“مَهرب”

المهنّد إسلام
تحت سقفِ المكتبة،
بضوءها الخافت،
وشموعها الضعيفة.
بكتُبِها القديمة،
بأصنافها المختلفة،
وكتّابها الأموات.
لا تفتحُ تلكَ المكتبة أبوابها غيرَ كلّ عامٍ لمدة،
وتطولُ المدة لأربعة عشرَ يومًا،
ويخرجُ منها ثمانية أشخاص بذكرياتِ اثني عشرَ شهرًا.
تختلفُ أسباب مجيئهم،
كلٌ يملك سببٌ خاص.
ولكاتبهم سببٌ أخص،
الهرب.
الهرب لمدة من الوقت،
الراحة لرزمة من الزمن.
وقد كان،
ساعدوه على الهرب جميعهم.
وجدَ فيهم مزيجًا من شخصياته الداخلية،
بدئًا بجمليتهم ذات السترة الجلدية البنية، التي تحملُ شخصية الحنونة اللطيفة.
ثمّ ذاكَ الغاضب الجريء على الحياة، الذي علّمه عدم الخوفَ من الرد والمواجهة.
حتى الشخصية الضحوكة المرحة، ذاتَ الهالة الخفيفة بينَ ضغوطات العمل.
وشخصية الجدة القارئة، ذاتَ القبعة المحيكة الحمراء، المرحة والمحافظة.
ثم ذات هاتفُ التفاحة، المصوّرة الاجتماعية، التي دائمًا ما تجذبك محادثاتها.
وشخصية الشابة ذات الأجواء التسعينية، بنغمة هاتفها وطريقة ملابسها، واختها الصغيرة ذات الأجواء المبهجة.
أناسٌ يصعب المزج بينهم في الحياة الواقعية لاختلاف شخصياتهم.
لكن ليسَ في المكتبات. لم تستطع سوى المكتبة، الجمع بينهم.
أناس إن كانوا تقابلوا في ظروفٍ أخرى لكرهوا بعضهم البعض.
لكن ليسَ في المكتبات. لم تستطع سوى المكتبة، الجمع بينهم.
أُناسٌ إن كانوا مروا على بعضهم البعض في حياةٍ أخرى لتوقفوا لدقيقة،
ستينَ ثانية، ينظرون لبعضهم البعض نظرة من يعرفون بعضهم البعض جيدًا،
ثم يكمل كل من الآخر طريقه ويكأن شيئًا لم يكن، لأنهم في النهاية ليسوا سوى غرباء، تلاقوا في منتصف الطريق، ولكلٍّ منهم حياة عليه إكمالها.
لكنّ المكتبة أعطتهم فرصة للهرب، لمدة أربعة عشرَ يومًا.
أناسٌ تركوا بصمتهم في ذاكَ الهارب، الذي جاءَ لتلك المكتبة هربًا من كل شيءٍ في حياته، هربًا من عائلته، أصدقاءه، منزله ومدرسته الموحشة.
يكتبُ إهدائًا لكل من ساعده على جعل هربه أفضل مهربًا،
ويعلمهم أنه لن ينساهم أبدًا،
وستظلّ الأربعة عشرَ يوم عالقة في ذاكرته،
محفورة في قلبه،
يتذكرها كلما أراد الهرب،
للأبد.
وسينتظرُ دومًا،
تلك المكتبة لتفتح أبوابها مجددا،
ويعود لمهربه،
مجددا.
ويجد من تركوا ألوان حبرهم، في كتاب حياته،
مرة أخرى أخيرة،
ويعطيهم الوداع المستحق.



