هل يدفع الخليج ثمن حرب إقليمية مفتوحة؟

بقلم : يوحنا عزمي
إن انفجار المنطقة في حرب إقليمية شاملة، ذات أبعاد وجودية واستراتيجية ، لم يعد سيناريو يمكن استبعاده بسهولة في ظل المسار الراهن للأحداث، وإن كان الوصول إلى هذه المرحلة ليس قدراً محتوماً. فالتصعيد المتراكم، وتداخل ساحات الصراع، واتساع نطاق المواجهة بين القوى الإقليمية والدولية ، كلها عوامل تدفع الشرق الأوسط تدريجياً نحو مرحلة أكثر خطورة ، قد يصبح الخروج منها أكثر كلفة وتعقيداً كلما تأخرت التسويات السياسية.
في هذا السياق، تبرز المواجهة المحتملة بين السعودية والحوثيين باعتبارها إحدى الجبهات التي تحمل مخاطر التصعيد المتبادل، خصوصاً في ظل هشاشة التفاهمات الإقليمية، واستمرار التوترات المرتبطة باليمن وأمن الملاحة والمنشآت الحيوية. فكلما اتسعت دائرة الاستهداف، تراجعت فرص احتواء الأزمة، وازدادت احتمالات انتقالها من مواجهة محدودة إلى صراع تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع رهانات النفوذ الإقليمي.
أما الملف الإيراني، فيظل أحد أكثر الملفات قابلية لإعادة إشعال المواجهة. فاحتمالات تجدد الصدام بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل لا يمكن فصلها عن طبيعة الخلافات الاستراتيجية العميقة، ولا عن التنافس على النفوذ والقدرات العسكرية وممرات الطاقة. غير أن الحديث عن عودة الحرب باعتبارها أمراً محسوماً، أو عن وجود خطة مؤكدة لاجتياح القواعد الأمريكية في الخليج، يظل بحاجة إلى أدلة موثوقة ومعلومات قابلة للتحقق ، لا إلى تسريبات غير مؤكدة أو تقديرات يجري تداولها دون سند واضح.
ومع ذلك، فإن الخطر الاستراتيجي الحقيقي لا يتوقف على صحة كل سيناريو متداول ، بل يكمن في أن المنطقة أصبحت تواجه احتمالات متعددة للتصعيد ، وأن أي خطأ في الحسابات أو سوء تقدير لنوايا الخصوم قد يفتح الباب أمام مواجهة تتجاوز حدود الدولة التي تبدأ منها.
الخليج .. من ميزة الاستقرار إلى مخاطر الاستنزاف
من وجهة نظري، فإن دول الخليج من أكثر الأطراف التي يتعين عليها إعادة تقييم كلفة استمرار الصراع الإقليمي ، لأن أحد أهم مصادر قوتها خلال العقود الماضية تمثل في قدرتها على الجمع بين الاستقرار السياسي ، وجاذبية الاستثمار ، وأمن البنية التحتية، والموقع الاستراتيجي الذي يربط أسواق الطاقة والتجارة العالمية.
هذه المزايا ليست مجرد عناصر اقتصادية، بل تمثل جزءًا أساسياً من القوة الجيوسياسية لدول الخليج. فالاستقرار هو الذي يمنح المستثمر الثقة ، ويشجع الشركات الدولية على توسيع أنشطتها، ويعزز مكانة الموانئ والمطارات ومراكز الخدمات المالية واللوجستية.
لكن ماذا يحدث عندما تصبح احتمالات استهداف المنشآت الحيوية جزءًا من الحسابات اليومية للأسواق والحكومات؟ وماذا يعني أن تتحول الصواريخ والطائرات المسيرة والتهديدات الأمنية إلى عوامل دائمة التأثير في قرارات الاستثمار والتأمين والنقل والطاقة؟
هنا تبدأ المشكلة الحقيقية، إذ لا يشترط أن تدخل الدولة حرباً شاملة حتى تتحمل خسائرها. يكفي أحياناً أن ترتفع المخاطر الأمنية بصورة مستمرة، وأن تتراجع الثقة في قدرة المنطقة على الحفاظ على الاستقرار، حتى تبدأ الكلفة الاقتصادية والإستراتيجية في الظهور.
إن استهداف منشأة للطاقة أو تهديد مطار أو تعريض خطوط الملاحة للخطر لا يمثل مجرد حادث عسكري عابر، بل يبعث برسالة إلى الأسواق مفادها أن البنية التحتية الحيوية قد أصبحت جزءًا من معادلة الصراع. وتكرار مثل هذه الحوادث، إن حدث، من شأنه أن يضعف إحدى أهم المزايا التنافسية لدول الخليج، وهي قدرتها على تقديم بيئة آمنة للأعمال والاستثمار.
ومن هنا يمكن فهم التحذير من انتقال المنطقة إلى نمط من الصراعات الممتدة التي تستنزف الموارد وتفرض على الدول إعادة توجيه جزء متزايد من إنفاقها نحو الدفاع والحماية وإدارة الأزمات، بدلًا من توظيف هذه الموارد في التنمية والتحديث وتنويع الاقتصاد.
ويمكن وصف هذا المسار، على سبيل التحليل، بأنه نوع من “أكرنة الخليج”. أي انتقال المنطقة تدريجياً إلى واقع أمني تتداخل فيه التهديدات العسكرية مع الحياة الاقتصادية والسياسية، وتصبح فيه احتمالات التصعيد عنصراً ثابتاً في حسابات الدولة والمجتمع والأسواق.
لكن المقارنة مع تجارب إقليمية أخرى يجب أن تظل تحليلية ، لا أن تتحول إلى مساواة كاملة بين ظروف مختلفة، فلكل دولة خصوصيتها، ولكل صراع أسبابه وتوازناته. والمغزى الأساسي من هذا التحذير هو أن استمرار التوتر قد يبدد تدريجياً المكاسب التي راكمتها دول الخليج بفضل الاستقرار ، حتى دون اندلاع حرب شاملة.
الحسابات الأمريكية.. هل تنتهي المواجهة بالانسحاب وتُترك المنطقة لمصيرها؟
في قراءة المشهد الأمريكي ، لا بد من التمييز بين ما يمكن إثباته من السياسات والتحركات المعلنة، وبين ما يظل في إطار التقديرات المتعلقة بالنوايا المستقبلية.
فواشنطن تتعامل مع الشرق الأوسط من خلال شبكة معقدة من المصالح، تشمل أمن إسرائيل، وحماية القوات والمنشآت الأمريكية، وأمن الملاحة الدولية ، واستقرار أسواق الطاقة، ومنع خصومها من توسيع نفوذهم. وفي الوقت نفسه ، تواجه الولايات المتحدة حسابات داخلية تتعلق بكلفة التدخلات العسكرية ، وأولوياتها الدولية ، وحدود قدرتها على إدارة أكثر من أزمة استراتيجية في آن واحد.
وفي هذا الإطار ، يطرح توقيت الانتخابات النصفية الأمريكية تساؤلات بشأن تأثير السياسة الداخلية على قرارات الإدارة المتعلقة بالحرب والسلام. لكن لا يجوز الجزم بأن ما بعد الانتخابات سيشهد بالضرورة ضربة أمريكية واسعة لإيران باستخدام أقوى الأسلحة المتاحة، أو أن واشنطن ستنسحب بعدها لتترك حلفاءها وحدهم في مواجهة تداعيات الحرب، ما لم تظهر أدلة موثوقة تدعم هذا السيناريو.
ومع ذلك، فإن على دول المنطقة أن تأخذ في الحسبان احتمال تغير الأولويات الأمريكية ، أو اختلاف مستوى الانخراط العسكري من مرحلة إلى أخرى ، أو سعي واشنطن إلى نقل جزء من أعباء المواجهة إلى شركائها الإقليميين.
وهنا تكمن المسألة الاستراتيجية الأهم: هل يكفي الاعتماد على المظلة الأمنية الأمريكية وحدها لضمان المصالح الوطنية في بيئة شديدة التقلب؟ أم أن المرحلة الحالية تفرض بناء ترتيبات إقليمية أكثر توازناً ، تتيح لدول المنطقة حماية أمنها ومصالحها دون الارتهان الكامل لحسابات أي قوة خارجية؟
إن الدول التي تربط أمنها بصورة مطلقة بقرارات قوة دولية واحدة قد تجد نفسها أمام معضلة عندما تتغير أولويات تلك القوة، أو عندما تتعارض حساباتها مع المصالح المباشرة لحلفائها. ولذلك، فإن تعزيز القدرة الذاتية على الردع ، وتطوير قنوات الحوار، وتوسيع التعاون الإقليمي ، ليست بدائل متعارضة بالضرورة ، بل يمكن أن تشكل عناصر متكاملة في سياسة أمنية أكثر استقلالًا ومرونة.
إيران والقدرات البشرية.. بين التعبئة الشعبية والحسابات العسكرية
من بين الملفات التي تستدعي التوقف عندها ما يُتداول بشأن استعداد إيران لتوسيع المواجهة، بما في ذلك الحديث عن تعبئة عشرات الملايين من المتطوعين، والانتقال إلى سيناريوهات برية تستهدف الوجود العسكري الأمريكي في الخليج.
إن الأرقام الضخمة المرتبطة بالتعبئة البشرية، ومنها رقم الثلاثين مليون متطوع ، لا ينبغي التعامل معها باعتبارها قوة عسكرية جاهزة للاستخدام الهجومي دون التحقق من مصدرها وطبيعتها. فهناك فارق جوهري بين قاعدة شعبية يُعلن استعدادها للتطوع، وبين قوة عسكرية مدربة ومجهزة وقادرة على الانتشار والقتال في عمليات خارج الحدود.
كما أن أي مواجهة برية واسعة مع القوات الأمريكية في منطقة الخليج ستواجه تحديات عسكرية ولوجستية وسياسية بالغة التعقيد، ولن تُحسم بمجرد امتلاك أعداد كبيرة من المتطوعين. فالحروب الحديثة تتطلب منظومات قيادة وسيطرة، وإمداداً مستمراً ، وتفوقاً أو قدرة على مواجهة التفوق الجوي، فضلًا عن حسابات الجغرافيا والتحالفات وكلفة التصعيد.
لكن تجاهل قدرة إيران على استخدام أدوات متعددة للضغط والردع سيكون بدوره خطأ في قراءة المشهد. فالتحدي لا يقتصر على القوات النظامية، بل يمتد إلى الصواريخ والطائرات المسيّرة، والقدرات البحرية، والشبكات الحليفة، وأدوات التأثير غير المباشر التي قد توسع نطاق المواجهة وتزيد كلفتها على الخصوم.
ولهذا، فإن المطلوب ليس تضخيم التهديدات أو التقليل منها، بل تقديرها على أساس معلومات دقيقة، وفهم الكيفية التي يمكن أن تتفاعل بها القدرات العسكرية مع الجغرافيا السياسية ومصالح الدول المجاورة.
فالخطر الأكبر لا يكمن بالضرورة في سيناريو واحد محدد، وإنما في تعدد المسارات التي قد تؤدي إلى التصعيد، وفي احتمال أن يتحول الرد على حادث محدود إلى سلسلة من الردود المتبادلة التي يصعب احتواؤها.
توسيع دائرة الحرب.. من يستفيد من استنزاف القوى الإقليمية؟
إذا اتسعت المواجهة، فإن آثارها لن تقتصر على إيران ودول الخليج والولايات المتحدة وإسرائيل. فهناك دول إقليمية كبرى، مثل تركيا ومصر وباكستان ، قد تجد نفسها أمام ضغوط سياسية وأمنية واقتصادية متزايدة، سواء بفعل تداعيات الحرب المباشرة، أو اضطراب الملاحة والطاقة، أو تغير موازين القوى، أو اتساع نطاق الاستقطاب الدولي.
غير أن انخراط هذه الدول في حرب إقليمية ليس نتيجة حتمية، بل يتوقف على طبيعة التطورات، ومصالح كل دولة، وحساباتها الأمنية، ومدى قدرتها على احتواء الضغوط الخارجية والداخلية.
ومع ذلك، فإن توسيع نطاق الصراع ليشمل عدداً أكبر من القوى الإقليمية سيؤدي إلى تعقيد المشهد بصورة كبيرة. فكلما زاد عدد الأطراف المسلحة، تعددت الأهداف وتضاربت الأولويات، وارتفعت احتمالات سوء التقدير، وأصبح التوصل إلى تسوية شاملة أكثر صعوبة.
والنتيجة المحتملة هي استنزاف موارد دول تمتلك ثقلًا سكانيًا وعسكرياً واقتصادياً مهماً، في صراع قد لا يحقق لأي منها مكاسب تتناسب مع حجم الخسائر. وقد تتراجع فرص التنمية ، وتزداد الضغوط على الموازنات العامة، وتتأثر حركة التجارة والاستثمار، فيما تستفيد أطراف أخرى من انشغال القوى الإقليمية بأزماتها الداخلية وتراجع قدرتها على التأثير في محيطها.
لكن تحديد المستفيد النهائي من هذه التطورات يظل مرتبطاً بمسار الأحداث ونتائجها ، ولا يمكن افتراض أن جميع القوى الخارجية تتحرك وفق خطة واحدة أو بهدف موحد. فالمصالح الدولية متشابكة، وقد تتفق بعض الأطراف في ملف وتختلف في ملفات أخرى.
ومع ذلك، فإن النتيجة التي تستحق التحذير منها هي أن يتحول الشرق الأوسط إلى ساحة استنزاف متبادل ، تنشغل فيها الدول بمواجهة بعضها بعضاً، بينما تتراجع قدرتها على معالجة تحدياتها التنموية، وحماية مصالح شعوبها، وصياغة ترتيبات أمنية مستقلة ومستدامة.
وهنا يبرز السؤال الذي ينبغي أن يشغل صانع القرار العربي والإسلامي: هل تخدم الحرب المصالح الاستراتيجية بعيدة المدى لدول المنطقة، أم أنها تضعف الجميع وتفتح المجال أمام مزيد من التدخلات الخارجية؟
مبادرة الوحدة وإنهاء الصراع.. هل تستطيع المنطقة بناء معادلة أمن جديدة؟
في مواجهة هذه المخاطر، تبرز الحاجة إلى الانتقال من منطق إدارة الأزمات المتلاحقة إلى منطق بناء نظام إقليمي قادر على منع نشوبها من الأساس. وفي هذا السياق، تطرح مبادرة «الوحدة وإنهاء الصراع» تصوراً يقوم على تعزيز التعاون بين الدول الإسلامية، وتطوير العلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية على أساس احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.
وتستحق هذه الفكرة النقاش الجاد، لا باعتبارها شعاراً عاطفياً عن الوحدة، بل باعتبارها محاولة للبحث عن صيغة جديدة تقلل فرص الصدام ، وتعيد تعريف المصالح المشتركة ، وتمنح دول المنطقة مساحة أكبر للتحرك بعيداً عن الاستقطاب الحاد بين المحاور الدولية والإقليمية.
غير أن نجاح أي مبادرة من هذا النوع يتطلب الانتقال من المبادئ العامة إلى آليات عملية واضحة. فالوحدة السياسية لا تتحقق بمجرد الدعوة إليها، والتعاون الأمني لا يستقيم دون الثقة المتبادلة، واحترام السيادة لا يصبح قاعدة راسخة إلا عندما تلتزم به جميع الأطراف، بما في ذلك عند اختلاف المصالح أو تعارض التوجهات.
ومن هنا، يمكن أن يبدأ المسار الواقعي عبر مجموعة من الخطوات المتدرجة، تشمل إنشاء قنوات دائمة للحوار بين الدول المعنية، وتطوير آليات للوساطة في النزاعات، والاتفاق على قواعد واضحة لعدم الاعتداء، وتعزيز التعاون في حماية الملاحة والبنية التحتية الحيوية، وتوسيع المصالح الاقتصادية المشتركة التي تجعل الحرب أكثر كلفة على جميع الأطراف.
كما يتطلب الأمر معالجة مصادر التوتر بدلًا من الاكتفاء بإدارة نتائجه، والعمل على بناء ترتيبات إقليمية تمنع استخدام أراضي الدول أو أجوائها أو منشآتها للإضرار بجيرانها، مع توفير ضمانات متبادلة تتيح لكل دولة حماية أمنها دون تهديد أمن الآخرين.
ومن المهم أيضًا ألا يتحول مفهوم الوحدة إلى محاولة لفرض موقف سياسي واحد على جميع الدول، أو تجاهل الاختلافات القائمة بينها. فالتعاون المستدام لا يتطلب تطابقاً كاملًا في الرؤى، وإنما يحتاج إلى حد أدنى من التوافق حول المصالح المشتركة، وإلى مؤسسات وآليات قادرة على إدارة الخلافات دون اللجوء إلى القوة.
إن بناء نظام تعاون إسلامي أوسع يمكن أن يفتح المجال أمام تنسيق اقتصادي وأمني وسياسي أكثر فاعلية، لكنه سيظل مشروعًا يحتاج إلى إرادة سياسية، ومصالح متبادلة، وخطوات قابلة للتنفيذ، وقدرة على تحويل المبادئ المعلنة إلى التزامات عملية.
الشرق الأوسط أمام مفترق طرق تاريخي
إن المنطقة تقف أمام مرحلة شديدة الحساسية، تتداخل فيها التحولات العسكرية مع إعادة ترتيب النفوذ الإقليمي والدولي، وتواجه فيها الدول اختباراً حقيقياً لقدرتها على حماية مصالحها دون الانجرار إلى صراعات مفتوحة.
ولا ينبغي أن يُفهم التحذير من الحرب باعتباره دعوة إلى الاستسلام أو التخلي عن الحقوق والمصالح الوطنية، كما لا ينبغي أن تُقدَّم الدعوة إلى التهدئة باعتبارها تجاهلًا للتهديدات الأمنية. فالدول تحتاج إلى الردع ، لكنها تحتاج أيضاً إلى الدبلوماسية؛ وتحتاج إلى حماية أمنها، لكنها تحتاج كذلك إلى تجنب الحروب التي قد تستنزف قدراتها وتبدد مكاسبها.
ومن هذا المنطلق، فإن تصوير الحرب باعتبارها الخيار الوحيد، أو اعتبار التصعيد مصلحة مؤكدة لدولة بعينها، يتجاهل حقيقة أن الحروب الإقليمية نادراً ما تبقى محصورة في أهدافها الأولى، وأن تداعياتها قد تمتد إلى قطاعات الاقتصاد والطاقة والأمن والغذاء والاستثمار والعلاقات الدولية.
إن من مصلحة دول الخليج أن تحافظ على استقرارها ومكانتها الاقتصادية، ومن مصلحة إيران أن تتجنب حربًا واسعة قد تفرض عليها أثمانًا باهظة، ومن مصلحة مصر وتركيا وباكستان وسائر دول المنطقة ألا تجد نفسها مضطرة إلى الانخراط في صراع يستنزف مواردها ويهدد استقرارها. وهذه المصالح لا تعني تطابق المواقف، لكنها تتيح مساحة يمكن البناء عليها لمنع الانفجار.
إن المرحلة المقبلة قد تحمل تحولات مهمة في موازين القوى، لكن طبيعة هذه التحولات ونتائجها ليست محسومة سلفًا. ولذلك، تقع على عاتق القيادات السياسية والنخب الفكرية والإعلامية مسؤولية المساهمة في توجيه النقاش العام نحو الخيارات التي تقلل المخاطر، وتدعم الحلول السياسية، وتحافظ على قدرة شعوب المنطقة على تقرير مستقبلها.
فالتاريخ لا يمنح الدول ضمانات دائمة، ولا يحميها من نتائج القرارات الخاطئة. والمنطقة التي تمتلك من الموارد البشرية والاقتصادية والاستراتيجية ما يؤهلها للعب دور عالمي مؤثر، لا ينبغي أن تسمح بتحويل هذه الإمكانات إلى وقود لصراعات لا تنتهي.
إن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت المنطقة مقبلة على تغيير كبير، بل ما إذا كانت دولها قادرة على التأثير في اتجاه هذا التغيير. فإما أن تتحول الأزمات إلى فرصة لإعادة بناء الثقة وصياغة نظام تعاون إقليمي أكثر توازناً، وإما أن تؤدي الحسابات الضيقة والتصعيد المتبادل إلى واقع أكثر هشاشة، تدفع الشعوب ثمنه لسنوات طويلة.
إن السلام ليس غياباً للصراع فحسب، بل هو بناء توازن يحمي السيادة، ويضمن المصالح، ويمنع تحول الخلافات إلى حروب. وهذه هي المعادلة التي تستحق أن تتصدر أولويات المنطقة في هذه اللحظة الحرجة.



