مقالات

إثيوبيا والتحركات العسكرية على الحدود السودانية

بقلم : يوحنا عزمي

في وسط المشهد السوداني بالغ التعقيد، حيث تتداخل الحسابات العسكرية مع المصالح الإقليمية والدولية، تبرز تساؤلات جوهرية حول التطورات الأخيرة على الحدود المصرية السودانية، وتداعيات مقتل مواطنين مصريين في الخرطوم ، وما يُثار بشأن تحركات عسكرية إثيوبية محتملة في الاتجاه الشرقي من السودان. فهل نحن أمام أحداث متفرقة لا رابط بينها ، أم أن هناك أطرافاً قد تستفيد من تحويل الأنظار عن جبهات أخرى أكثر خطورة؟

والأهم : كيف يمكن قراءة هذه التطورات بعيداً عن الانفعالات الشعبية وحملات التعبئة الإعلامية التي قد تدفع البلدين إلى مواجهة لا تخدم مصالح أي منهما؟

إن قراءة المشهد تتطلب أولًا التمييز بين الوقائع المؤكدة، والروايات المتداولة، والاستنتاجات السياسية التي تحتاج إلى أدلة مستقلة قبل التعامل معها باعتبارها حقائق نهائية.

في البداية ، لا يمكن فصل التطورات المرتبطة بالأنشطة غير المشروعة على الحدود المصرية السودانية عن التحديات الأمنية التي تواجه الدولتين. فالمناطق الحدودية الممتدة ، بما تتسم به  من طبيعة جغرافية معقدة وصعوبة في الرقابة المستمرة ، تمثل بيئة مناسبة لنشاط شبكات التهريب والتنقيب غير القانوني عن الذهب، فضلًا عن تحركات مجموعات مسلحة قد تستغل هشاشة الأوضاع الأمنية في بعض المناطق السودانية.

ومن هذا المنطلق، فإن حماية الحدود المصرية وتأمينها ضد التسلل والأنشطة الإجرامية يمثلان جزءًا أصيلًا من مسؤولية الدولة في حماية أمنها القومي. ولا يمكن مطالبة أي دولة بالتخلي عن واجبها في مواجهة التهديدات التي تستهدف أراضيها أو منشآتها أو قواتها.

لكن في المقابل ، فإن تقييم أي عملية عسكرية يتطلب معلومات دقيقة بشأن موقعها الجغرافي، وطبيعة الأهداف التي استهدفتها، والجهة التي نفذتها ، ومدى الالتزام بالقواعد المنظمة لاستخدام القوة. ولذلك، فإن وصف أي ضربة بأنها استهدفت العمق السوداني، أو الجزم بأنها اقتصرت على نطاق الحدود، لا ينبغي أن يستند إلى الانطباعات أو التفسيرات المتداولة وحدها ، بل إلى خرائط موثقة وبيانات رسمية ومعلومات ميدانية يمكن التحقق منها.

كما أن الحديث عن توجيه تحذيرات مسبقة أو إلقاء منشورات تطالب بالإخلاء، إذا ثبت، يمثل عنصراً مهماً في فهم سياق العملية العسكرية ، لكنه لا يغني عن التحقق من طبيعة الأهداف والظروف التي أحاطت بها.

فالمعادلة هنا واضحة : حماية الأمن القومي المصري حق مشروع ، والحفاظ على سيادة السودان وسلامة مواطنيه مصلحة استراتيجية لا تقل أهمية. ولا تعارض بين الأمرين ما دامت الوقائع تُناقش بموضوعية ، بعيداً عن محاولات تحويل  كل حادث حدودي إلى أزمة سياسية بين الشعبين.

وعلى الجانب الآخر ، تفرض واقعة مقتل سائقين مصريين في العاصمة السودانية الخرطوم، وفقاً للرواية المتداولة، ضرورة إجراء تحقيق جاد لتحديد ملابسات الحادث ودوافعه والجهات المسؤولة عنه. فمن غير المقبول أن يتحول المدنيون إلى أهداف للعنف أو أن يُحمل الأبرياء مسؤولية نزاعات لا علاقة لهم بها.

لكن الأخطر من الجريمة ذاتها هو توظيفها سياسياً وإعلامياً قبل اكتمال التحقيقات، سواء من خلال محاولات الانتقام الفردي أو عبر حملات تستهدف تأليب الرأي العام في إحدى الدولتين ضد الأخرى.

وإذا صحت الرواية التي تربط الجريمة بدافع انتقامي على خلفية مقتل أحد العاملين في التنقيب عن الذهب، فإن ذلك يظل احتمالًا يستوجب التحقيق والإثبات، لا حقيقة نهائية يمكن بناء استنتاجات سياسية واسعة عليها دون أدلة.

ففي بيئة تعاني من انتشار السلاح وتعدد الجماعات المسلحة وضعف السيطرة الأمنية في بعض المناطق، قد تتحول الجرائم الفردية إلى شرارات لأزمات أوسع ، خصوصاً عندما تتزامن مع خطاب إعلامي تصعيدي يسعى إلى تحويل الغضب الشعبي إلى خصومة جماعية.

وهنا تكمن الخطورة الحقيقية، إذ إن العلاقات بين مصر والسودان لا يمكن اختزالها في حادث أمني أو عملية عسكرية أو منشورات غاضبة على مواقع التواصل الاجتماعي. فالعلاقات بين البلدين ترتبط بالجغرافيا والتاريخ والمصالح المشتركة والأمن المائي والتجاري ، فضلًا عن التشابكات الاجتماعية والإنسانية بين الشعبين.

ومن ثم ، فإن تحويل أي خلاف إلى خطاب يتعامل مع مصر باعتبارها عدواً للسودانيين ، أو يصور السودانيين باعتبارهم خصماً للمصريين ، لا يقدم حلًا للأزمة ، بل يفتح الباب أمام مزيد من الاستقطاب ويمنح الأطراف المستفيدة من الانقسام فرصة لتوسيع نفوذها.

ومع ذلك ، فإن مواجهة الخطاب التحريضي لا تكون بتعميم الاتهامات المضادة، أو وصف كل صوت معارض بأنه مأجور أو تابع لجهة خارجية ، وإنما بكشف المعلومات المضللة ، وتفنيد الادعاءات بالأدلة، ومحاسبة المسؤولين عن التحريض أو ارتكاب الجرائم وفقاً للقانون.

فالحروب الحديثة لا تُدار بالسلاح وحده، إذ أصبحت المعلومات والشائعات وتوجيه الرأي العام أدوات مؤثرة في تشكيل البيئة السياسية والأمنية المحيطة بالصراعات. لكن إدراك هذه الحقيقة لا يعني أن كل حدث متزامن جزء من مؤامرة واحدة، بل يفرض ضرورة فحص الوقائع والبحث عن الأدلة قبل الربط بينها.

وفي هذا السياق، تبرز الجبهة الشرقية للسودان باعتبارها واحدة من أكثر المناطق أهمية في معادلات الأمن الإقليمي، خاصة في ظل التوترات القائمة في منطقة القرن الإفريقي، وتشابك المصالح بين السودان وإثيوبيا، فضلاً عن النزاع الحدودي حول منطقة الفشقة.

فهذه المنطقة ليست مجرد مساحة جغرافية متنازع عليها، بل تمثل نقطة التقاء بين اعتبارات السيادة والأمن الغذائي والتحركات العسكرية وحسابات النفوذ الإقليمي. وقد أضافت الحرب السودانية مزيدًا من التعقيد إلى المشهد ، بعدما أدت إلى إضعاف مؤسسات الدولة وتعدد مراكز القوة المسلحة وخلق بيئة تسمح بتداخل الصراع الداخلي مع التنافس الخارجي.

وتزداد أهمية هذا الملف في ضوء حساسية العلاقات السودانية الإثيوبية، وما شهدته منطقة الفشقة خلال السنوات الماضية من توترات واشتباكات حدودية. فاستمرار هشاشة الوضع الأمني داخل السودان قد يخلق فرصاً أمام أطراف إقليمية لتعزيز مواقعها أو ممارسة ضغوط سياسية وعسكرية لتحقيق مصالحها.

وفي هذا الإطار ، تتداول بعض الروايات مزاعم بشأن وجود تحشيدات عسكرية داخل إثيوبيا ، ومشاركة عناصر من قوات الدعم السريع في تحركات محتملة باتجاه ولايتي القضارف ومناطق الفشقة، إلى جانب الحديث عن إسناد عسكري إثيوبي واستخدام طائرات مسيّرة لأغراض الاستطلاع والمراقبة.

غير أن هذه المعلومات، على خطورتها، تحتاج إلى تحقق مستقل من مصادر موثوقة، ولا يصح التعامل معها باعتبارها دليلًا قاطعاً على وجود خطة إثيوبية لغزو السودان قبل صدور معلومات موثقة بشأن حجم التحركات وطبيعتها وأهدافها.

فالفارق كبير بين رصد نشاط عسكري أو تحركات لوجستية على الحدود ، وبين إثبات وجود قرار سياسي وعسكري بشن عملية عسكرية واسعة. كما أن إثبات مشاركة عناصر من الدعم السريع في أي تحركات خارج مناطق انتشارها المعتادة يتطلب أدلة محددة بشأن هويات هذه العناصر ومسارات انتقالها والجهات التي تتولى دعمها.

وبالمثل، فإن رصد طائرة مسيّرة أو إسقاطها، إذا ثبتت الواقعة، لا يكفي وحده لإثبات أنها جزء من خطة اجتياح وشيكة، إذ يتعين تحديد الجهة التي تتبعها، ومهمتها، والظروف التي كانت تعمل فيها.

إن هذه الدقة ليست ترفاً إعلامياً ، بل ضرورة استراتيجية، لأن التعامل مع معلومات غير مكتملة باعتبارها حقائق نهائية قد يقود إلى تقديرات خاطئة ، ويزيد من حدة التوتر في منطقة لا تحتمل مزيدًا من التصعيد.

ومع ذلك، فإن احتمالات فتح جبهات جديدة في شرق السودان تظل مسألة تستحق المتابعة الجادة، خصوصاً إذا توافرت مؤشرات موثوقة على إعادة انتشار قوات أو إقامة خطوط إمداد أو تنسيق بين تشكيلات مسلحة وأطراف خارجية.

فإذا ثبت وجود تحركات من هذا النوع، فإن دلالاتها لن تقتصر على الجانب العسكري، بل ستمتد إلى مستقبل وحدة السودان، وقدرة مؤسساته على حماية حدوده ، وتوازنات القوة في منطقة القرن الإفريقي.

كما أن أي تصعيد على الحدود السودانية الإثيوبية سيحمل انعكاسات محتملة على الأمن المصري، بالنظر إلى الترابط الجغرافي والاستراتيجي بين الملفات السودانية والإثيوبية والمصرية، وما يرتبط بها من قضايا الحدود ومياه النيل والاستقرار الإقليمي.

ومن هنا ، فإن القاهرة معنية بمتابعة تطورات الشرق السوداني، كما أن الخرطوم معنية بالحفاظ على قنوات التواصل مع مصر، لا باعتبار ذلك موقفاً عاطفياً أو مجاملة سياسية ، بل انطلاقاً من حسابات المصالح والأمن المشترك.

أما القول إن التوترات المصرية السودانية صُنعت عمداً لصرف الأنظار عن تحركات إثيوبية محتملة، فهو استنتاج سياسي يمكن طرحه بوصفه فرضية، لكنه يحتاج إلى أدلة تثبت وجود تنسيق أو تخطيط متعمد بين الأطراف المعنية. فالتزامن بين حادثين لا يعني بالضرورة وجود علاقة سببية بينهما، حتى وإن استفاد طرف ثالث من تداعياتهما.

ومع ذلك ، فإن السؤال الاستراتيجي الذي ينبغي طرحه يظل مشروعاً : من المستفيد من انشغال الرأي العام السوداني بأزمة مع مصر، في الوقت الذي يواجه فيه السودان تحديات أمنية وعسكرية على جبهات أخرى؟

هذا السؤال لا يجيب عنه تبادل الاتهامات، بل تتطلب الإجابة عنه دراسة مصالح الأطراف الإقليمية ، ومواقفها المعلنة ، وتحركاتها الميدانية، وأنماط الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي الذي تقدمه للقوى المختلفة داخل السودان.

ويجب هنا عدم إغفال الدور الذي تلعبه المصالح الاقتصادية المرتبطة بالذهب السوداني. فقد أصبح الذهب أحد الموارد المهمة في اقتصاد الحرب ، ومصدراً محتملًا لتمويل الجماعات المسلحة وشبكات التهريب ، فضلًا عن ارتباط تجارته بمسارات إقليمية ودولية معقدة.

لكن الحديث عن نهب الذهب السوداني أو تمويل أطراف مسلحة من عائداته يستوجب التمييز بين الوقائع الموثقة والاتهامات السياسية. فمسؤولية أي دولة أو شركة أو شبكة تجارية يجب أن تُحدد استنادًا إلى الأدلة، لا إلى التعميمات التي تضع أطرافًا مختلفة في سلة واحدة.

والأمر ذاته ينطبق على الأدوار الخارجية في الحرب السودانية، إذ إن تعدد الجهات المتداخلة في الأزمة يجعل من الضروري فحص كل دور على حدة، وتحديد طبيعة الدعم المقدم، وأهدافه، ومدى تأثيره في استمرار الحرب أو إطالة أمدها.

فالسودان لا يواجه أزمة داخلية فحسب، بل يواجه أيضاً تحدياً يتعلق بمنع تحوله إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية. وكلما تراجعت قدرة الدولة على ضبط حدودها ومواردها ، زادت فرص الأطراف الخارجية في استثمار الفوضى لتحقيق مكاسب استراتيجية أو اقتصادية.

وهنا ينبغي أن تتجه بوصلة الإهتمام السوداني إلى مجمل التهديدات التي تواجه البلاد، بدلًا من اختزال المشهد في خصومة مع دولة واحدة، أو التعامل مع أي خلاف عابر باعتباره دليلًا على عداء استراتيجي.

فمصر ليست بمنأى عن تداعيات انهيار السودان، كما أن السودان لا يستطيع تجاهل أثر الاستقرار المصري في محيطه الإقليمي. وهذا لا يعني تطابق مواقف البلدين في كل الملفات، لكنه يعني أن إدارة الخلافات تظل أقل تكلفة بكثير من تحويلها إلى صراعات مفتوحة.

كذلك، فإن احتضان مصر أعداداً كبيرة من السودانيين الفارين من الحرب يمثل أحد أوجه الترابط الإنساني بين الشعبين، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى أداة للمزايدة السياسية أو وسيلة لإلغاء حق أي طرف في المطالبة بالتحقيق في انتهاك أو الاعتراض على إجراء يراه ضارًا بمصالحه.

فالعلاقات المستقرة لا تقوم على إنكار الخلافات، بل على إدارتها بشفافية ، وتجنب العقاب الجماعي ، والاحتكام إلى الحقائق والقانون ، ومنع القوى المتطرفة أو الشبكات الإجرامية من استغلال الأزمات لتحقيق أهدافها.

وفي المحصلة ، فإن المشهد الراهن يضع السودان أمام اختبار بالغ الصعوبة : كيف يحافظ على وحدته وسيادته ، ويواجه الحرب الداخلية ، ويحمي حدوده الشرقية، ويمنع استنزاف موارده، من دون أن يسمح للتوترات الجانبية بإشغاله عن مصادر الخطر الأكثر تأثيرًا في مستقبل الدولة؟

كما يضع مصر أمام مسؤولية الحفاظ على أمن حدودها، والتعامل بحزم مع الأنشطة غير المشروعة ، مع إبقاء قنوات التواصل مع السودان مفتوحة، ومنع أي حادث من التحول إلى أزمة استراتيجية بين البلدين.

أما ما يُثار بشأن التحشيدات الإثيوبية والاستعداد لفتح جبهة جديدة في القضارف والفشقة ، فيستحق التدقيق والمتابعة، لكنه  لا ينبغي أن يتحول إلى حقيقة محسومة قبل التحقق من الأدلة. فالأمن القومي لا يُحمى بالشائعات ، كما أن الوعي السياسي لا يعني تصديق كل رواية مثيرة، بل القدرة على التمييز بين المعلومة المؤكدة والادعاء المحتمل والاستنتاج الذي لا يزال بحاجة إلى إثبات.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث للسودان ليس مجرد فتح جبهة عسكرية جديدة، بل أن يفقد القدرة على تحديد أولوياته، وأن تتحول معاناته الداخلية إلى مدخل لتوسيع الصراعات الإقليمية على حساب وحدته وسيادته ومستقبله.

ولذلك، فإن المطلوب اليوم ليس تأجيج العداء بين القاهرة والخرطوم، ولا إطلاق اتهامات غير موثقة بحق أديس أبابا أو غيرها، وإنما كشف الحقائق، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم، ومراقبة التحركات العسكرية بالأدلة، وحماية الموارد السودانية من شبكات الاستغلال والتهريب.

ففي منطقة تتشابك فيها المصالح وتتصارع فيها القوى، يصبح الوعي الاستراتيجي ضرورة لا غنى عنها، وتصبح حماية العلاقات بين الشعوب جزءًا من حماية الأمن القومي ، لا تنازلًا عنه.

فالخلافات قد تفرضها السياسة، لكن تحويلها إلى عداوات دائمة لا يخدم إلا من يجد في انقسام الدول فرصة لتوسيع نفوذه، وفي انشغال الشعوب عن أزماتها الحقيقية وسيلة لتحقيق مصالحه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى