من واشنطن إلى موسكو.. هل تنجح دبلوماسية ميلانيا ترامب في فتح نافذة للسلام؟

✍️ بقلم : يوحنا عزمي
في وسط الحرب الروسية الأوكرانية، التي دخلت عامها الرابع، تبرز التحركات الإنسانية والدبلوماسية بوصفها أحد المسارات القليلة القادرة على فتح ثغرات في جدار المواجهة المستمرة بين موسكو وكييف. ومن هذا المنطلق ، تكتسب الأنباء المتعلقة بوقف إطلاق النار المؤقت في منطقة أليشكي ، الواقعة في مقاطعة خيرسون الخاضعة للسيطرة الروسية، أهمية خاصة، ليس فقط بسبب ما قد تحققه من تخفيف لمعاناة المدنيين، وإنما أيضاً لما يمكن أن تحمله من دلالات سياسية وإنسانية في واحدة من أكثر ساحات الصراع تعقيداً.
لكن من الضروري التمييز بين الهدنة الإنسانية المحدودة وبين اتفاق سياسي شامل ينهي الحرب، فوقف إطلاق النار في منطقة بعينها، حتى لو استمر عدة أيام ، لا يعني بالضرورة أن موسكو وكييف أصبحتا قريبتين من تسوية نهائية. ومع ذلك، فإن نجاح أي تفاهم ميداني في حماية المدنيين وإجلاء المصابين قد يوفر نموذجاً يمكن البناء عليه في مراحل لاحقة ، إذا توافرت الإرادة السياسية لدى الطرفين.
ميلانيا ترامب .. الدبلوماسية الإنسانية خارج القنوات التقليدية
يطرح الحديث عن الدور الذي تؤديه ميلانيا ترامب، السيدة الأمريكية الأولى، في فتح قنوات اتصال ذات طابع إنساني مع الجانب الروسي ، تساؤلًا مهماً حول طبيعة الدبلوماسية غير التقليدية وقدرتها على تحقيق نتائج في أوقات تتعثر فيها المسارات السياسية الرسمية.
ففي النزاعات الكبرى ، لا تقتصر الدبلوماسية على اجتماعات الرؤساء ووزراء الخارجية والمبعوثين الرسميين، بل قد تمتد إلى مبادرات إنسانية واتصالات غير مباشرة تستهدف ملفات محددة، مثل لمّ شمل الأسر ، وحماية الأطفال ، وإجلاء المدنيين، ونقل الجرحى إلى أماكن آمنة. وتتميز هذه المسارات بأنها قد تسمح للطرفين بالتوصل إلى تفاهمات محدودة دون الاضطرار، في البداية، إلى تقديم تنازلات سياسية كبرى.
ومن هذا المنظور، فإن أي دور تؤديه ميلانيا ترامب في تسهيل الاتصالات الإنسانية مع الجانب الروسي يمكن أن يمثل إضافة إلى الجهود الدبلوماسية ، بشرط التحقق من طبيعة هذه الاتصالات والنتائج التي أسفرت عنها ، وعدم الخلط بين المبادرة الإنسانية وبين التوصل إلى إتفاق سياسي شامل.
أما بالنسبة إلى دونالد ترامب ، فإن أي تقدم في ملف الحرب الأوكرانية قد يمثل مكسباً سياسياً ، خاصة أن إنهاء الصراع أو تقليص حدته كان من الملفات التي ارتبطت بخطابه السياسي. غير أن تقييم النجاح الأمريكي لا ينبغي أن يعتمد على التصريحات أو الإشادات وحدها ، وإنما على النتائج الفعلية ، ومدى استدامة التهدئة، وقدرة الأطراف على الانتقال من التفاهمات المؤقتة إلى تسوية أوسع.
لماذا تكتسب الهدنة الإنسانية أهمية خاصة؟
تكمن أهمية الهدنة المحلية في أن الحروب لا تُقاس فقط بخطوط السيطرة العسكرية ، بل أيضاً بحجم الخسائر التي يتكبدها المدنيون، ومدى انهيار الخدمات الأساسية، وقدرة السكان على الحصول على المياه والكهرباء والغذاء والرعاية الطبية.
وفي المناطق التي تعرضت لدمار واسع، يمكن أن يصبح وقف القتال لفترة محددة ضرورة لإنقاذ الأرواح، لا مجرد خطوة رمزية. فإجلاء الجرحى وكبار السن، وتأمين مرور المدنيين، وإزالة الألغام من الطرق ، وإدخال المستلزمات الطبية ، كلها إجراءات قد تصنع فارقاً حقيقياً في حياة السكان.
وإذا صحت المعلومات المتداولة بشأن الهدنة في أليشكي واستمرارها حتى الأول من نوفمبر، فإن الاختبار الحقيقي لن يكون في الإعلان عنها فحسب، بل في مدى التزام القوات الموجودة على الأرض بها ، وقدرة فرق الإنقاذ على العمل ، وضمان عدم تعرض الممرات الإنسانية للاستهداف.
كما أن مشاركة جهات دولية في متابعة تنفيذ التفاهمات، إن تأكدت رسميًا، قد تساعد على تقليل احتمالات الخرق ، وتوفير قدر من الثقة المتبادلة، وإن كان ذلك لا يلغي المخاطر التي تفرضها طبيعة الصراع.
الفاتيكان.. هل تستطيع الوساطة الدينية فتح أبواب مغلقة؟
في النزاعات التي تتراجع فيها الثقة بين الأطراف السياسية والعسكرية، قد تلعب المؤسسات الدينية دوراً إنسانياً مهماً، مستفيدة من قدرتها على التواصل مع المجتمعات المحلية، ومن خطابها الذي يركز على حماية الحياة ووقف المعاناة.
ومن هنا، فإن أي تحركات يقوم بها البابا ليو الرابع عشر للتواصل مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، إذا تأكدت تفاصيلها، يمكن النظر إليها باعتبارها جزءًا من الجهود الرامية إلى تخفيف الآثار الإنسانية للحرب.
لكن الوساطة الدينية، شأنها شأن الوساطة السياسية، تحتاج إلى التمييز بين التأثير المعنوي والقدرة الفعلية على فرض الالتزام. فاستجابة أحد الأطراف لمبادرة إنسانية لا تعني بالضرورة تغير حساباته الاستراتيجية، وإنما قد تعكس توافقاً مؤقتاً بين مصالحه الميدانية والضغوط الإنسانية والدبلوماسية.
والأهم أن تتحول المبادرات الإنسانية إلى إجراءات ملموسة، تتيح علاج المصابين، وتأمين حركة المدنيين، وإعادة تشغيل الخدمات الأساسية حيثما أمكن ، بدلًا من أن تبقى مجرد رسائل سياسية أو رمزية.
روسيا والغرب.. حسابات المصالح تتجاوز شعارات الحرب والسلام
لا يمكن قراءة الحرب الروسية الأوكرانية بمعزل عن التوتر الأوسع بين روسيا والدول الغربية ، ولا عن المصالح الاقتصادية والاستراتيجية التي تؤثر في مواقف الأطراف المختلفة.
فالعلاقات الروسية الأمريكية لا تتحرك في اتجاه واحد، إذ تتداخل فيها ملفات الطاقة والتجارة والأمن الأوروبي والعقوبات ومستقبل النظام الدولي. وقد تتلاقى مصالح واشنطن وموسكو في ملف محدد، بينما تستمر خلافاتهما في ملفات أخرى.
ومن هنا، فإن الحديث عن رغبة أمريكية في التقارب مع روسيا بسبب النفط أو المصالح الاقتصادية يحتاج إلى قراءة أكثر دقة. فالمصالح الاقتصادية قد تكون أحد دوافع إعادة تقييم العلاقات، لكنها ليست العامل الوحيد ، ولا تكفي وحدها لتفسير المواقف الأمريكية من الحرب أو مستقبل العقوبات.
وفي المقابل، تستفيد موسكو سياسياً من الانقسامات داخل المعسكر الغربي، وتحاول إبراز ما تعتبره نتائج سلبية للسياسات الأوروبية، خصوصًا في مجالات الطاقة والتضخم وتكاليف المعيشة. وعندما تتحدث القيادة الروسية عن أن أوروبا تحفر قبرها بيدها، فإنها تستخدم خطاباً سياسياً يستهدف التشكيك في جدوى الخيارات الأوروبية ، وتصوير العقوبات وتقليص الاعتماد على الطاقة الروسية باعتبارهما قرارين أضرا بالمصالح الأوروبية نفسها.
لكن هذا الخطاب يجب ألا يُقرأ بمعزل عن الواقع الاقتصادي الأكثر تعقيداً ، فالأوضاع تختلف من دولة أوروبية إلى أخرى، كما أن ارتفاع الأسعار وأمن الطاقة يتأثران بعوامل متعددة، من بينها الحرب، والسياسات النقدية، وأسواق الطاقة العالمية، والتحولات التي شهدتها سلاسل الإمداد.
وبالتالي، فإن التحدي الحقيقي أمام أوروبا لا يتمثل فقط في تقليل الاعتماد على روسيا، بل في تحقيق توازن بين أمن الطاقة والقدرة التنافسية الصناعية وحماية المواطنين من ارتفاع تكاليف المعيشة.
زيلينسكي وترامب.. الخلاف السياسي وتأثيره في حسابات كييف
على الجانب الأوكراني، تواجه القيادة في كييف معادلة شديدة الصعوبة: مواصلة الدفاع عن الأراضي الأوكرانية، والحفاظ على الدعم الغربي، وإدارة الأعباء الاقتصادية والإنسانية التي خلّفتها الحرب، في وقت تتزايد فيه الضغوط المرتبطة باستنزاف القوات والبنية التحتية.
ولا شك أن طبيعة العلاقة بين زيلينسكي وترامب يمكن أن تؤثر في حسابات أوكرانيا، خصوصًا فيما يتعلق بالمساعدات العسكرية والاستخباراتية والدعم الدبلوماسي. غير أن وصف أوكرانيا بأنها أصبحت عاجزة تماماً عن مواجهة روسيا يتجاوز ما يمكن استخلاصه من مجرد وجود خلافات سياسية أو تراجع في بعض أوجه الدعم.
فالقدرة العسكرية لا تتحدد بعامل واحد، وإنما تتأثر بحجم الموارد المتاحة، ومستوى التسليح، والقدرة على التعبئة ، وطبيعة التحصينات، والدعم الخارجي، والظروف الميدانية. كما أن استمرار الضربات الروسية في مناطق أخرى لا يعني بالضرورة أن المسار العسكري حُسم نهائيًا لمصلحة موسكو.
أما انقطاع الكهرباء والمياه في بعض المناطق، فهو يعكس حجم الضغط الواقع على البنية التحتية الأوكرانية، لكنه لا يكفي وحده للحكم على النتيجة النهائية للحرب.
ومن الناحية السياسية، قد تجد كييف نفسها مضطرة إلى التعامل مع واقع دولي تتغير فيه أولويات القوى الكبرى، وهو ما يجعل إدارة العلاقة مع واشنطن عنصراً أساسياً في حساباتها. ومع ذلك، فإن أي تسوية مستدامة يجب أن تأخذ في الاعتبار المصالح الأمنية للطرفين، إلى جانب سيادة أوكرانيا ومخاوف الدول الأوروبية من تداعيات الحرب على أمن القارة.
لماذا أليشكي تحديداً؟ الجغرافيا والرمزية الدينية
تكتسب منطقة خيرسون أهمية استراتيجية بسبب موقعها في جنوب أوكرانيا، وارتباطها بمسارات العمليات العسكرية والسيطرة على الأراضي والممرات الحيوية. ولذلك، فإن أي تهدئة محلية فيها قد تكون لها قيمة ميدانية تتجاوز حدود المنطقة نفسها، خصوصاً إذا ساعدت على تقليل المخاطر على المدنيين.
أما الربط بين أليشكي والرمزية الدينية المرتبطة بالقديس نيقولاوس، فيحتاج إلى توثيق تاريخي مستقل قبل اعتباره سبباً رئيسياً لاختيار المنطقة لتطبيق الهدنة. فالرمزية الدينية والثقافية قد تؤثر في الوعي العام ، لكنها لا تكفي وحدها لتفسير القرارات العسكرية أو تحديد مواقع التفاهمات الإنسانية.
وفي الحروب، غالباً ما تُختار مناطق التهدئة بناءً على مجموعة من الاعتبارات ، من بينها كثافة السكان ، وحجم المخاطر الإنسانية، وإمكانية تحديد خطوط واضحة لوقف إطلاق النار، وقدرة الفرق الميدانية على الوصول إلى المصابين، فضلًا عن استعداد القوات المتقابلة للالتزام بالتفاهمات.
ومن ثم، فإن أهمية أليشكي ينبغي أن تُقاس أولًا بما يمكن تحقيقه فيها من حماية للمدنيين، وبمدى نجاح الترتيبات الإنسانية، قبل إضفاء دلالات سياسية أو دينية غير مؤكدة على اختيارها.
من الهدنة المحلية إلى السلام الشامل.. ما السيناريوهات المحتملة؟
إذا نجحت الهدنة في أليشكي، وأمكن تنفيذ عمليات الإجلاء وإزالة الألغام وتأمين الطرق دون خروقات كبيرة ، فقد تفتح الباب أمام تكرار التجربة في مناطق أخرى تحتاج إلى تدخل إنساني عاجل. وقد يساهم ذلك في بناء حد أدنى من الثقة العملية بين الأطراف، حتى في ظل استمرار الخلافات السياسية والعسكرية.
أما السيناريو الثاني، فيتمثل في بقاء الهدنة محصورة في نطاقها الجغرافي والإنساني ، دون أن تؤدي إلى تغيير جوهري في مسار الحرب. وهذا احتمال واقعي ، إذ يمكن للأطراف أن تتفق على إجراءات محدودة لحماية المدنيين، بينما تستمر العمليات العسكرية في مناطق أخرى.
ويتمثل السيناريو الثالث في تعثر التفاهمات نتيجة خروقات ميدانية أو خلافات بشأن تنفيذ الالتزامات، وهو ما قد يعيد المنطقة إلى دائرة المواجهة ويضعف فرص تكرار المبادرة.
أما الانتقال إلى تسوية سياسية شاملة، فيظل مرهوناً بعوامل أكثر تعقيداً، تشمل مستقبل الأراضي المتنازع عليها، والضمانات الأمنية، والعقوبات ، وإعادة الإعمار ، والعلاقات الروسية الغربية ، ومدى استعداد موسكو وكييف لتقديم تنازلات متبادلة.
الخلاصة: قيمة الهدنة في الأرواح التي تنقذها، لا في الضجيج السياسي المحيط بها
إن أي خطوة تؤدي إلى وقف إطلاق النار، ولو مؤقتاً ، تستحق الاهتمام عندما تتيح للمدنيين النجاة من القصف، وتمنح المصابين فرصة للعلاج، وتساعد الأسر على الوصول إلى مناطق أكثر أماناً. لكن الإنصاف السياسي يقتضي عدم تحويل هدنة محلية إلى إعلان مبكر عن نهاية حرب لم تُحسم أسبابها الأساسية.
كما أن تقييم دور ميلانيا ترامب أو دونالد ترامب أو الفاتيكان يجب أن يستند إلى معلومات موثقة بشأن الاتصالات والاتفاقات والنتائج الفعلية، لا إلى الاستنتاجات وحدها. فالدبلوماسية الناجحة ليست مجرد قدرة على إطلاق المبادرات، وإنما القدرة على تحويلها إلى التزامات قابلة للتنفيذ والاستمرار.
وفي النهاية، قد لا تكون الهدنة الإنسانية في أليشكي بداية السلام الشامل، لكنها يمكن أن تكون اختباراً مهماً لإمكانية الفصل بين ضرورات الحرب وحقوق المدنيين. وإذا استطاعت الأطراف أن تجعل حماية الإنسان أولوية ولو لفترة قصيرة، فقد تضع بذلك لبنة صغيرة في طريق طويل نحو تسوية أكثر استقراراً.
فالسلام لا يبدأ بالضرورة بتوقيع اتفاق تاريخي بين الرؤساء، بل قد يبدأ أحياناً بفتح طريق آمن، أو نقل جريح إلى مستشفى، أو توفير الماء والدواء لمدنيين أنهكتهم الحرب. وهذه، في حد ذاتها، خطوات تستحق أن تُقاس بنتائجها الإنسانية، بعيداً عن المبالغة السياسية أو الاستباق في إعلان الانتصارات.



