بين مسرح الردع وحافة الحرب الكبرى : قراءة في الاشتباك الإيراني الإسرائيلي وصراع المحاور الدولية

✍️ يوحنا عزمي
ما يُقدم للرأي العام بوصفه مواجهة إيرانية إسرائيلية بسبب “الخطر النووي” يبدو في هذا الطرح مجرد عنوان دعائي يغطي طبقات أعمق من الحسابات الجيوسياسية. فالسردية هنا تنطلق من أن البرنامج النووي الإيراني لم يولد سراً ولا فجأة ، بل بدأ في خمسينيات القرن الماضي في إطار تعاون مع الولايات المتحدة ضمن برنامج “الذرة من أجل السلام”، ثم تطور لاحقاً بعد ثورة 1979، وبلغ مراحل متقدمة خلال التسعينيات ، أي في فترات كانت فيها موازين القوى الإقليمية والدولية تسمح بمتابعته تحت أعين القوى الكبرى.
ووفق هذا التصور ، فإن بقاء المشروع وتضخيمه لم يكن خطأ استخباراتياً ، بل كان جزءاً من هندسة تهديد دائم يبرر استمرار الوجود الأمريكي في المنطقة، ويُبقي دول الجوار في حالة ارتهان أمني لواشنطن.
ضمن هذا المنظور ، يُفهم الصراع لا كعداء مطلق بين طهران وتل أبيب ، بل كعلاقة اشتباك مُدارة تخدم احتياجات الطرفين في لحظات معينة. إيران تستثمر في خطاب المقاومة وبناء شبكة نفوذ إقليمي تمتد عبر اليمن والعراق ولبنان وسوريا ، فيما يُعرف بمحور أو “طوق نار”، يُستخدم كأداة ردع ضد أي محاولة لإسقاط النظام أو تحجيمه. وفي المقابل ، تستفيد إسرائيل من تضخيم التهديد الإيراني لتعزيز سردية الخطر الوجودي ، وتكريس التفوق العسكري ، وحشد الدعم الغربي غير المشروط.
هكذا يتحول الاشتباك إلى توازن رعب محسوب ، لا يُسمح له غالباً بالانفلات الكامل إلا بقدر ما يخدم إعادة ضبط الإقليم.
وتتوسع الرؤية لتضع روسيا والصين في قلب المعادلة ، باعتبار أن طهران حاولت بعد تضييق الخناق الغربي عليها أن تقترب أكثر من موسكو وبكين ، لتصبح لاعباً وسيطاً بين محورين دوليين متنافسين. فإيران ، في هذا التحليل ، لا تريد أن تُحسم لصالح طرف واحد ، بل أن تظل ورقة ضغط متبادلة.
غير أن أحداث السابع من أكتوبر وما تبعها من تصعيد في شرق المتوسط قلبت الحسابات ، إذ يُقال إن موسكو كانت تراهن على تشتيت الجهد الغربي بعيداً عن أوكرانيا عبر إشعال جبهة جديدة لكن مسار الأحداث لم يمضِ وفق السيناريو المرسوم ، وتعرض “طوق النار” لضربات موجعة ، سواء عبر عمليات اغتيال دقيقة أو استهداف شبكات قيادية ، ما أدى إلى كسر حالة التوازن الضمني.
ومن هنا يُطرح ما يسمى “العرض الإيراني الإسرائيلي” بوصفه جولة محدودة ومضبوطة الإيقاع ، لم تستمر طويلًا ، لكنها مهدت لمرحلة أكبر. فالقصف المتبادل ، والضربات على مواقع نووية يُنظر إليها باعتبارها رسائل محسوبة أكثر منها محاولة تدمير شامل.
ويذهب الطرح إلى أن بعض المواقع التي استُهدفت كانت خالية أو منقوصة الأهمية ، وأن الرسالة لم تكن إنهاء البرنامج بقدر ما كانت تحريك المشهد تمهيداً لتصعيد أوسع قد يجر الولايات المتحدة إلى مواجهة مباشرة ، ليس فقط مع إيران ، بل ضمن صراع أكبر مع الصين ، القوة الصاعدة التي تمثل التحدي الإستراتيجي الأهم لواشنطن في القرن الحادي والعشرين.
في هذا السياق ، يصبح مضيق هرمز وباب المندب نقاط ارتكاز مركزية. فإغلاق أي منهما لا يعني فقط تعطيل صادرات النفط، بل إعادة تشكيل حركة التجارة العالمية بأكملها. صحيح أن الولايات المتحدة باتت من كبار منتجي الطاقة ، لكن ارتفاع الأسعار عالمياً قد يخدمها اقتصادياً ويضغط في الوقت ذاته على خصومها ، خصوصاً الصين التي تعتمد بدرجة كبيرة على طرق الشحن المارة عبر الخليج. ومع ذلك ، فإن إغلاقاً طويل الأمد سيضر أيضاً بإيران نفسها، ما يجعل سيناريو الاستهداف غير المباشر للقواعد الأمريكية في الخليج ، أو إشعال ساحات بالوكالة ، أكثر ترجيحاً من خطوة انتحارية تعزل طهران بالكامل.
ويمتد التحليل إلى الداخل الإسرائيلي ، حيث يُقال إن اليمين واليسار ، رغم خلافاتهما ، يلتقيان عند نقطة توسيع هامش الحركة الاستراتيجية، ولو عبر حرب كبرى تعيد رسم الخرائط. وتُطرح فكرة أن إسرائيل تسعى إلى جر الولايات المتحدة إلى صدام أوسع يضمن لها تفوقاً طويل الأمد ، كما خرجت واشنطن من الحربين العالميتين بقوة أعظم. وفي المقابل ، يُعتقد أن الأنظمة العربية المتحالفة مع الغرب قد تجد نفسها في قلب العاصفة ، إما كأهداف مباشرة أو كساحات ضغط ، في حال تحولت المواجهة المحدودة إلى حرب إقليمية شاملة.
في المحصلة ، هذه القراءة ترى أن ما يجري ليس مواجهة عفوية بسبب تخصيب اليورانيوم ، ولا صراعاً عقائدياً خالصاً ، بل فصل من صراع دولي أكبر يتشكل بين محورين عالميين ، تُستخدم فيه المنطقة العربية كساحة اختبار وإعادة توزيع نفوذ.
أما الحديث عن نصر نهائي أو حسم قريب ، فيبدو ، وفق هذا المنطق ، تبسيطاً لمشهد بالغ التعقيد ، حيث تتقاطع المصالح وتتناقض في آن واحد ، وحيث قد يكون أخطر ما في “العرض” أنه مجرد تمهيد لمرحلة أكثر عنفاً واتساعاً ، لا تُحدد نتائجها بالشعارات ، بل بميزان القوة والتحالفات والقدرة على تحمل كلفة الانفجار الكبير إن وقع.



