
في تلك الليلة، لم يحذف الكاتب نصه، بل كاد يحذف إيمانه بنفسه.
ظل يحدق في الشاشة، ينتظر أن يحدث شيء؛ أن يظهر قارئ مجهول، أو تلمع إشارة صغيرة تخبره أن كلماته وصلت إلى أحدهم. مرت الساعات، وبقي النص وحيدًا، كرسالة ألقيت في البحر، ولم يعرف صاحبها إن كانت ستبلغ شاطئًا أم ستظل تائهةً حتى تتمزق.
لقد أمضى وقتًا طويلًا في كتابة تلك السطور، أعاد صياغة الجمل، واستبدل الكلمات، وبحث عن بداية تستحق أن يتوقف عندها أحد.
وحين انتهى، شعر أنه أنجز شيئًا يستحق الحياة.
نشره، ثم ابتعد متظاهرًا بأنه لا ينتظر شيئًا، لكنه عاد إلى الصفحة مرارًا، كأن الغياب قد يغير مصير الكلمات.
لم يكن يريد تصفيقًا، ولا يبحث عن مجاملة؛ كان يريد فقط أن يجد شخصًا يقول له، ولو دون أن يعرفه: لقد وصلتني كلماتك، وشعرت بما أردت قوله.
لكن الشاشة لم تكن تعرف شيئًا عن ليلته، ولا عن التعب المختبئ خلف السطور.
كانت تعرض نصًّا منشورًا، بينما كان يرى أمامه محاولةً جديدة للوصول إلى الناس، لا يعرف إن كانت قد نجحت أم ضاعت وسط زحام لا يتوقف.
فأقسى ما يواجه الكاتب ليس أن يرفض الناس كلماته، بل أن يمروا بجوارها دون أن يروها.
فالرفض يمنحك موقفًا واضحًا، أما التجاهل فيتركك عالقًا بين أسئلة لا تنتهي: هل لم يكن النص جيدًا؟ هل أخطأت الطريق إلى القارئ؟ أم أنني أبذل كل هذا الجهد في مكانٍ لا يعرف أحد أن بابه موجود؟.
ومع الوقت، يتغير السؤال. لم يعد الكاتب يسأل كيف يجعل نصوصه أفضل، بل يبدأ في الشك في قدرته على الكتابة أصلًا، يعود إلى جمله القديمة، لا ليستمتع بها، بل ليبحث عن عيبٍ يفسر الصمت.
وتتحول الكلمات التي أحبها يومًا إلى متهمين يقفون أمام محكمةٍ لا تعرف الرحمة.
وهنا تبدأ الخسارة الحقيقية؛ حين يمنح الكاتب الأرقام سلطة الحكم على موهبته، وينسى أن قلة التفاعل لا تعني بالضرورة ضعف النص، وأن الوصول إلى القارئ يحتاج أحيانًا إلى أكثر من مجرد كلمات جيدة.
ومع ذلك، ليس من العدل أن نطالبه بألا يحزن. فالكاتب إنسان، وقد يتعب من أن يمنح روحه في كل مرة، ثم يعود دون أن يعرف إن كان أحدًا قد شعر بها. إنه لا يطلب من العالم أن يتوقف عند بابه، لكنه يتمنى ألا يظل يطرقه إلى الأبد دون إجابة.
ربما يحتاج النص إلى عنوانً أكثر جاذبية، أو بداية أشد تأثيرًا، أو طريقٍ مختلف يصل به إلى جمهوره.
وربما لم يعثر على قارئه بعد، لكن ثمة فرقًا بين أن تراجع كتابتك لتصبح أفضل، وأن تكرهها لأن أحدًا لم يلتفت إليها؛ ففي الأولى تمنح نفسك فرصة جديدة، وفي الثانية تعاقب نفسك على شيءٍ لا تملك السيطرة عليه كاملًا.
في نهاية تلك الليلة، أغلق الكاتب الشاشة، وترك الكلمات مكانها. لم يحذفها، ولم يقرر أن العالم لا يستحق أن يكتب له، بل ابتعد قليلًا، كمن تعب من الطرق على بابٍ مغلق.
وللمرة الأولى، لم يسأل نفسه كم شخصًا قرأ ما كتب، بل سأل سؤالًا أشد إيلامًا: ماذا لو قضيت كل هذا العمر أحاول أن يسمعني الناس، حتى نسيت الصوت الذي جعلني أكتب من البداية؟



