مقالات

زيارة نتنياهو إلى الإمارات.. ما وراء العنوان الرسمي؟ ومن الذي يعيد ترتيب المشهد الإقليمي؟

بقلم : يوحنا عزمي

في العلاقات الدولية ، لا تكفي البيانات الرسمية وحدها لفهم ما يجري خلف الأبواب المغلقة.

عندما يزور رئيس دولة دولة أخرى ، فإن العبارة الدبلوماسية التقليدية من نوع «بحث سبل تعزيز العلاقات الثنائية» قد تكون صحيحة من الناحية البروتوكولية ، لكنها لا تجيب بالضرورة عن الأسئلة الأهم التي يبحث عنها المتابع السياسي:

لماذا تمت الزيارة الآن؟
لماذا في هذا التوقيت تحديداً ؟
من حضر الاجتماعات؟
ما الملفات التي وُضعت على الطاولة؟
وما الذي يمكن أن يترتب عليها إقليمياً؟

وهنا تحديداً تصبح زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى الإمارات العربية المتحدة خلال هذه المرحلة موضع اهتمام سياسي واستراتيجي.

فالزيارة التي جرت الأحد 27 سبتمبر 2026، لم تكن معلنة مسبقاً بالشكل المعتاد ، قبل أن تؤكدها أبوظبي رسمياً لاحقاً ، وتعلن وكالة الأنباء الإماراتية أن الشيخ محمد بن زايد استقبل نتنياهو وأن الجانبين بحثا العلاقات الثنائية وسبل تطويرها، إلى جانب ملفات إقليمية.

وهنا تبدأ الأسئلة الحقيقية.

أولاً: لماذا كان الإعلان عن الزيارة متأخراً؟

اللافت في القصة ليس مجرد انعقاد اللقاء، وإنما الطريقة التي خرج بها إلى العلن.

فالتقارير الإسرائيلية تحدثت عن زيارة نتنياهو إلى أبوظبي قبل أن يأتي التأكيد الإماراتي الرسمي ، وهو ما جعل الزيارة تبدو في بدايتها أقرب إلى تحرك دبلوماسي غير معلن منه إلى زيارة رسمية تقليدية.

وفي عالم السياسة ، السرية لا تعني بالضرورة وجود مؤامرة، كما أن الإعلان المتأخر لا يعني تلقائياً وجود اتفاق سري.

لكنها تعني شيئاً واحداً على الأقل:

أن طبيعة الزيارة وملفاتها كانت تستحق قدراً من الحساسية السياسية والأمنية.

وهذا تحديداً هو ما يجعل التوقيت أكثر أهمية من البيان الرسمي نفسه.

ثانياً: هل كانت الزيارة مرتبطة فقط بالعلاقات الإماراتية الإسرائيلية؟

من الصعب التعامل مع هذا الاحتمال باعتباره التفسير الوحيد.

فالإمارات وإسرائيل تربطهما علاقات رسمية منذ اتفاقات أبراهام عام 2020، وبالتالي فإن مجرد لقاء نتنياهو بالشيخ محمد بن زايد ليس حدثاً استثنائياً من حيث المبدأ.

لكن الظروف الإقليمية المحيطة بالزيارة مختلفة تماماً.

المنطقة تمر في الوقت نفسه بمرحلة شديدة التعقيد ، من التوتر  مع إيران ، إلى ملف الحوثيين والممرات البحرية ، مروراً بأمن الخليج ، وصولاً إلى ملفات ليبيا وإثيوبيا والقرن الأفريقي.

ولهذا فإن السؤال الأكثر أهمية ليس:

هل هناك علاقة بين الإمارات وإسرائيل؟

فهذا أمر معلن .. بل:

ما الذي يجعل القيادتين بحاجة إلى لقاء مباشر الآن؟

وهنا تبدأ القراءة السياسية للحدث.

ثالثاً: ملف التحذير من هجوم حماس

هناك عامل آخر شديد الحساسية أحاط بالزيارة.

ففي الأسابيع الأخيرة عادت إلى الواجهة تقارير صحفية تتحدث عن أن الشيخ محمد بن زايد كان قد حذر نتنياهو قبل هجوم 7 أكتوبر 2023 من وجود مخاطر مرتبطة بتحرك كبير لحركة حماس.

نتنياهو نفى هذه الروايات، كما أن مكتبه رفض الاتهامات المتعلقة بتجاهل التحذيرات. وفي المقابل، واصلت وسائل إعلام دولية نشر تقارير حول وجود تحذيرات مصرية وإماراتية سابقة.

واللافت أن زيارة نتنياهو إلى أبوظبي جاءت في توقيت أصبحت فيه هذه القضية جزءاً من الجدل السياسي والإعلامي الإسرائيلي.

بل إن وكالة أسوشيتد برس نقلت أن الزيارة ارتبطت بمحاولة نتنياهو دفع الجانب الإماراتي إلى نفي الرواية المتعلقة بالتحذير السابق، وهي نقطة رفض مكتب نتنياهو توصيفها بهذه الصورة.

إذن ، حتى لو وضعنا جانباً كل التفسيرات السياسية ، يبقى هذا الملف أحد العوامل التي تجعل توقيت اللقاء لافتاً.

رابعاً: إيران .. الملف الذي يصعب تجاهله

الأهم من ذلك كله هو أن اللقاء يأتي وسط تصعيد إقليمي واسع مرتبط بإيران.

وبحسب التقارير المتاحة، فإن المحادثات الإماراتية الإسرائيلية تناولت إلى جانب العلاقات الثنائية عدداً من الملفات الإقليمية، وعلى رأسها التطورات المتعلقة بإيران.

وهنا يصبح الأمر أكثر وضوحاً.

الإمارات دولة خليجية ذات علاقات ومصالح مباشرة مع البيئة الإقليمية المحيطة بإيران ، وإسرائيل تنظر إلى إيران باعتبارها  أحد أهم الملفات الأمنية والاستراتيجية لديها.

وبالتالي فإن أي تصعيد كبير بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى ستكون له انعكاسات مباشرة على دول الخليج ، وعلى حركة التجارة والطاقة والممرات البحرية.

ومن هنا فإن التنسيق الأمني والسياسي بين الأطراف الإقليمية يصبح مفهومًا حتى بعيداً عن الروايات الأكثر إثارة.

خامساً: الحوثيون وباب المندب.. الحلقة التي تصل الخليج بمصر

هناك ملف آخر لا يمكن فصله عن الصورة الكبرى:

البحر الأحمر وباب المندب.

فأي تصعيد واسع في الإقليم يمكن أن ينعكس على أمن الملاحة الدولية، خصوصاً إذا اتسعت دائرة المواجهة لتشمل الحوثيين أو مناطق استراتيجية على البحر الأحمر.

وهذا الملف لا يعني السعودية وحدها.

بل يعني مصر أيضاً بصورة مباشرة، بسبب ارتباط حركة الملاحة في البحر الأحمر بقناة السويس، كما يعني دول الخليج التي تعتمد بدرجات مختلفة على استقرار خطوط الطاقة والتجارة العالمية.

ولهذا فإن أي ترتيبات أمنية إقليمية تتعلق بإيران أو الحوثيين أو البحر الأحمر لن تكون مجرد قضية إسرائيلية أو خليجية، وإنما ستكون لها آثار تتجاوز حدود أطرافها المباشرة.

سادساً: وماذا عن ليبيا؟

هنا تظهر واحدة من أكثر النقاط إثارة للاهتمام في التقارير التي ظهرت بالتزامن مع الزيارة.

فصحيفة «إل فوليو» الإيطالية تحدثت عن لقاء سري محتمل بين نتنياهو وصدام حفتر، نجل المشير خليفة حفتر، في أبوظبي خلال وجود نتنياهو هناك. كما أشارت تقارير أخرى إلى وصول طائرة مرتبطة بصدام حفتر إلى أبوظبي في توقيت قريب من وصول نتنياهو.

لكن يجب التمييز هنا بين التقرير الصحفي وبين الحقيقة المثبتة رسمياً.

فحتى الآن، الحديث عن اللقاء يُنسب إلى تقارير إعلامية، وليس إلى إعلان رسمي إسرائيلي أو إماراتي أو ليبي يؤكده.

ومع ذلك، فإن مجرد ظهور هذه التقارير بالتزامن مع زيارة نتنياهو يستحق المتابعة ، لأن ليبيا أصبحت منذ سنوات جزءاً من شبكة التنافس الإقليمي والدولي في شرق المتوسط وشمال أفريقيا.

ومن هنا يمكن فهم لماذا قد تصبح أبوظبي نقطة التقاء بين ملفات متعددة لا تبدو للوهلة الأولى مترابطة.

سابعاً : إثيوبيا والقرن الأفريقي

أما الملف الأكثر تعقيداً فهو إثيوبيا.

فإثيوبيا ترتبط بإسرائيل بعلاقات استراتيجية وأمنية وتاريخية، بينما تمتلك الإمارات أيضاً علاقات اقتصادية وسياسية وأمنية واسعة مع أطراف مختلفة في القرن الأفريقي.

وهذا يجعل منطقة القرن الأفريقي جزءًا مهماً من حسابات الأمن الإقليمي ، خصوصاً عندما نضع في الاعتبار:

مياه النيل
البحر الأحمر
باب المندب
السودان
إثيوبيا
ومصالح القوى الإقليمية والدولية المتنافسة.

لكن هنا تحديداً يجب الحذر من القفز من وجود علاقات بين هذه الدول إلى استنتاج وجود «خطة واحدة» تتحرك فيها جميع الأطراف بالضرورة وفق غرفة عمليات مشتركة.

السياسة الدولية أكثر تعقيداً من ذلك.

قد تتقاطع المصالح دون أن تتطابق.

وقد تتعاون دولتان في ملف، بينما تختلفان في ملف آخر.

وقد تستخدم دولة علاقاتها مع طرف ما للضغط على طرف ثالث دون أن يعني ذلك وجود تحالف شامل بين الجميع.

وهذا هو جوهر قراءة العلاقات الدولية بصورة واقعية.

ثامناً : لماذا توقيت الزيارة أهم من عنوانها؟

لأن السياسة لا تُقرأ فقط من البيانات الرسمية.

البيان يقول:

«تعزيز العلاقات الثنائية»

لكن المحلل السياسي يسأل:

ما الذي جعل تعزيز العلاقات مطلوباً في هذه اللحظة تحديداً؟

البيان يقول:

«بحث القضايا الإقليمية»

لكن السؤال:

أي قضايا إقليمية؟ إيران؟ الحوثيون؟ غزة؟ البحر الأحمر؟ ليبيا؟ أمن الخليج؟ أم أكثر من ملف في الوقت نفسه؟

والأهم:

هل كانت الزيارة جزءًا من تحرك منفرد، أم حلقة ضمن اتصالات إقليمية أوسع؟

وهذا السؤال الأخير هو الذي يستحق المتابعة خلال الفترة المقبلة.

الخلاصة

المؤكد حتى الآن أن نتنياهو زار الإمارات والتقى الشيخ محمد بن زايد، وأن الجانب الإماراتي أكد الزيارة رسمياً، بينما أشارت التقارير إلى مناقشة العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية ، مع بقاء بعض التفاصيل الأخرى محل تقارير متباينة.

أما ما وراء ذلك، فلا ينبغي تحويله إلى حقائق نهائية قبل ظهور أدلة أو بيانات رسمية أكثر تفصيلًا.

لكن من الناحية السياسية، فإن تزامن الزيارة مع تصاعد التوتر حول إيران، واستمرار أزمة البحر الأحمر والحوثيين ، وعودة ملف تحذيرات ما قبل 7 أكتوبر إلى الواجهة، وظهور تقارير عن اتصالات مرتبطة بليبيا، يجعل من الصعب النظر إلى الزيارة باعتبارها مجرد لقاء بروتوكولي عابر.

وفي العلاقات الدولية، أحياناً لا تكون أهمية الاجتماع في الكلمات التي قيلت أمام الكاميرات ، وإنما في الملفات التي دارت حولها المفاوضات بعيدًا عن الكاميرات.

ولهذا فإن قراءة الأخبار لا يجب أن تتوقف عند:

«ماذا قال البيان الرسمي؟»

بل يجب أن تمتد إلى:

«لماذا الآن؟ ومن حضر؟ وما الذي كان يحدث في الإقليم في اللحظة نفسها؟ وما المصالح التي يمكن أن تلتقي أو تتعارض خلف هذا التحرك؟»

هذه هي الطريقة التي يمكن من خلالها تفكيك عناوين الأخبار، وفهم السياسة باعتبارها شبكة مصالح وتحركات متداخلة، لا مجرد بيانات دبلوماسية مكتوبة بلغة بروتوكولية.

والملفات المرتبطة بإيران، والبحر الأحمر، وليبيا، والقرن الأفريقي، وإثيوبيا، تستحق كل منها قراءة مستقلة ، لأن الربط بينها يحتاج إلى أدلة وتفاصيل أكثر مما يسمح به عنوان واحد أو زيارة واحدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى