تحالف 6 جماعات مسلحة يضع حكومة آبي أحمد أمام أخطر إختبار

✍️ يوحنا عزمي
هل تنجح التنظيمات المسلحة في إثيوبيا في تحدي الحكومة الفيدرالية برئاسة آبي أحمد؟ السؤال يبدو للوهلة الأولى مباشرًا، لكن الإجابة عنه ليست بهذه السهولة، لأن المشهد الإثيوبي شديد التعقيد، ويتداخل فيه العامل العرقي مع الصراعات السياسية والتاريخية، فضلًا عن الحسابات الإقليمية والدولية المرتبطة بالقرن الإفريقي والبحر الأحمر والسودان.
ولهذا، فإن الحديث عن أن الحكومة الإثيوبية أصبحت على وشك السقوط، أو أن آبي أحمد لن يستمر طويلًا في السلطة، أو أن ما يحدث حاليًا هو مجرد مخطط مصري للرد على قضية سد النهضة، كلها استنتاجات أكبر بكثير من حجم المعلومات المتاحة حتى الآن. السياسة لا تُدار بالتمنيات، وما يحدث في إثيوبيا يحتاج إلى قراءة أوسع من مجرد متابعة العناوين العاجلة.
المثير في التطورات الأخيرة هو الحديث عن تنسيق بين عدة حركات وتنظيمات مسلحة ذات خلفيات ومطالب مختلفة، من بينها حركة فانو في إقليم أمهرا، وجبهة تحرير شعب تيجراي، وجيش تحرير أورومو، وجبهة تحرير أوغادين، إلى جانب تنظيمات مرتبطة ببني شنقول وغوموز. مجرد اجتماع هذه الأطراف في إطار تنسيقي يمثل تطورًا سياسيًا وأمنيًا مهمًا، حتى لو لم يتحول هذا التنسيق بعد إلى قيادة عسكرية موحدة أو جبهة قادرة على خوض حرب شاملة ضد الدولة الإثيوبية.
وهنا تحديدًا يجب التوقف أمام نقطة أساسية: وجود تحالف بين خصوم مشتركين لا يعني بالضرورة امتلاكهم القدرة على إسقاط الحكومة. فهذه التنظيمات ليست كتلة سياسية أو عسكرية متجانسة، ولكل منها تاريخ مختلف في علاقته بالدولة الإثيوبية، وأهدافه الخاصة، وقاعدته الاجتماعية والجغرافية، بل إن بعضها يحمل مواقف متعارضة مع بعضه البعض. وبالتالي فإن التحدي الحقيقي أمامها لن يكون فقط في مواجهة الجيش الإثيوبي، وإنما في الحفاظ على وحدة هذا التحالف نفسه عندما تبدأ المصالح المختلفة في الظهور على الأرض.
لكن في المقابل، فإن الحكومة الفيدرالية لا تستطيع التعامل مع الأمر باعتباره مجرد اضطرابات محلية متفرقة. إثيوبيا دولة كبيرة ومعقدة من الناحية السكانية والجغرافية، وأي اتساع في رقعة التمرد المسلح يعني استنزافًا متزايدًا لقدرات الدولة الأمنية والعسكرية، خصوصًا إذا تزامن ذلك مع اضطرابات في أكثر من إقليم في الوقت نفسه.
وتكتسب التطورات في تيجراي أهمية خاصة بسبب التاريخ القريب للحرب التي اندلعت عام 2020 بين الحكومة الفيدرالية وجبهة تحرير شعب تيجراي، وانتهت باتفاق بريتوريا في نوفمبر 2022. ولذلك فإن عودة التوتر في الإقليم تحمل دلالة مختلفة عن مجرد ظهور تمرد جديد، لأنها تعيد فتح ملف صراع لم تُغلق جميع جذوره السياسية والأمنية بصورة نهائية.
ومن هنا يمكن فهم حساسية أي تطور عسكري في ميكيلي أو غيرها من مدن الإقليم، خصوصًا إذا أدى إلى تعطيل حركة الطيران أو اضطراب النشاط المدني. فالمسألة لا تتعلق بالمطار وحده، وإنما بالصورة التي يمكن أن تعكسها مثل هذه الأحداث عن قدرة الحكومة المركزية على بسط نفوذها الكامل على الأقاليم المختلفة.
أما أوغادين، أو الإقليم الصومالي في إثيوبيا، فله هو الآخر تاريخ طويل من التوترات السياسية والأمنية مع الدولة المركزية، في ظل ارتباط الملف بعوامل عرقية وجغرافية تتجاوز حدود إثيوبيا نفسها وتمتد إلى الصومال والقرن الإفريقي. وهذا يجعل أي اضطراب واسع في المنطقة قابلًا للتأثر بالتفاعلات الإقليمية، وليس فقط بالحسابات الداخلية الإثيوبية.
وهنا نصل إلى الجزء الأكثر حساسية في المشهد: السودان.
فالحدود الإثيوبية السودانية تقع داخل واحدة من أكثر المناطق اضطرابًا في القارة الإفريقية، والحرب السودانية المستمرة منذ عام 2023 جعلت من القرن الإفريقي كله مساحة مفتوحة لتداخل المصالح الأمنية والعسكرية والسياسية. لذلك فإن أي تصعيد كبير داخل إثيوبيا لا يمكن تحليله بمعزل كامل عن التطورات في السودان، حتى وإن كان من الخطأ الجزم بأن أحدهما هو السبب المباشر للآخر من دون أدلة موثوقة.
وتزداد أهمية بني شنقول في هذه المعادلة بسبب موقع الإقليم الجغرافي وقربه من الحدود السودانية، فضلًا عن ارتباطه بمشروع سد النهضة. وهذا الموقع يجعل المنطقة ذات أهمية استراتيجية تتجاوز حدودها الإدارية، لأن أي اضطراب أمني واسع فيها قد يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى الملفات المتعلقة بأمن الحدود والمياه والطاقة وحركة السكان بين الدول.
لكن يجب هنا الفصل بين أمرين: وجود مصالح إقليمية ودولية متنافسة في المنطقة، وبين الجزم بأن هذه القوى تقف خلف كل تحرك مسلح يحدث داخل إثيوبيا. القرن الإفريقي بالفعل ساحة تتقاطع فيها مصالح دول عديدة، لكن إثبات وجود دعم مباشر أو عمليات تنسيق سرية يحتاج إلى أدلة مستقلة، وليس مجرد الربط بين تزامن الأحداث.
والأمر نفسه ينطبق على الحديث عن إسرائيل والولايات المتحدة والإمارات والسعودية وغيرها. هذه الدول لديها بالفعل مصالح وعلاقات مختلفة في القرن الإفريقي والبحر الأحمر، لكن طبيعة تلك العلاقات تختلف من ملف إلى آخر، ولا يمكن اختزالها في معادلة واحدة تقول إن هذه الدول ستتدخل بالضرورة عسكريًا لحماية الحكومة الإثيوبية في حال اندلاع حرب أهلية جديدة.
الأهم من ذلك كله هو أن إثيوبيا ليست دولة بلا مؤسسات أو بلا جيش أو بلا علاقات خارجية. وبالتالي فإن أي محاولة لإسقاط الحكومة بالقوة ستواجه مجموعة من العوامل المعقدة: القدرات العسكرية للدولة، والامتداد الجغرافي، والتوازنات العرقية، والمصالح الاقتصادية، والعلاقات الخارجية، فضلًا عن قدرة الحكومة على إدارة الصراع سياسيًا وأمنيًا.
لكن في الوقت نفسه، فإن قوة الدولة لا تعني أن خطر الحرب الأهلية مستبعد. التاريخ الإثيوبي الحديث أثبت أن الصراعات المحلية يمكن أن تتحول بسرعة إلى أزمات وطنية واسعة عندما تتقاطع فيها الهويات العرقية والمصالح الإقليمية والتدخلات الخارجية.
وهنا تظهر الخطورة الحقيقية.
إثيوبيا ليست مجرد دولة داخلية في شرق إفريقيا. موقعها يجعلها جزءًا من منظومة أمنية تمتد من القرن الإفريقي إلى البحر الأحمر وباب المندب، وصولًا إلى طرق التجارة الدولية وقناة السويس. ولذلك فإن اندلاع صراع واسع داخلها لن يبقى بالضرورة شأنًا إثيوبيًا خالصًا، بل يمكن أن تكون له تداعيات على السودان والصومال وإريتريا وجيبوتي والبحر الأحمر، وعلى حركة التجارة والطاقة والأمن الإقليمي.
أما سد النهضة، فهو يمثل طبقة أخرى من التعقيد. فالسد منشأة استراتيجية ضخمة، وأي اضطراب أمني واسع في محيطه أو داخل الدولة التي تديره سيكون ذا أهمية إقليمية كبيرة، ليس فقط بالنسبة لإثيوبيا، وإنما بالنسبة لمصر والسودان أيضًا. ومع ذلك، فإن تحويل أي اضطراب إثيوبي مباشرة إلى سيناريو عسكري حول السد سيكون قفزة تحليلية تحتاج إلى أدلة لا توفرها مجرد الأخبار المتداولة عن تحالفات مسلحة.
لذلك، فإن السؤال الأهم في المرحلة المقبلة ليس فقط: هل تستطيع هذه التنظيمات إسقاط آبي أحمد؟
السؤال الأكثر واقعية هو: هل تستطيع الحكومة الإثيوبية منع هذه التنظيمات من تحويل التنسيق السياسي والعسكري بينها إلى جبهة واسعة متعددة الأقاليم؟
إذا نجحت الحكومة في احتواء التوترات، وتفكيك التحالفات، ومنع انتقال الصراع من إقليم إلى آخر، فقد يبقى الأمر في إطار تمردات وصراعات أمنية متفرقة. أما إذا نجحت التنظيمات المختلفة في تجاوز خلافاتها وتنسيق عملياتها بصورة مستدامة، فإن الضغط على الحكومة الفيدرالية سيصبح أكثر تعقيدًا، وقد تدخل إثيوبيا مرحلة جديدة من الصراع الداخلي.
وهنا تحديدًا تكمن خطورة المشهد: ليس في إعلان تحالف جديد وحده، ولا في حادث أمني منفرد، وإنما في احتمال تلاقي عدة أزمات في دولة واحدة، بالتزامن مع حرب مستمرة في السودان، وتوترات في القرن الإفريقي، وصراع مصالح دولية حول البحر الأحمر، وملف مائي بالغ الحساسية يتعلق بالنيل.
لهذا فإن قراءة المشهد الإثيوبي تحتاج إلى الابتعاد عن العناوين المثيرة التي تتحدث عن سقوط وشيك للحكومة أو مؤامرة واحدة تفسر كل شيء. الواقع أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير.
إثيوبيا أمام اختبار أمني وسياسي حقيقي، لكن حجم هذا الاختبار ونتائجه النهائية لا تزال مرتبطة بما ستفعله الحكومة، وبمدى قدرة الجماعات المسلحة على الحفاظ على تنسيقها، وبمواقف القوى الإقليمية والدولية، وبما إذا كانت أزمة السودان ستظل محصورة داخل حدوده أم ستواصل التأثير في محيطه.
وفي منطقة مثل القرن الإفريقي، قد يبدأ الحدث داخل إقليم واحد، لكنه لا يظل بالضرورة محصورًا داخله.
وهنا بالضبط تكمن أهمية متابعة ما يحدث في إثيوبيا: لأن القضية لم تعد مجرد صراع بين حكومة ومجموعات مسلحة، وإنما أصبحت جزءًا من معادلة أمنية أوسع تمتد من إثيوبيا والسودان إلى البحر الأحمر وباب المندب، ومن هناك إلى واحد من أهم ممرات التجارة العالمية.



