من الإنفجارات الأولى يونيو 2025 إلى المواجهة الإقليمية : قراءة في الحرب الجديدة على إيران

✍️ يوحنا عزمي
الساعات الأولى للهجمات الحالية على إيران كشفت فروقاً جوهرية وملموسة مقارنة بما عرف بـ«حرب الأيام الاثني عشر»، سواء على صعيد التوقيت أو الأهداف المستهدفة أو مستوى التنسيق أو حجم التصعيد.
المعطيات المتوافرة حتى الآن ترسم صورة معقدة لمستوى العمليات ومدى دقتها ، حيث بدأت الهجمات بانفجارات متزامنة في مناطق متفرقة من العاصمة طهران ، مع تقارير أولية عن نحو ثلاثين هدفاً في الموجة الأولى ، شملت مقار قيادية ومرافق استخباراتية ، وحتى مواقع يُحتمل أن تكون مرتبطة بمكتب المرشد الأعلى.
هذا الانتشار الواسع منذ اللحظة الأولى يعكس طموح الضربة لفتح عدة جبهات وضرب النظام في صميمه ، وليس مجرد توجيه ضربة محدودة للبنية العسكرية التقليدية.
على عكس حرب الأيام الاثني عشر التي انطلقت غالباً في ساعات الليل ، فقد بدأت هذه العملية في ساعات الصباح الأولى ، مع اليوم الأول من الأسبوع الإيراني، وهو اختيار يبدو محسوباً بعناية فائقة لإحداث إرباك مؤسسي أكبر وزيادة احتمالات تعرض القيادات ومراكز القرار في لحظة بدء العمل الرسمي ، ما يمنح الهجمات بعداً نفسياً وسياسياً يضاعف تأثيرها المباشر على السلطة الحاكمة.
التركيز على الأهداف يعكس اعتماد استراتيجية «قطع الرأس» إذ تشير المؤشرات الأولية إلى أن الضربات لم تقتصر على البنية العسكرية التقليدية ، بل استهدفت عقد القيادة والأجهزة الأمنية للنظام. هذا التحول في طبيعة الاستهداف يحمل دلالة سياسية واضحة ، إذ يتجاوز إضعاف القدرات العسكرية إلى المساس ببنية السلطة نفسها، ما يعكس أن العملية مصممة لتحقيق أثر استراتيجي طويل المدى ، وليس مجرد ردة فعل محدودة.
المشاركة الأمريكية تمثل فارقاً أساسياً هذه المرة ، إذ بدا واضحاً منذ اللحظة الأولى أن واشنطن منخرطة بشكل مباشر ، مع تقارير عن تنسيق وثيق مع إسرائيل ووصف أمريكي للعملية بأنها واسعة النطاق. هذا الانخراط العلني يرفع مستوى المواجهة من صراع إسرائيلي – إيراني تقليدي إلى مواجهة ذات بعد أمريكي مباشر، مما يضاعف احتمالات تصعيد أوسع ويغير طبيعة الرد الإيراني المتوقع.
خطاب دونالد ترامب ركز على الدفاع عن الأمريكيين وإزالة التهديدات الوشيكة ، لكنه لم يخفِ رسائل دعم للشعب الإيراني في مواجهة نظامه ، ما يوحي بأن تغيير النظام يبقى ضمن الأهداف غير المعلنة للعملية. الجمع بين البعد الأمني والرسالة السياسية يعزز الانطباع بأن العملية تتجاوز الردع إلى محاولة إعادة رسم موازين القوة داخل إيران نفسها.
المفهوم العملياتي يبدو قائماً على مراحل محددة ، فقد اعتمدت الموجة الأولى على ضربات صاروخية دقيقة استهدفت عقد القيادة ومنظومات الدفاع الجوي ، بما في ذلك مواقع في جنوب إيران مثل جابهار ، تمهيداً لتمكين سلاح الجو من التحرك لاحقاً ضد قواعد الصواريخ والأصول الاستراتيجية.
الرد الإيراني جاء سريعاً وغير معتاد ، إذ أُطلقت صواريخ خلال ساعات قليلة ، مستهدفة تل أبيب وحيفا ، مع بيان رسمي يشير إلى أن «الخطوط الحمراء» لم تعد قائمة ، وأن الرد سيتم بأقصى قوة ممكنة. هذا التسارع في الرد يوحي بوجود تفويض مسبق بالتصرف ، بحيث تتحرك الوحدات العسكرية وفق تعليمات محددة مسبقًا لضمان استمرار العمليات منذ اللحظة الأولى دون انتظار تنسيق مركزي مطول.
ما يميز هذه المواجهة أيضاً هو توسيع إيران نطاق الرد منذ البداية ليشمل مناطق خارج إسرائيل ، حيث أشارت تقارير إلى انفجارات في دول خليجية مستهدفة قواعد أمريكية ، ما يحول المواجهة إلى صراع مباشر مع واشنطن. هذا يختلف بوضوح عن ما حدث في يونيو 2025، حين كان الاستهداف الإيراني لقاعدة العديد في قطر رمزياً إلى حد كبير ، وجزءًا من مسار تصعيد محسوب يهدف إلى فتح باب لوقف إطلاق النار.
في الوقت ذاته ، أعلن الحوثيون في اليمن استئناف هجماتهم في البحر الأحمر ، ما يعني أن ساحة المواجهة بدأت تتحول بالفعل إلى مسرح إقليمي متعدد الجبهات، يضم أكثر من طرف وأكثر من هدف.
بصورة عامة ، النمط المبكر للأحداث يعكس صراعاً أكثر تنسيقاً واتساعاً وتصعيداً مقارنة بما شهدته حرب الأيام الاثني عشر.
هناك محاولة واضحة لاستهداف رأس النظام مباشرة ، مع مشاركة أمريكية صريحة ورد إيراني سريع ، وامتداد مبكر إلى ساحات إقليمية متعددة.
السؤال الكبير الآن هو ما إذا كان التصعيد سيبقى ضمن تبادل محسوب يمكن احتواؤه ، أم أن اختفاء الخطوط الحمراء السابقة سيدفع المنطقة نحو حرب إقليمية ممتدة ومعقدة، يصعب السيطرة على مسارها أو احتواؤها سياسياً وعسكرياً.



