لماذا تتردد الولايات المتحدة في مهاجمة إيران قبيل الإنتخابات؟

حسابات البيت الأبيض بين الردع العسكري وكلفة الحرب وصناديق الاقتراع ..
ك. الصحفي: يوحنا عزمي
ليس كل تردد أمريكي في استخدام القوة العسكرية دليلًا على الخوف من المواجهة ، وليس كل تصعيد في الخطاب السياسي مقدمة حتمية لشن حرب. ففي العلاقة بين واشنطن وطهران، تبدو المعادلة أكثر تعقيداً من مجرد إمتلاك الولايات المتحدة القدرة العسكرية على توجيه ضربة لإيران، فالسؤال الحقيقي ليس هل تستطيع واشنطن الهجوم ، وإنما ماذا سيحدث في اليوم التالي للهجوم، وما الثمن السياسي والاستراتيجي الذي ستدفعه؟
وتزداد حساسية هذا السؤال مع اقتراب الانتخابات الأمريكية، لأن أي قرار عسكري كبير لا يُقاس فقط بنتائجه في الميدان، بل أيضاً بتأثيره على الداخل الأمريكي، وعلى صورة الإدارة الحاكمة، وعلى قدرة الحزب الذي يدير البيت الأبيض على الاحتفاظ بثقة الناخبين.
المؤشرات الحالية تكشف أن المسألة ليست مجرد حسابات انتخابية عابرة. فقد أعلن البيت الأبيض صراحة أن الولايات المتحدة لن تستأنف الهجمات على إيران قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة في 3 نوفمبر 2026، كما نقلت تقارير أمريكية وإسرائيلية عن وجود خطط عسكرية لاستئناف الضربات بعد الانتخابات.
السبب الأول يتعلق بالاقتصاد الأمريكي. فالحرب مع إيران لم تعد ملفاً خارجياً منفصلاً عن حياة المواطن الأمريكي ، بل أصبحت مرتبطة مباشرة بأسعار الوقود والطاقة والتضخم وتكاليف المعيشة. وأي تصعيد عسكري جديد في الخليج، خصوصاً إذا امتد إلى مضيق هرمز أو منشآت الطاقة ، قد يؤدي إلى موجة جديدة من ارتفاع أسعار النفط ، وهو ما يضع الإدارة الأمريكية أمام أزمة سياسية في توقيت بالغ الحساسية.
وتشير تحليلات رويترز إلى أن الحرب والتعريفات الجمركية أصبحتا عامل ضغط على القدرة الشرائية للأمريكيين، بما ينعكس على حظوظ الجمهوريين في انتخابات الكونجرس.
أما السبب الثاني، فيرتبط بحسابات الرئيس دونالد ترامب نفسه. فترامب يدرك أن الدخول في مواجهة عسكرية واسعة قبيل الانتخابات قد يحول الملف الإيراني من ورقة لإظهار القوة الأمريكية إلى عبء انتخابي، خصوصاً إذا لم تحقق الضربات نتائج حاسمة وسريعة. فالرئيس الذي يذهب إلى الناخبين مطالباً بتحسين الاقتصاد وتوفير الاستقرار ، لا يريد أن يجد نفسه في مواجهة أسئلة صعبة عن تكلفة حرب جديدة ، وأعداد الجنود الأمريكيين المعرضين للخطر ، ومدى وضوح الأهداف النهائية للعملية العسكرية.
وهنا تظهر معضلة مهمة: واشنطن تستطيع توجيه ضربات جوية وصاروخية مؤثرة ، لكنها لا تستطيع ضمان أن تظل المواجهة محصورة في حدود الضربة الأولى. فإيران تمتلك أدوات متعددة للرد، سواء بصورة مباشرة أو عبر حلفائها الإقليميين ، فضلاً عن قدرتها على تهديد الملاحة البحرية والمصالح الأمريكية والقواعد العسكرية المنتشرة في المنطقة. وبالتالي فإن أي هجوم جديد قد يفتح مساراً تصعيدياً يصعب التحكم في نهايته.
والسبب الثالث يتعلق بمضيق هرمز وأسواق الطاقة العالمية. فالمواجهة مع إيران لا تشبه عملية عسكرية محدودة في دولة بعيدة عن الممرات التجارية الدولية، إذ إن أي تهديد جدي للملاحة في الخليج ستكون له تداعيات تتجاوز حدود الشرق الأوسط، وتمتد إلى أوروبا وآسيا والاقتصاد العالمي بأكمله. ومن ثم فإن واشنطن لا تحسب فقط تكلفة تدمير منشأة نووية أو عسكرية إيرانية، وإنما تحسب أيضاً تكلفة حماية الملاحة، وتأمين إمدادات الطاقة، ومنع تحول المواجهة إلى أزمة دولية واسعة.
والسبب الرابع أن الولايات المتحدة لا تريد بالضرورة إغلاق الباب أمام المسار الدبلوماسي. فالتصعيد العسكري ليس الأداة الوحيدة المتاحة أمامها، إذ يمكنها الجمع بين العقوبات والضغط الاقتصادي والتهديد العسكري والمفاوضات ، بهدف انتزاع ضمانات تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني.
وفي تطور لافت اليوم 30 أكتوبر، تحدثت تقارير عن اقتراب اتفاق أمريكي إيراني بوساطة قطرية وباكستانية ، بينما قال ترامب إن الحرب قد تنتهي قريباً ، دون أن يقدم تفاصيل عن كيفية الوصول إلى ذلك.
لكن هناك نقطة تستحق التوقف أمامها: تأجيل الضربة لا يعني بالضرورة التخلي عنها. فقد نقلت وكالة أسوشيتد برس أن مسؤولين أمريكيين حذروا حلفاء في الشرق الأوسط من احتمال تجدد الضربات بعد انتخابات 3 نوفمبر، ومن احتمالات الرد الإيراني على منشآت الطاقة والبنية التحتية الحيوية. ومع ذلك، لا يوجد حتى الآن قرار نهائي معلن من ترامب باستئناف العمليات العسكرية.
وهنا نصل إلى جوهر الحسابات الأمريكية: الإدارة تحاول الاحتفاظ بالتهديد العسكري باعتباره أداة ضغط، دون دفع ثمن التصعيد في لحظة انتخابية حساسة. فهي تريد أن تظهر بمظهر الطرف الذي يمتلك زمام المبادرة، وفي الوقت نفسه لا تريد أن تتحمل مسؤولية أزمة اقتصادية أو عسكرية جديدة قبل توجه الأمريكيين إلى صناديق الاقتراع.
أما بالنسبة لإيران، فإن عليها أن تدرك أن تأجيل الضربات لا يعني انتهاء التهديد ، وأن الفترة الفاصلة بين الانتخابات وما يليها قد تحمل تغيراً في حسابات واشنطن. وفي المقابل ، فإن استمرار الضغط الأمريكي دون الوصول إلى تسوية قد يدفع طهران إلى استخدام أوراقها الإقليمية والاقتصادية لرفع تكلفة أي مواجهة جديدة.
وبالنسبة لمصر، فإن هذه التطورات ليست مجرد صراع أمريكي إيراني بعيد عن مصالحنا المباشرة، لأن أي تصعيد واسع في الخليج ستكون له انعكاسات على أمن الطاقة ، وأسعار النفط ، وحركة التجارة الدولية، وممرات الملاحة، فضلًا عن احتمالات اتساع التوتر في البحر الأحمر. ولذلك فإن المصلحة المصرية تقتضي احتواء التصعيد والحفاظ على استقرار المنطقة، ومنع انتقال المواجهة إلى صراع إقليمي مفتوح تتحمل دول المنطقة وشعوبها الجزء الأكبر من تكلفته.
الخلاصة أن واشنطن لا تتعامل مع إيران باعتبارها هدفاً عسكرياً فقط، وإنما باعتبارها ملفًا تتداخل فيه حسابات الأمن القومي والاقتصاد والطاقة والانتخابات والتحالفات الدولية. وقد تكون الضربة العسكرية مؤجلة لأسباب سياسية، لكنها تظل احتمالًا قائماً ما دامت المفاوضات لم تنتج تسوية واضحة.
فالسياسة الأمريكية لا تفصل بين حسابات الحرب وحسابات الانتخابات، وترامب يعرف أن قرار إطلاق الصواريخ قد يستغرق دقائق ، لكن تداعياته السياسية والاقتصادية والاستراتيجية قد تستمر سنوات.



