ضربات متبادلة وخرائط تتغير : هل بدأ فصل الحرب الإقليمية؟

✍️ يوحنا عزمي
المشهد يتطور بسرعة صادمة ، والاشتباك لم يعد مجرد تبادل رسائل ردع محسوبة ، بل تحول إلى مواجهة مفتوحة تتسع جغرافياً وسياسياً في آن واحد.
إسرائيل تعيش تحت وابل كثيف من الصواريخ الإيرانية ، بينما تحاول تل أبيب تسويق رواية مفادها أنها وجهت ضربات مباشرة إلى ما تصفه بـ«رؤوس النظام» في طهران ، وفي مقدمتهم المرشد الأعلى علي خامنئي والرئيس مسعود بزشكيان.
وسائل إعلام إسرائيلية مثل القناة 12 الإسرائيلية ويديعوت أحرونوت تحدثت عن استهداف قيادات بارزة ، فيما نقلت وكالة رويترز عن مصادر إيرانية معلومات تفيد بمقتل عدد من كبار قادة الحرس الثوري ومسؤولين سياسيين، دون وجود تأكيد حاسم بشأن مصير خامنئي ، مع ترجيحات بأنه نُقل إلى موقع آمن. في المقابل ، برزت أنباء من طهران عن اغتيال علي شمخاني، أحد أبرز مستشاري المرشد والمسؤولين عن الملف النووي ، في خطوة إن صحت فإنها تمثل ضربة سياسية وأمنية ثقيلة.
وفي تطور بالغ الحساسية ، أعلنت وكالة وكالة إيرنا مقتل 36 طالبة في مدرسة جنوب إيران جراء غارة نُسبت إلى تنسيق إسرائيلي ـ أمريكي ، وهو خبر إن ثبتت دقته سيضع الصراع في زاوية أكثر خطورة أخلاقياً وسياسياً ، إذ تحاول طهران تقديم نفسها كطرف يستهدف قواعد عسكرية فقط، بينما تتهم خصومها باستهداف المدنيين.
الرد الإيراني جاء سريعاً ومكثفاً ، أشبه بإطلاق موجات متتابعة من الصواريخ الباليستية في وقت متقارب لإرباك أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية. تقارير موقع والا ، نقلًا عن الجزيرة ، تحدثت عن رصد أكثر من 125 عملية إطلاق، وصل عدد منها إلى أهداف داخل إسرائيل فيما تم اعتراض البقية أو سقطت دون إصابة مباشرة.
الاستراتيجية الإيرانية ، بحسب قراءات عسكرية ، تقوم على تفويض صلاحيات أوسع لقيادات ميدانية أصغر لتنفيذ الضربات دون انتظار أوامر مركزية ، ما يفسر سرعة الرد مقارنة بجولات سابقة ، ويعكس تحولًا في العقيدة العملياتية نحو لامركزية القرار لتفادي شلل القيادة في حال استهدافها.
إيران أعلنت رسمياً أن المصالح والقواعد الأمريكية في المنطقة باتت «أهدافاً مشروعة»، مؤكدة عبر وزارة خارجيتها أن عملياتها تأتي في إطار ما تعتبره حقاً في الدفاع عن النفس وفق القانون الدولي ، ورافضة أي دعوات لوقف الرد باعتبارها محاولة لفرض الاستسلام. هذا الخطاب يعكس تصميماً على توسيع دائرة الضغط، ليس فقط على إسرائيل ، بل على الحضور الأمريكي في الإقليم بأكمله.
الخليج لم يبق خارج دائرة النار. في الإمارات ، أُعلن عن استهداف قاعدة الظفرة الجوية في أبوظبي ، وسُمع دوي انفجارات في دبي، مع تقارير عن سقوط شظايا صاروخية أدت إلى مقتل شخص وإغلاق المجال الجوي.
في قطر ، استُهدفت قاعدة العديد ، بينما طالت الضربات في الكويت قاعدة السالم الجوية. البحرين شهدت تقارير عن استهداف مقر الأسطول الخامس الأمريكي وقاعدة الجفير ، ما يضع الوجود البحري الأمريكي في مرمى التصعيد المباشر.
كما تداولت أنباء عن محاولة استهداف حاملة الطائرات الأمريكية «أبراهام لينكولن» في بحر العرب، وهو تطور إن تأكد فسيعني انتقال الصراع إلى مستوى استراتيجي مفتوح في المياه الدولية.
داخل إسرائيل ، سُمع دوي انفجارات في تل أبيب والقدس وحيفا وعسقلان، ومحيط مطار بن غوريون، مع تسجيل إصابات مباشرة لمبانٍ سكنية ، بينها مبنى من تسعة طوابق في الشمال تم تدميره بالكامل. الإسرائيليون عادوا إلى الملاجئ، في مشهد يعكس حجم الاختراق النسبي للمظلة الدفاعية رغم كثافة الاعتراضات.
السعودية أعلنت سماع انفجارات في الرياض وفق تقارير نقلتها وكالة Associated Press، تبعها إغلاق جزئي للمجال الجوي ، مع دعوات رسمية للمواطنين بالبقاء في منازلهم، وإدانة للهجمات الإيرانية ، مع تأكيد وضع القوات السعودية في حالة استعداد لدعم دول الخليج المستهدفة.
في العراق ، تعرضت منطقة جرف النصر شمال بابل لضربات جوية أسفرت عن سقوط قتلى ، قبل أن تعلن فصائل مسلحة مثل كتائب حزب الله استعدادها لمهاجمة القواعد الأمريكية ، ما ينذر بتحول الساحة العراقية إلى جبهة إضافية.
ما يجري لم يعد مجرد مواجهة ثنائية بين طهران وتل أبيب ، بل شبكة اشتباكات متداخلة تمتد من شرق المتوسط إلى الخليج وبحر العرب. كل طرف يسعى لترسيخ معادلة ردع جديدة ، لكن كثافة النيران ، واتساع رقعة الأهداف ، وتعدد اللاعبين ، تجعل احتمال الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة قائماً بقوة.
الساعات المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان التصعيد سيبقى ضمن حدود الضربات المتبادلة، أم أنه سيتحول إلى مواجهة مفتوحة تعيد رسم خريطة الأمن في الشرق الأوسط بالكامل.



