مقالات

إتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين تركيا وشرق ليبيا

بقلم : يوحنا عزمي

تثير التطورات المتعلقة باتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين تركيا والجانب الليبي تساؤلات مهمة بشأن مستقبل التوازنات الجيوسياسية في منطقة شرق البحر المتوسط، ومدى انعكاس هذه التفاهمات على المصالح البحرية والاقتصادية لكل من مصر واليونان وقبرص والفلسطينيين. فالقضية هنا لا تتعلق بمجرد رسم خطوط على خريطة أو توزيع مساحات مائية، وإنما ترتبط بحقوق اقتصادية وسيادية، ومصادر محتملة للطاقة، وصراع إقليمي على النفوذ والممرات البحرية.

ولفهم أبعاد هذه القضية، يجب العودة إلى جذورها السياسية والاستراتيجية، والتمييز بين ما تسعى الأطراف المعنية إلى تحقيقه، وما تقرره قواعد القانون الدولي، بعيداً عن الحملات الإعلامية التي تحاول اختزال المسألة في اتهامات متبادلة أو تصوير الموقف المصري باعتباره دفاعاً عن مصالح دولة أخرى على حساب المصالح الوطنية.

أولاً: إتفاقية 2019.. حين تحولت الأزمة الليبية إلى بوابة للصراع البحري

تعود جذور الأزمة إلى نوفمبر 2019، عندما وقّعت تركيا وحكومة الوفاق الوطني الليبية اتفاقيتين للتعاون الأمني والعسكري وترسيم الحدود البحرية. وجاء ذلك في مرحلة شديدة الحساسية من الصراع الليبي، بعدما كثفت تركيا تدخلها لدعم حكومة الوفاق في مواجهة قوات خليفة حفتر التي كانت تتقدم باتجاه العاصمة طرابلس.

لم يكن التفاهم البحري منفصلًا عن الحسابات العسكرية والسياسية آنذاك، فقد تزامن مع إعادة ترتيب موازين القوى داخل ليبيا، وسعي أنقرة إلى تثبيت حضورها في غرب البلاد ، بالتوازي مع توسيع نطاق مطالبها البحرية في شرق المتوسط.

ومن المنظور التركي، تمثل الاتفاقية محاولة لإعادة صياغة الحدود البحرية بما يتيح لأنقرة المطالبة بنطاق بحري أوسع، مستندة إلى تصورها الخاص لكيفية ترسيم الحدود بين السواحل المتقابلة والمتجاورة. لكن هذا التصور اصطدم باعتراضات من مصر واليونان وقبرص، التي ترى أن تجاهل بعض الجزر اليونانية، وفي مقدمتها جزيرة كريت، لا يمكن أن يكون أساساً مقبولًا لتحديد الحقوق البحرية على النحو الذي تطرحه أنقرة.

وهنا تكمن نقطة الخلاف الأساسية: هل يمكن رسم حدود بحرية بين دولتين على نحو يتجاهل الأثر القانوني لجزر تقع بينهما أو بالقرب من خطوط الترسيم المقترحة؟ أم أن الأمر يتطلب مراعاة الحقوق البحرية للدول الأخرى ، وفقاً لقواعد القانون الدولي ذات الصلة؟

هذا السؤال هو جوهر النزاع، وليس مجرد الخلاف السياسي بين القاهرة وأنقرة.

ثانياً : لماذا يمثل تحوّل موقف برلمان شرق ليبيا تطوراً مهماً؟

المفاجأة التي أعادت الملف إلى الواجهة في أكتوبر 2026 هي موافقة مجلس النواب الليبي في بنغازي، يوم 20 أكتوبر، بالإجماع على مذكرة التفاهم البحرية الموقعة بين تركيا وحكومة الوفاق السابقة عام 2019، إلى جانب إلغاء قرارات سابقة اتخذها المجلس عام 2020 برفض الاتفاقيات مع أنقرة والدعوة إلى قطع العلاقات السياسية معها.

وهنا لا تكمن أهمية القرار في كونه إجراءً برلمانياً فحسب، بل في أنه يمثل تحولًا في حسابات أحد الأطراف الليبية التي كانت تعارض الاتفاقية في السابق ، وهو ما يمنح أنقرة فرصة لتوسيع نطاق التأييد السياسي الليبي لموقفها في شرق المتوسط.

فتركيا التي وقفت عسكرياً إلى جانب حكومة طرابلس في مواجهة قوات الشرق ، تسعى اليوم إلى الاستفادة من تغير المواقف السياسية لتثبيت تفاهماتها البحرية، وتحويلها إلى ورقة تفاوضية واقتصادية طويلة الأمد. وفي المقابل ، يرى مؤيدو الاتفاق داخل ليبيا أنه يعزز موقع بلادهم في المفاوضات البحرية ويخدم مصالحها الاقتصادية والأمنية.

لكن ينبغي هنا التمييز بين ثلاثة أمور: موافقة البرلمان الليبي، ومدى استيفاء الاتفاق للإجراءات القانونية اللازمة، ثم مدى إمكانية الاحتجاج به في مواجهة الدول الأخرى. فهذه مسائل مختلفة، ولا تعني الموافقة البرلمانية وحدها أن جميع المطالب البحرية الواردة في الاتفاق أصبحت حقوقاً دولية محسومة أو ملزمة للدول الثالثة.

ومن ثم ، فإن التحول الليبي يستدعي قراءة دقيقة للمواقف المصرية واليونانية والقبرصية، وكذلك لطبيعة الإجراءات القانونية والدبلوماسية التي يمكن أن تترتب عليه.

ثالثاً : معركة الخرائط.. من يملك الحق في رسم حدود شرق المتوسط؟

لفهم جوهر الخلاف ، علينا أن ندرك أن الحدود البحرية ليست خطوطًا يمكن لأي دولتين رسمها منفردتين ثم فرضها على بقية الدول. فالمناطق الاقتصادية الخالصة والحقوق المتعلقة بالجرف القاري تخضع لقواعد قانونية ، كما أن ترسيم الحدود بين الدول ذات السواحل المتقابلة أو المتجاورة قد يتطلب التفاوض للوصول إلى حل منصف ، مع مراعاة الظروف الجغرافية والقانونية ذات الصلة.

الاتفاق التركي الليبي يرسم تصوراً لحدود بحرية بين الساحل التركي والساحل الليبي ، لكن هذا التصور يتعارض مع الرؤية اليونانية التي تؤكد ضرورة الاعتداد بالحقوق البحرية للجزر، وفي مقدمتها كريت ، كما تعترض مصر على الاتفاق في سياق حماية حقوقها البحرية ومصالحها الاستراتيجية.

وتقول أنقرة إن الاتفاق يستند إلى القانون الدولي واجتهادات المحاكم، وتتمسك بأن الجزر لا ينبغي أن تحرم الساحل التركي من امتداده البحري بصورة غير متناسبة. وفي المقابل، ترفض اليونان هذا التصور، وتؤكد أن الاتفاق لا يمكنه الانتقاص من حقوق الدول الأخرى.

وهنا تظهر أهمية اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، ولا سيما المادة 121 المتعلقة بالنظام القانوني للجزر. فهذه المادة تقرر، من حيث الأصل، أن الجزر التي تصلح للسكن البشري أو تكون لها حياة اقتصادية خاصة يمكن أن تتمتع ببحر إقليمي ومنطقة اقتصادية خالصة وجرف قاري، وفقاً للقواعد القانونية المنظمة لهذه المناطق.

لكن المسألة لا تنتهي عند هذا النص، إذ إن وجود جزيرة لا يعني بالضرورة حصولها على الأثر الكامل نفسه عند ترسيم كل حدود بحرية متنازع عليها. فالمحاكم الدولية وهيئات التحكيم قد تراعي الموقع الجغرافي وطول السواحل والظروف الخاصة بكل نزاع، وقد تمنح بعض الجزر أثراً جزئياً عند تحديد خط الترسيم النهائي.

أما النقطة المهمة في الموقف التركي، فهي أن تركيا ليست طرفاً في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، رغم استنادها في خطابها إلى قواعد ومبادئ من القانون الدولي للبحار. وعدم انضمامها إلى الاتفاقية لا يعني أنها خارج نطاق جميع قواعد قانون البحار؛ فبعض هذه القواعد قد تكون ملزمة بوصفها قواعد عرفية دولية، بحسب طبيعة القاعدة ومدى استقرارها وقبولها.

وبالتالي، فإن تقييم الاتفاق لا ينبغي أن يقوم على عبارة واحدة أو خريطة دعائية، بل على فحص الإحداثيات والنصوص القانونية والحقوق التي يمكن أن تتأثر بها كل دولة.

رابعاً : أين تقف المصالح المصرية في هذه المعادلة؟

بالنسبة إلى مصر، فإن القضية تتجاوز الخلاف السياسي مع تركيا، لأنها ترتبط بحماية الحقوق البحرية ، وتأمين المصالح الاقتصادية والاستراتيجية في شرق المتوسط، والحفاظ على حرية الحركة في منطقة أصبحت إحدى أهم ساحات التنافس على موارد الطاقة والنفوذ الإقليمي.

وفي أغسطس 2020، وقّعت مصر واليونان اتفاقية لترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة بين البلدين، ودخلت الاتفاقية حيز النفاذ في سبتمبر من العام نفسه، وسُجلت لدى الأمم المتحدة.

وقد جاءت هذه الاتفاقية في سياق خلاف إقليمي محتدم حول الحدود البحرية ، وأصبحت إحدى المرجعيات الأساسية لفهم الموقف المصري واليوناني من المطالب التركية الليبية.

ومن هنا، فإن أي محاولة لإعادة رسم الحدود البحرية في المنطقة يجب أن تُدرس في ضوء الإحداثيات المعتمدة والاتفاقيات القائمة والحقوق القانونية ذات الصلة. ولا يكفي أن يعلن طرف ما امتلاكه مساحة بحرية إضافية حتى تتحول تلك المساحة تلقائيًا إلى حق معترف به دولياً.

أما الحديث عن أن الاتفاقية التركية الليبية تنتقص تحديداً من الحقوق المصرية شرق السلوم، فيحتاج إلى مقارنة فنية دقيقة بين الإحداثيات الواردة في الاتفاقية ، والحدود المصرية اليونانية المعتمدة ، وأي مطالب بحرية أخرى ذات صلة. ولا يصح الجزم بمساحة محددة جرى انتزاعها من مصر، أو بمساحة بديلة حصلت عليها، من دون إجراء هذه المقارنة على أساس الخرائط والوثائق الرسمية.

لكن المبدأ الاستراتيجي يظل واضحاً: لا يجوز التعامل مع الحقوق البحرية المصرية باعتبارها ورقة قابلة للمقايضة السياسية، ولا ينبغي قبول أي تصور لترسيم الحدود قبل التأكد من توافقه مع المصالح المصرية والقواعد القانونية المنظمة للنزاع.

فالمياه الاقتصادية ليست مجرد مساحة زرقاء على الخريطة، بل ترتبط بحقوق استكشاف الموارد الطبيعية واستغلالها، وقد تحمل في باطنها فرصاً استثمارية مهمة في مجالات الغاز والطاقة والبنية التحتية البحرية.

خامساً : هل تعني معارضة الاتفاق الدفاع عن المصالح الإسرائيلية؟

من أكثر الحجج التي يجري تداولها في هذا الملف القول إن رفض مصر للاتفاقية التركية الليبية يرتبط بحماية إسرائيل أو مراعاة مصالحها في مشروعات نقل الغاز إلى أوروبا.

لكن هذا الطرح يخلط بين مسألتين مختلفتين: المصالح التي قد تتأثر بالترسيم البحري، والأسباب القانونية والاستراتيجية التي تستند إليها مصر في تحديد موقفها.

فمن الممكن أن تتعارض اتفاقية بحرية مع مصالح دولة معينة، وأن تؤثر في الوقت نفسه على حقوق دول أخرى. ولا يعني ذلك أن جميع الدول المعترضة تتحرك للأسباب نفسها، أو أن موقف إحداها لا يمكن تفسيره إلا باعتباره دفاعاً عن مصالح دولة ثالثة.

والأهم أن الاعتراض على اتفاقية ما لا يُحسم بمجرد معرفة الدولة التي قد تستفيد من رفضها أو تتضرر من إقرارها ، بل من خلال فحص مضمون الاتفاقية وآثارها الفعلية على الحقوق البحرية.

أما الادعاء بأن الخريطة التركية تمنح مصر مساحة إضافية في الشمال على حساب المياه الفلسطينية، فهو ادعاء يحتاج بدوره إلى إثبات فني. إذ لا بد من تحديد الخطوط والإحداثيات التي يستند إليها، وبيان طبيعة الحقوق البحرية الفلسطينية في المنطقة المعنية، ثم إجراء مقارنة قانونية وجغرافية واضحة.

ولا يصح الجزم بأن قبول مصر بالاتفاق يعني بالضرورة الاستيلاء على جزء من الحقوق البحرية الفلسطينية، كما لا يصح تجاهل هذه الحقوق إن ثبت وجود تعارض بينها وبين أي ترسيم مقترح.

فالموقف المصري الذي يمكن الدفاع عنه قانونياً واستراتيجياً. هو موقف يقوم على حماية الحقوق الوطنية، واحترام القواعد الدولية، وعدم الانتقاص من حقوق الأطراف الأخرى دون سند قانوني.

سادساً : ماذا تعني هذه التطورات لمستقبل شرق المتوسط؟

إن التحول الذي شهدته مواقف برلمان شرق ليبيا يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التنافس الدبلوماسي والقانوني بين الأطراف المعنية. فأنقرة تستطيع الاستناد إلى موافقة المجلس باعتبارها توسعًا في التأييد السياسي الليبي للاتفاق، بينما تتمسك اليونان وقبرص ومصر باعتراضاتها المتعلقة بالحقوق البحرية وتفسير قواعد القانون الدولي.

لكن لا ينبغي الخلط بين النجاح السياسي في حشد التأييد وبين حسم النزاع قانونيًا. فالموافقة البرلمانية لا تنهي تلقائياً الاعتراضات الخارجية، ولا تحسم بمفردها مسألة حقوق الدول الثالثة، ولا تجعل جميع الإحداثيات المتنازع عليها حدودًا دولية نهائية.

وتزداد أهمية هذا الملف مع استمرار التنافس على موارد الغاز الطبيعي، ومشروعات الربط والطاقة، وممرات نقل الإمدادات إلى الأسواق الأوروبية. فكل خط بحري جديد يمكن أن تكون له انعكاسات على حسابات الاستثمار والتعاون الإقليمي، لكن هذه الانعكاسات لا يمكن تقديرها بدقة من دون دراسة فنية وقانونية لكل مشروع على حدة.

وفي هذا السياق، تحتاج مصر إلى مواصلة التحرك الدبلوماسي والقانوني لحماية مصالحها، وتعزيز التنسيق مع شركائها الإقليميين، والاستناد إلى الوثائق الرسمية والإحداثيات المعتمدة في مواجهة أي مطالب بحرية تتعارض مع حقوقها.

كما أن إدارة الخلاف مع تركيا تتطلب التمييز بين المصالح التي يمكن التفاوض بشأنها، والحقوق التي ينبغي حمايتها وفقاً للقانون، مع تجنب تحويل النزاع إلى مواجهة إعلامية تحجب تفاصيله الفنية والقانونية.

الخلاصة : القضية ليست من يرفع صوته أكثر ، بل من يملك السند القانوني الأقوى

إن اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين تركيا وليبيا ليست مجرد تفاهم ثنائي ، بل جزء من صراع أوسع على النفوذ والموارد والحقوق البحرية في شرق المتوسط. وقد أعادت موافقة برلمان شرق ليبيا عليها في أكتوبر 2026 فتح ملف ظل موضع خلاف منذ توقيعه عام 2019.

لكن التعامل الرصين مع هذه التطورات يقتضي ألا تتحول المخاوف المشروعة بشأن الحقوق المصرية إلى أحكام قطعية لا تسندها الخرائط والوثائق، وألا يُختزل الموقف المصري في اتهامات تتعلق بمصالح إسرائيل أو غيرها.

فالمعيار الحقيقي هو ما تقرره الاتفاقيات الموثقة، وما تثبته الإحداثيات ، وما تسمح به قواعد القانون الدولي.

وفي الملفات البحرية الحساسة، لا تُصان الحقوق بالشعارات وحدها، بل بالوثائق الدقيقة، والحجج القانونية المتماسكة، والتحرك الدبلوماسي الذي يحول الموقف السياسي إلى حماية فعلية للمصالح الوطنية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى