ضربة موجعة لآبي أحمد .. أسر قيادات وجنود واتساع جبهات القتال: هل تنزلق إثيوبيا مجدداً إلى حرب شاملة؟

✍️ يوحنا عزمي
المشهد الإثيوبي خلال الساعات الأخيرة لم يعد مجرد اشتباكات متفرقة بين الحكومة الفيدرالية والجماعات المسلحة، وإنما يتجه بصورة متسارعة إلى مواجهة أوسع قد تعيد البلاد إلى أجواء الحرب الأهلية التي مزقت شمال إثيوبيا بين عامي 2020 و2022.
الجديد هذه المرة أن خطوط المواجهة لم تعد محصورة في تيغراي وحدها ، وإنما امتدت إلى أمهرة وعفار ، بالتزامن مع دخول قوى كانت في السابق على طرفي نقيض في الحرب إلى مساحة تنسيق عسكري وسياسي مشتركة ضد حكومة آبي أحمد.
وفي تطور لافت، تحدثت مصادر محلية عن تعرض قوات تابعة للجيش الفيدرالي في جبهة وولو بإقليم أمهرة لهجوم من قوات فانو، مع تقارير عن أسر أعداد كبيرة من الجنود، إضافة إلى أسر ضابط كبير من الجيش الإثيوبي يُشار إليه باسم العقيد ميليس أشاغري. كما ظهرت تقارير لاحقة تتحدث عن القبض على نائبه، إلا أن التفاصيل الكاملة لهذه الوقائع لا تزال بحاجة إلى مزيد من التحقق المستقل.
لكن بعيداً عن تفاصيل هذه العملية العسكرية ، فإن الأهم سياسياً هو التوقيت.
لأن ما يحدث في أمهرة يأتي بالتزامن مع عودة جبهة تيغراي إلى القتال المفتوح ، وإعلان نائب رئيس جبهة تحرير شعب تيغراي أمانويل أسيفا أن الصراع مع الحكومة الفيدرالية دخل مرحلة وصفها بأنها «حرب شاملة».
وهنا تحديداً تبدأ الصورة الأكبر في الظهور.
إثيوبيا لا تواجه الآن مجرد تمرد محلي في إقليم واحد، وإنما أمام شبكة من الجبهات المسلحة التي بدأت تتقاطع مصالحها ضد الحكومة المركزية.
ففي 21 سبتمبر، أعلنت سبع جماعات مسلحة إثيوبية، من بينها جبهة تحرير شعب تيغراي وقوات فانو وحركة تحرير أورومو، تشكيل تحالف أطلق عليه «تحالف قوى الشعب الإثيوبي من أجل البقاء» ، وأعلن هدفه إسقاط حكومة آبي أحمد والعمل باتجاه تشكيل إدارة انتقالية. والأهم أن بعض هذه القوى كانت قد قاتلت بعضها البعض في الحرب السابقة ، قبل أن تجد نفسها اليوم في مواجهة خصم مشترك.
وهذه نقطة شديدة الأهمية لفهم ما يجري.
لأن التحالف بين تيغراي وفانو تحديداً يحمل مفارقة تاريخية كبيرة.
في حرب 2020–2022، كانت فانو وإريتريا إلى جانب الحكومة الإثيوبية في مواجهة قوات تيغراي. أما اليوم ، فالقوى التي كانت تقاتل بعضها البعض بالأمس أصبحت تتحرك في بعض الجبهات ضد الجيش الفيدرالي.
وهذا يعني أن المعادلة العسكرية تغيرت بصورة جذرية.
والأخطر من ذلك أن القتال لم يعد محصوراً داخل الحدود السياسية لتيغراي.
فبحسب تقارير حديثة، سيطرت قوات تيغراي على ثلاثة مطارات في الإقليم، وامتدت العمليات إلى مناطق في عفار وأمهرة، بينما تحدثت تقارير عن فتح عدة جبهات على الحدود بين تيغراي وأمهرة، وكذلك على محور تيغراي _ عفار.
وبالتالي ، فإن ما يحدث أمامنا يمكن قراءته باعتباره محاولة من خصوم الحكومة لتحويل الصراع من حرب داخل إقليم إلى ضغط متعدد الجبهات على الدولة الفيدرالية.
وهذه الاستراتيجية لها دلالة عسكرية واضحة: عندما تضطر القوات الحكومية إلى توزيع قدراتها على أكثر من جبهة في الوقت نفسه، تصبح قدرتها على التركيز العسكري والدعم اللوجستي والاستجابة السريعة أكثر صعوبة.
وهنا تأتي أهمية أمهرة.
إقليم أمهرة ليس مجرد منطقة جغرافية أخرى في المعركة، وإنما يمثل أحد المحاور المهمة في شمال إثيوبيا، كما أن منطقة وولو ترتبط بمحاور حركة رئيسية باتجاه وسط البلاد.
ولهذا فإن استمرار الضغط العسكري في هذه المنطقة ، بالتزامن مع القتال في تيغراي وعفار، يضع القيادة العسكرية الإثيوبية أمام معادلة أكثر تعقيداً بكثير من مجرد احتواء تمرد محلي.
والأمر لا يتوقف عند الجانب العسكري.
هناك أيضاً عامل سياسي وإقليمي شديد الحساسية.
الحكومة الإثيوبية تتهم قوى خارجية، وعلى رأسها إريتريا، بدعم خصومها ، بينما تنفي أسمرة هذه الاتهامات. وفي الوقت نفسه، تخشى أطراف إقليمية ودولية من أن يؤدي تجدد الحرب في شمال إثيوبيا إلى توسيع دائرة الصراع في منطقة القرن الإفريقي بأكملها.
وهنا يصبح المشهد أكثر خطورة ، لأن إثيوبيا ليست دولة منفصلة عن أزمات المنطقة.
السودان يعيش حرباً مفتوحة، والعلاقات الإثيوبية _ الإريترية تشهد توترات ، والبحر الأحمر أصبح ساحة تنافس استراتيجي متزايد ، وأي انفجار كبير داخل إثيوبيا يمكن أن ينعكس على أمن الحدود وطرق التجارة وحركة اللاجئين والتوازنات العسكرية في القرن الإفريقي.
أما بالنسبة لآبي أحمد ، فالتحدي الحقيقي ليس فقط في خسارة موقع عسكري هنا أو هناك.
التحدي هو هل تستطيع الحكومة الحفاظ على تماسك المنظومة العسكرية والسياسية في ظل تعدد الجبهات؟
لأن الفرق كبير بين مواجهة جماعة مسلحة داخل إقليم محدد، وبين التعامل في الوقت نفسه مع فانو في أمهرة، وقوات تيغراي في الشمال، وحركات مسلحة أخرى في مناطق مختلفة ، بينما تحاول الحكومة الحفاظ على خطوط الإمداد والسيطرة على المدن والمطارات والطرق الرئيسية.
ومن هنا، فإن الحديث عن أسر جنود أو ضباط، إذا تأكدت تفاصيله بالكامل، لا يجب النظر إليه باعتباره مجرد حادثة عسكرية منفصلة.
مثل هذه الوقائع تكون لها قيمة رمزية كبيرة في الحروب، لأنها تؤثر في صورة الجيش وقدرته على الردع ، وترفع في المقابل معنويات الطرف الذي يحقق الاختراق.
لكن في الوقت نفسه ، من المهم ألا نستبق الأحداث ونعلن أن الجيش الإثيوبي انهار أو أن حكومة آبي أحمد أصبحت على وشك السقوط.
المعطيات الحالية لا تسمح بهذا الاستنتاج.
فالجيش الفيدرالي ما زال يمتلك قدرات كبيرة، والحكومة لا تزال تسيطر على مؤسسات الدولة، كما أن القوات الإثيوبية أعلنت بدورها عن عمليات عسكرية ضد قوات تيغراي وقدمت أرقاماً كبيرة لخسائرها ، وهي أرقام لم تُتحقق منها بشكل مستقل.
إذن نحن أمام مرحلة شديدة السيولة.
لا أحد يستطيع حتى الآن أن يجزم إلى أين ستذهب إثيوبيا: هل تتطور المواجهات إلى حرب أهلية واسعة شبيهة بحرب 2020؟ أم تنجح الوساطات في احتواء التصعيد؟ أم يتحول التحالف الجديد بين الفصائل المسلحة إلى جبهة عسكرية فعلية قادرة على الضغط المستمر على الحكومة؟
لكن المؤكد أن اتفاق بريتوريا الذي أنهى الحرب السابقة في 2022 يواجه الآن أخطر اختبار منذ توقيعه، وأن إثيوبيا تدخل واحدة من أكثر مراحلها الأمنية والسياسية حساسية منذ سنوات.
والسؤال الحقيقي الذي سيحدد شكل المرحلة المقبلة ليس فقط: من يسيطر على هذه الجبهة أو تلك؟
بل:
هل تستطيع حكومة آبي أحمد أن تمنع تحول تعدد الجبهات إلى حرب وطنية مفتوحة؟
لأن اللحظة التي تتحول فيها المواجهات من صراع بين الحكومة وجماعة مسلحة إلى صراع متعدد الأطراف والجبهات ، تصبح الحسابات مختلفة تماماً .. وعندها لا يعود السؤال عن معركة واحدة ، وإنما عن قدرة الدولة نفسها على إدارة الحرب من أكثر من اتجاه في الوقت ذاته.



