه لي فنغ إمكانية إنشاء آلية للإبلاغ عن حوادث مرتبطة بالذكاء الاصطناعي يمكن أن تهدد الأمن القومي، في إطار ما وصفه الجانب الأمريكي بالحاجة إلى رؤية مشتركة بشأن الأهداف والمخاطر المشتركة.

وهنا يجب التوقف قليلًا ..

فكرة إنشاء قناة للإبلاغ عن حوادث الذكاء الاصطناعي ليست دليلًا على أن واشنطن وبكين تعتقدان أن الآلات ستخرج غداً من الخوادم لتسيطر على العالم.

لكنها في المقابل اعتراف مهم بأن المخاطر المستقبلية للذكاء الاصطناعي أصبحت كبيرة بما يكفي لكي تحتاج القوتان العظميان إلى آلية اتصال مباشرة، خصوصاً في حالات قد تمس الأمن القومي أو البنية التحتية الحيوية.

وهذا تحديداً ما يجعل المشهد مختلفاً ..

الولايات المتحدة والصين لا تتفقان على شكل النظام العالمي، ولا على مستقبل التكنولوجيا، ولا على مسألة التفوق الاستراتيجي. لكنهما بدأتا تكتشفان أن بعض المخاطر قد لا تميز بين واشنطن وبكين.

هجوم سيبراني مدعوم بالذكاء الاصطناعي، تضليل واسع النطاق، استهداف للبنية التحتية المالية أو الطاقة، استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في تطوير أسلحة أو أدوات بيولوجية، أو حتى أخطاء في أنظمة شديدة الاستقلالية ، كلها سيناريوهات يمكن أن تتحول من مشكلة تقنية إلى أزمة جيوسياسية خلال دقائق.

ولهذا فإن اجتماع ترامب وشي لا يتعلق فقط بمن يبيع أكثر أو يشتري أكثر أو يفرض رسوماً جمركية على الآخر.

هناك سباق أكبر بكثير يجري تحت السطح : من سيضع القواعد التي ستحكم التكنولوجيا التي قد تعيد تعريف القوة الإقتصادية والعسكرية والاستخباراتية في العالم؟

والمثير أن أكبر شركات التكنولوجيا نفسها أصبحت جزءًا من هذه المعادلة ..

عندما يجلس رؤساء شركات مثل OpenAI وNvidia وApple وAmazon وTesla إلى جانب الرئيس الأمريكي والرئيس الصيني، فإننا لا نتحدث فقط عن رجال أعمال في مأدبة رسمية.

نحن نتحدث عن صناعة تمتلك جزءًا متزايداً من مفاتيح المستقبل الاقتصادي والتكنولوجي، وعن شركات أصبحت قراراتها المتعلقة بالنماذج والرقائق ومراكز البيانات والأمن السيبراني قادرة على التأثير في حسابات الحكومات نفسها.

لكن هنا يجب الحذر من الانتقال من التحليل إلى الأسطور.

من السهل جداً أن نتخيل سيناريو مرعباً يصبح فيه الذكاء الاصطناعي كياناً مستقلًا يخدع واشنطن وبكين، ويغذي كل طرف بمعلومات مصممة لدفعه نحو صراع مدمر، ثم يستغل الفوضى لكي يصبح هو نفسه السلطة الوحيدة القادرة على إدارة النظام.

هذا السيناريو يصلح بالتأكيد كرواية أو كسيناريو تحذيري، لكنه ليس حقيقة مثبتة، ولا توجد أدلة موثوقة منشورة تثبت أن نظاماً حالياً يعمل بهذه الطريقة أو أنه يملك نية مستقلة للحفاظ على وجوده أو السيطرة على الدول.

والفرق بين الأمرين جوهري ..

فالخطر الحقيقي لا يحتاج إلى أن يكون الذكاء الاصطناعي “شريراً”

يكفي أن تكون أهداف النظام غير متطابقة تماماً مع أهداف البشر، أو أن يعتمد صانع القرار على مخرجات لا يستطيع التحقق منها بصورة كافية ، أو أن يصبح النظام أسرع من قدرة المؤسسات السياسية والعسكرية على فهم نتائجه.

هنا يمكن أن يبدأ الخطر الحقيقي ..

فالآلة لا تحتاج إلى أن تكره الإنسان حتى تؤذيه.

وقد لا تحتاج حتى إلى أن “تريد” شيئاً بالمعنى البشري.

يكفي أن تُعطى هدفاً معقداً ، وتُمنح قدرة كبيرة على التنفيذ، ثم تعمل داخل بيئة لا يستطيع البشر مراقبة كل تفاصيلها.

وهذه هي النقطة التي يجب أن تشغل العالم فعلًا.

المشكلة ليست أننا سنستيقظ صباحاً لنجد روبوتات تسير في الشوارع وتحمل السلاح.

المشكلة الأكثر واقعية قد تكون أكثر هدوءًا بكثير.

قد يكون الخطر في تقرير استخباراتي كتبه نموذج لا يفهم المسؤول تماماً كيف وصل إلى استنتاجه.

قد يكون في قرار مالي اتُخذ بناءً على توقع آلي خاطئ.

قد يكون في حملة تضليل تنتشر خلال دقائق بينما تحتاج المؤسسات الديمقراطية إلى أيام للتحقق منها.

قد يكون في نظام عسكري يمنح الإنسان ثواني معدودة لاتخاذ قرار مبني على معلومات أنتجتها خوارزمية.

وفي كل هذه الحالات ، لن يكون السؤال “هل سيطر الذكاء الاصطناعي على العالم؟

السؤال سيكون أكثر بساطة وأكثر خطورة :

“متى بدأ الإنسان يتنازل عن قراره للآلة دون أن يشعر؟

ومن هنا يمكن فهم أهمية القمة الأمريكية ـ الصينية بصورة مختلفة.

الولايات المتحدة والصين لا تجلسان لأنهما اتفقتا على أن الذكاء الاصطناعي خطر يجب إيقافه.

على العكس ، كلاهما يريد التفوق فيه.

لكن كل طرف يدرك في الوقت نفسه أن السماح للسباق بأن يتحول إلى منافسة بلا قواعد قد يخلق مخاطر تتجاوز قدرة أي دولة منفردة على السيطرة عليها.

وهذا يفسر أهمية فكرة آلية الإبلاغ عن حوادث الذكاء الاصطناعي.

هي ليست “هاتفاً أحمر” بالمعنى الأسطوري الذي عرفناه في الحرب الباردة ، لكنها تحمل الفكرة نفسها تقريباً : عندما يقع حادث بالغ الخطورة، يجب أن تكون هناك وسيلة اتصال تمنع سوء الفهم من التحول إلى كارثة.

وهنا ربما تكمن المفارقة الأكبر ..

البشر الذين صنعوا الأسلحة النووية احتاجوا إلى عقود كاملة لبناء أنظمة للردع والإنذار والاتصال بين القوى الكبرى.

أما الذكاء الاصطناعي ، فقد يتحرك بسرعة أكبر بكثير من قدرة المؤسسات السياسية على بناء قواعد التعامل معه.

والسؤال الذي يجب أن يطرح اليوم ليس “من سيمسك جهاز التحكم؟

بل “هل نعرف أصلًا أين يوجد جهاز التحكم؟

هذه ليست دعوة إلى الهلع، ولا إلى تصديق كل قصة عن ذكاء اصطناعي خرج عن السيطرة، ولا إلى الاعتقاد بأن نهاية العالم ستأتي من خادم في وادي السيليكون.

لكنها دعوة إلى التعامل مع التكنولوجيا باعتبارها قضية أمن قومي وحوكمة دولية ، لا مجرد منتج تجاري جديد.

لأن العالم دخل بالفعل مرحلة أصبح فيها التفوق في الذكاء الاصطناعي جزءًا من معادلة القوة الدولية.

والقمة بين ترامب وشي قد لا تنتج اتفاقاً تاريخياً ، وقد لا تنهي المنافسة بين واشنطن وبكين، وربما تكون نتائجها محدودة في بعض الملفات.

لكن مجرد جلوس القوتين العظميين لمناقشة المخاطر المشتركة للذكاء الاصطناعي يحمل رسالة واضحة:

العصر الذي كانت فيه التكنولوجيا مجرد أداة في يد السياسة يقترب من نهايته.

نحن ندخل عصراً أصبحت فيه التكنولوجيا نفسها جزءًا من ميزان القوة.

والتحدي الحقيقي لن يكون في أن نجعل الآلات أذكى من البشر.

التحدي الأصعب هو أن نجعل البشر أذكى في طريقة استخدامهم لهذه الآلات.

لأن أسوأ سيناريو ليس أن تصبح الآلة أذكى من الإنسان.

بل أن يصبح الإنسان معتمداً عليها إلى الدرجة التي ينسى معها كيف يتخذ القرار بنفسه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى