هل يتحول الحشد الأمريكي إلى شرارة حرب شاملة في الشرق الأوسط؟

✍️ يوحنا عزمي
طبول الهرمجدون تقرع على إيقاع توتر يتصاعد ببطء ، بينما يقف العالم مترقباً سؤالاً واحداً يتردد في كواليس السياسة الدولية :
هل يختار دونالد ترامب أن يضغط زر الفوضى في ربيع 2026؟
الفكرة لم تعد مجرد مادة للخيال السياسي أو عنواناً مثيراً لجذب القراء، بل تحولت إلى إحتمال يتداوله صناع القرار ومراكز الدراسات مع كل تحرك عسكري جديد في الشرق الأوسط.
تخيل أن تستيقظ ذات صباح لتجد أسعار الوقود وقد قفزت إلى أرقام غير مسبوقة ، وأن شاشات الأخبار تفيض بصور البوارج والطائرات، وأن خرائط المنطقة تتحول إلى مسرح عمليات مفتوح. في تلك اللحظة لن يكون الأمر تحليلاً نظرياً ، بل واقعاً يفرض نفسه على الإقتصاد والأمن والحياة اليومية لملايين البشر.
المشهد يبدأ بحشود عسكرية أمريكية غير اعتيادية ، قطع بحرية عملاقة تتمركز في نقاط حساسة ، وقواعد تعج بالجنود والعتاد في دول محورية من الخليج إلى بلاد الشام.
وجود حاملتي طائرات مثل USS Abraham Lincoln وUSS Gerald R. Ford في مسرح عمليات واحد لا يُقرأ بوصفه استعراض قوة عابر ، بل رسالة إستراتيجية تقول إن واشنطن لا تلوح بالعصا فقط ، بل تمسكها بكلتا يديها. هذا النوع من الحشد لا يُبنى بين ليلة وضحاها ، ولا يُدار بالصدفة ، بل يعكس استعداداً لسيناريوهات تتجاوز الردع التقليدي إلى احتمالات الضربة المباشرة.
لو افترضنا أن القرار اتُخذ ، فإن الساعات الأولى ستكون الأكثر حساسية في تاريخ المنطقة الحديث. هجوم خاطف يعتمد على طائرات شبحية من طراز F-35 Lightning II لتعطيل أنظمة الدفاع الجوي ، يتبعه وابل من الصواريخ الدقيقة نحو منشآت نووية وعسكرية داخل إيران.
الفكرة العسكرية تقوم على شل القدرة على الرد في الدقائق الأولى، لكن الحسابات السياسية أكثر تعقيداً. إيران ليست لاعباً هامشياً، بل دولة تملك شبكة واسعة من الحلفاء وأدوات الرد غير التقليدية، من الصواريخ الباليستية إلى الطائرات المسيرة، وصولاً إلى أوراق ضغط جغرافية حساسة مثل مضيق هرمز الذي يمر عبره جزء ضخم من تجارة الطاقة العالمية. إغلاق هذا الشريان، ولو مؤقتاً، كفيل بإشعال أسواق العالم قبل أن تهدأ أصوات الانفجارات.
في قلب هذا المشهد تقف إسرائيل ، التي ترى في أي مواجهة مع طهران فرصة لإعادة رسم قواعد اللعبة الإقليمية. حكومة بنيامين نتنياهو لطالما اعتبرت المشروع النووي الإيراني تهديداً وجودياً، وأي ضربة أمريكية قد تفتح الباب أمام مشاركة إسرائيلية مباشرة أو غير مباشرة ، ما يوسع رقعة الاشتباك لتشمل جبهات أخرى في لبنان وسوريا. عندها لن تبقى العملية محدودة الأهداف ، بل قد تتحول إلى حرب إقليمية متعددة الساحات، تتداخل فيها الحسابات العسكرية بالرمزية الدينية والتاريخية، وهو ما يضفي على المشهد بعداً أكثر خطورة.
لكن أخطر ما في الحرب ليس فقط عدد الصواريخ أو حجم الدمار، بل الفاتورة الاقتصادية التي ستطال الجميع. قفزة محتملة في أسعار النفط إلى مستويات قياسية ستنعكس فوراً على تكلفة النقل والغذاء والصناعة. الأسواق الناشئة ستكون الأكثر هشاشة ، والدول التي تعتمد على الممرات البحرية ستجد نفسها أمام معادلات معقدة.
في مصر مثلاً ، أي اضطراب في حركة الملاحة قد يؤثر على إيرادات قناة السويس ، ما يضع ضغوطاً إضافية على العملة والتضخم. وفي أوقات القلق الكبرى ، يهرب المستثمرون إلى الملاذات الآمنة ، فيرتفع بريق الذهب بينما تتراجع الثقة في الأصول عالية المخاطر.
وسط هذا التصعيد ، تتحرك عواصم عربية رئيسية في مسارات دبلوماسية هادئة لاحتواء الانفجار قبل وقوعه. القاهرة والرياض وعمان تدرك أن الحرب لن تترك رابحاً حقيقياً ، وأن سنوات من مشاريع التنمية قد تتبخر في أسابيع قليلة. لذلك تُدار اتصالات خلف الأبواب المغلقة لمحاولة صياغة مخرج يحفظ ماء وجه الأطراف ويمنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة. الرهان هنا على أن لغة المصالح ستتغلب في اللحظة الأخيرة على لغة المدافع.
المعادلة في جوهرها لعبة عض أصابع بين إرادة سياسية في واشنطن تسعى لفرض شروطها ، وحسابات في طهران تراهن على أن كلفة المواجهة الشاملة ستجبر خصومها على التراجع.
وبين هذين الرهانين يقف العالم على حافة هاوية ، حيث يمكن لقرار واحد أن يحول التوتر المزمن إلى انفجار واسع ، وربما إلى مواجهة تتجاوز حدود الإقليم. الخوف الحقيقي ليس فقط من حرب تقليدية ، بل من انزلاق غير محسوب قد يفتح أبواباً لا يمكن إغلاقها بسهولة.
إنها لحظة تختبر أعصاب القادة وحكمة الدبلوماسية. فالتاريخ مليء بأمثلة لحروب اندلعت بسبب سوء تقدير أو ثقة مفرطة بالقوة. وفي زمن تتشابك فيه المصالح النووية والاقتصادية والتكنولوجية ، يصبح أي صراع كبير مخاطرة وجودية على الحضارة نفسها.
لذلك يبقى الأمل معقوداً على أن تغلب لغة العقل ، وأن تبقى طبول الحرب مجرد صدى بعيد لا يتحول إلى واقع يعيشه الناس في تفاصيل يومهم ، وأن لا يجد العالم نفسه فجأة أمام فجر مختلف ، عنوانه الدمار بدل الاستقرار.



