مقالات

بين الوحدة والفوضى.. هل ما زالت أمام العالم الإسلامي فرصة لصناعة نظام إقليمي جديد؟

بقلم : يوحنا عزمي

منذ سنوات، وأنا أحذر من أن استمرار حالة الانقسام والصراعات المفتوحة في منطقتنا لن يقود في النهاية إلى انتصار دولة على أخرى، بقدر ما سيقود إلى استنزاف الجميع ، وإضعاف المنطقة بأكملها، وفتح المجال بصورة أكبر أمام القوى الخارجية للتدخل وإعادة تشكيل توازناتها وفقاً لمصالحها.

وكنت أؤكد دائماً أن المشكلة الحقيقية ليست فقط في وجود خلافات بين دول المنطقة ، فالخلافات السياسية والمذهبية والاستراتيجية موجودة في كل الأقاليم، وإنما في غياب الإطار الإقليمي القادر على إدارة هذه الخلافات ومنع تحولها إلى صراعات عسكرية مفتوحة.

ومن هنا طرحت، قبل اندلاع الحرب الحالية، مبادرة وحدة الدول الإسلامية باعتبارها محاولة لتقديم تصور مختلف يقوم على تحويل المنطقة من ساحة للصراع والتنافس إلى مساحة للتعاون والتكامل، ومن نظام إقليمي قائم على الشكوك المتبادلة إلى نظام يقوم على المصالح المشتركة والأمن الجماعي.

واليوم، وبعد أن دخل الصراع الإيراني ـ الأمريكي مرحلة شديدة التعقيد ، وأصبح يمتد تأثيره إلى أمن الخليج وحركة الملاحة والطاقة، تبدو الحاجة إلى البحث عن صيغة سياسية جديدة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فقد شهد عام 2026 تصعيداً عسكرياً واسعاً بين الولايات المتحدة وإيران، امتد تأثيره إلى دول وممرات استراتيجية في المنطقة ، بينما استمرت محاولات الوساطة والتفاوض دون التوصل حتى الآن إلى تسوية نهائية.

وهنا يجب أن نتوقف أمام درس تاريخي بالغ الأهمية.

لقد شهدت المنطقة في القرن الماضي حرباً طويلة ومدمرة بين إيران والعراق استمرت ثماني سنوات، وانتهت بعد خسائر بشرية ومادية هائلة دون أن تتحول إلى تسوية تحقق لكل طرف ما كان يطمح إليه.

والخطر اليوم هو أن تعيد المنطقة إنتاج السيناريو ذاته ، ولكن بصورة أكبر وأكثر تعقيداً ، بحيث يتحول الصراع الحالي إلى حرب استنزاف إقليمية مفتوحة، لا يكون فيها منتصر حقيقي، وإنما دول أكثر إنهاكاً ، واقتصادات أكثر هشاشة، ومجتمعات أكثر انقساماً، وفراغات استراتيجية أكبر يمكن للقوى الخارجية أن تملأها.

وهذا تحديداً هو السيناريو الذي يجب أن نحاول منعه.

الحل ليس في انتصار طرف على طرف، وإنما في تغيير قواعد اللعبة نفسها.

فإذا استمرت كل دولة في النظر إلى أمنها باعتباره منفصلًا تماماً عن أمن جيرانها ، وإذا ظل كل خلاف إقليمي قابلاً للتحول إلى مواجهة عسكرية، فإن المنطقة ستظل تدور في الحلقة ذاتها: أزمة، ثم تصعيد ، ثم وساطة ، ثم هدنة مؤقتة ، ثم أزمة جديدة.

أما البديل فهو بناء منظومة إقليمية جديدة تستطيع احتواء الخلافات قبل أن تتحول إلى حروب.

ومن هنا تأتي فكرة وحدة الدول الإسلامية التي أطرحها، ليس باعتبارها إلغاءً للدول القائمة، ولا محاولة لفرض نموذج سياسي واحد على الجميع ، وإنما باعتبارها تصوراً لكيان وحدوي استراتيجي حديث، يمكن أن يأخذ شكل كونفدرالية واسعة تقوم على احترام سيادة الدول واستقلالها وحدودها، مع إنشاء آليات مشتركة للأمن والدفاع والاقتصاد والطاقة والتجارة وتسوية النزاعات.

الفكرة ببساطة هي أن تحتفظ كل دولة بخصوصيتها وسيادتها ونظامها السياسي، بينما تتعاون الدول في الملفات التي لا تستطيع أي دولة منفردة التعامل معها بكفاءة في عالم اليوم.

وهذا هو الدرس الذي يمكن استخلاصه من تجارب دول أخرى، فالاتحاد الأوروبي، على سبيل المثال، لم يقم على إلغاء الدول الأوروبية، وإنما على نقل عدد من ملفات المصالح المشتركة إلى إطار مؤسسي أوسع، بعد قرون من الحروب والصراعات بين تلك الدول.

وبالطبع، فإن أي نموذج إسلامي لا يمكن أن يكون نسخة حرفية  من التجربة الأوروبية، لأن لكل منطقة تاريخها وتركيبتها الحضارية والدينية والسياسية والجغرافية.

لكن المبدأ العام يظل قابلاً للاستفادة: تحويل المصالح المشتركة من مصدر للصراع إلى أساس للتعاون.

وهنا تحديداً يجب أن نتعلم من أخطائنا التاريخية.

فالعالم الإسلامي يمتلك مقومات حضارية وجغرافية واقتصادية وبشرية هائلة، لكنه في كثير من الأحيان يتعامل مع هذه المقومات باعتبارها عناصر منفصلة ، بينما يمكن أن تتحول إذا اجتمعت في إطار مؤسسي إلى قوة سياسية واقتصادية واستراتيجية كبرى.

والوحدة التي أتحدث عنها ليست وحدة مذهبية، ولا مشروعاً لإقصاء أحد، ولا تقوم على أساس عرقي أو طائفي أو ديني ضد الآخرين.

على العكس تماماً.

إنها وحدة تقوم على المواطنة والسيادة والمصلحة المشتركة واحترام التنوع، بحيث لا يكون الانتماء المذهبي أو الطائفي أو العرقي معياراً للحقوق أو الواجبات، وإنما تكون القاعدة هي احترام الدول والشعوب وخصوصياتها.

ولذلك فإن النموذج الذي أطرحه أقرب إلى شراكة استراتيجية بين دول مستقلة منه إلى دولة مركزية واحدة.

لكن المشكلة الأساسية ليست في طرح فكرة الوحدة.

المشكلة أن المنطقة تحدثت عن الوحدة والتعاون والتضامن لعقود طويلة، بينما بقي الجزء الأكبر من ذلك في إطار البيانات السياسية والخطابات العامة.

منذ بدء محاولات خفض التصعيد في الصراع الحالي، شهدنا اتصالات ولقاءات ووساطات متعددة. وهناك بالفعل جهود دبلوماسية جارية بين إيران والولايات المتحدة عبر وسطاء، كما شهدت الفترة الأخيرة مقترحات تتعلق بوقف إطلاق النار وإعادة فتح مضيق هرمز واستئناف المفاوضات.

لكن السؤال الذي يجب طرحه هو:

ماذا بعد الاتصالات؟

كيف يمكن تحويل هذه الاتصالات من مجرد إدارة مؤقتة للأزمة إلى تأسيس لنظام إقليمي جديد يمنع تكرار الأزمة؟

لأن المنطقة لا تحتاج إلى هدنة أخرى فقط.

إنها تحتاج إلى معادلة سياسية جديدة.

ولهذا أعتقد أن إعلان قبول مبادرة وحدة الدول الإسلامية، أو الدخول في حوار رسمي حولها، يمكن أن يمثل بداية مختلفة تماماً.

ولا أقصد أن دولة واحدة تستطيع أن تفرض الوحدة على بقية الدول.

الوحدة الحقيقية لا تُفرض.

إنها مشروع تفاوضي تشارك فيه جميع الدول المعنية، وتحدد من خلاله المصالح المشتركة والضمانات المتبادلة والالتزامات القانونية وآليات فض النزاعات.

ومن هنا يمكن أن تكون الخطوة الأولى هي الدعوة إلى مؤتمر شامل لوحدة الدول الإسلامية، تشارك فيه الدول الإسلامية بمختلف توجهاتها، بهدف وضع إطار أولي لنظام تعاون إقليمي جديد.

مؤتمر لا يبحث فقط في وقف الحرب الحالية، وإنما في السؤال الأهم:

كيف نمنع الحرب المقبلة؟

وإذا نجحت الدول الإسلامية في الوصول إلى موقف موحد بشأن أمن المنطقة ، فإن طبيعة العلاقة مع القوى الكبرى ستتغير بالضرورة.

فالهدف ليس الدخول في مواجهة مع الولايات المتحدة أو أي قوة دولية أخرى ، وليس إقامة محور ضد محور.

بل على العكس.

القوة الحقيقية لأي منظومة إقليمية هي قدرتها على التفاوض من موقع المصالح المشتركة ، وليس من موقع الخوف أو الانقسام.

وعندما تمتلك الدول الإسلامية رؤية مشتركة تجاه الأمن الإقليمي والطاقة والممرات البحرية والتجارة والتسليح والعلاقات الدولية، فإن مساحة الصراع ستتقلص ، وستزداد مساحة التفاوض.

وبهذه الطريقة يمكن تحقيق بالسلم ما قد يستحيل تحقيقه بالحرب.

لا أحد يحتاج إلى أن يكون مهزوماً حتى يكون الآخر رابحاً.

وهذه ، في رأيي ، هي الفكرة الأساسية التي يجب أن تقوم عليها أي تسوية تاريخية في المنطقة.

فالمعادلة التي نحتاج إليها ليست:

منتصر ومهزوم.

وإنما:

الجميع يخرج من الصراع أكثر أمنًا واستقراراً وقدرة على البناء.

أما بالنسبة إلى إيران، فإن المسؤولية السياسية أمام قيادتها اليوم كبيرة، باعتبارها إحدى الدول المركزية في معادلة الشرق الأوسط، وباعتبار أن قرارها السياسي والعسكري يؤثر بصورة مباشرة في أمن الخليج والممرات البحرية وفي مسار الصراع الحالي.

ومجتبى خامنئي هو المرشد الأعلى الحالي لإيران منذ مارس 2026، وفق تقارير متعددة، فيما تشير تصريحات إيرانية رسمية إلى أنه ما زال يمارس صلاحياته القيادية رغم عدم ظهوره العلني منذ توليه المنصب.

ومن هذا المنطلق، فإنني أرى أن بإمكان القيادة الإيرانية أن تطرح مبادرة سياسية تاريخية تتجاوز الحسابات التكتيكية للحظة الراهنة ، من خلال إعلان استعدادها للدخول في مسار حقيقي للحوار حول مشروع إقليمي قائم على التعاون والوحدة والأمن الجماعي.

وبالطبع، فإن نجاح أي مشروع من هذا النوع لا يمكن أن يتحقق بإيران وحدها.

المسؤولية مشتركة بين إيران والدول العربية وتركيا وبقية الدول الإسلامية، لأن أي وحدة حقيقية لا يمكن أن تكون وحدة طرف ضد طرف.

بل يجب أن تكون وحدة الجميع مع الجميع.

وهنا أؤكد أن المبادرة التي طرحتها لا تمثل حكومة بعينها، ولا أتحدث من موقع مسؤول رسمي في أي دولة ، ولا أطرح نفسي ممثلًا عن دولة ضد أخرى.

بل أطرحها باعتبارها رؤية سياسية وفكرية أضعها على الطاولة للحوار ، وأنا أقف ـ وفق ما أراه ـ على مسافة واحدة من جميع الدول الإسلامية.

وما يدفعني إلى طرحها، كما أؤكد، هو ما أعتبره مسؤولية تاريخية وحضارية تجاه المنطقة ، انطلاقاً من انتمائي الهاشمي والقريشي ومن رؤيتي لأهمية استعادة عناصر القوة الحضارية التي صنعت في مراحل تاريخية مختلفة حالة من التواصل والوحدة في العالم الإسلامي، ولكن بصورة حديثة تتناسب مع طبيعة الدولة الوطنية والنظام الدولي المعاصر.

والأهم من كل ذلك أن الوقت ليس في صالح المنطقة.

فلا توجد سلطة سياسية أبدية، ولا توجد أنظمة تستمر إلى الأبد، ولا توجد أزمات يمكن تأجيلها إلى ما لا نهاية.

والقادة يتغيرون.

والحكومات تتبدل.

لكن آثار القرارات التاريخية قد تبقى لعشرات السنين.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا ليس:

من سينتصر في الحرب الحالية؟

بل:

ماذا سيبقى من المنطقة بعد انتهاء الحرب؟

هل سنواصل بناء جدران جديدة بين دولنا؟

أم سنبدأ في بناء مؤسسات قادرة على منع الحروب المقبلة؟

هل سنترك الدول الإسلامية تتحول إلى ساحات نفوذ وصراع للقوى الكبرى؟

أم نمتلك نحن زمام المبادرة ونصنع إطاراً إقليمياً يحمي أمننا ومصالحنا؟

في النهاية ، أعتقد أن أمام المنطقة طريقين واضحين:

إما أن نستمر في إدارة الخلافات بمنطق الصراع والاستنزاف، فنسمح للدول الإسلامية بأن تستهلك بعضها بعضاً، وتتحول تدريجيًا إلى ساحات نفوذ للقوى الخارجية، وإما أن نبدأ في بناء منظومة تعاون حقيقية، تحفظ للدول سيادتها، وتحمي حدودها، وتمنع الحرب ، وتفتح المجال أمام التكامل الاقتصادي والاستراتيجي.

والتاريخ لا ينتظر أحداً.

والحكام لا يعيشون إلى الأبد.

أما الدول والشعوب والحضارات، فتبقى.

ولهذا فإن اللحظة الحالية قد تكون، رغم كل مآسيها، فرصة لإعادة التفكير في شكل المنطقة بالكامل.

فإما أن نترك التاريخ يعيد إنتاج أخطائنا القديمة، وإما أن نحاول صناعة صفحة جديدة تفتخر بها الأجيال القادمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى