مقالات

حين تشتعل السماء فوق طهران : سيناريو الضربة الأمريكية المحتملة على إيران

✍️ يوحنا عزمي

في الشرق الأوسط ، لا تبدأ الحروب بإطلاق الصواريخ ، بل بارتفاع نبرة التصريحات ، وتحرك حاملات الطائرات ، وتسريبات استخباراتية “غير مؤكدة”. وإذا افترضنا أن واشنطن قررت توجيه ضربة عسكرية إلى إيران ، فإن السؤال لن يكون : هل ستقع؟ بل: كيف ستقع؟ وبأي ثمن؟ ولصالح من؟

المرحلة الأولى : التمهيد الصامت

السيناريو المرجح لا يبدأ بإعلان حرب شامل ، بل بضربة محدودة ودقيقة ، تحت عنوان “إعادة الردع”.

قد تتحرك إحدى حاملات الطائرات الأمريكية المتمركزة في الأسطول الخامس في الخليج ، وربما تشارك قاذفات بعيدة المدى من طراز B-2 أو B-52 تنطلق من قواعد خارج المنطقة.

الأهداف في هذه المرحلة لن تكون مدنية أو واسعة النطاق، بل مركزة على :

منشآت مرتبطة بالبرنامج النووي.

مواقع للحرس الثوري.

منصات صواريخ بعيدة المدى.

مراكز قيادة وتحكم.

الرسالة الأمريكية هنا ستكون واضحة : “لسنا في حرب شاملة .. لكننا قادرون على شل قدراتكم خلال ساعات”.

المرحلة الثانية : الرد الإيراني

إيران ليست دولة يمكن أن تبتلع ضربة دون رد. الرد الإيراني قد يأتي عبر عدة مسارات متوازية :

ـ استهداف قواعد أمريكية في الخليج بصواريخ باليستية أو مسيرات.

ـ تحريك أذرعها الإقليمية في العراق وسوريا ولبنان واليمن.

ـ تهديد الملاحة في مضيق هرمز ، الشريان الذي يمر عبره جزء كبير من نفط العالم.

ـ هجمات سيبرانية على بنية تحتية أمريكية أو حليفة.

إغلاق أو تعطيل جزئي لـ”هرمز” وحده كفيل برفع أسعار النفط عالمياً بشكل صادم ، ما يعني أن الحرب لن تبقى محصورة جغرافياً.

المرحلة الثالثة : هل تتدحرج إلى حرب شاملة؟

هنا يكمن الخطر الحقيقي.

إذا سقط عدد كبير من الضحايا الأمريكيين ، ستتعرض الإدارة في واشنطن لضغط داخلي هائل للرد بقوة أكبر. وقد تتحول “الضربة المحدودة” إلى حملة جوية ممتدة تستهدف البنية العسكرية الإيرانية على نطاق واسع.

لكن اجتياحاً برياً أمريكياً يبدو مستبعداً ؛ فالتجربة في العراق وأفغانستان لا تزال حاضرة في الذاكرة السياسية والعسكرية.

المعركة ـ إن اتسعت ـ ستكون جوية ، صاروخية ، وسيبرانية بالدرجة الأولى.

حسابات الربح والخسارة

واشنطن : قد تحقق استعادة مؤقتة للردع ، لكنها تخاطر بفتح جبهة إقليمية متعددة المستويات.

طهران : قد تخسر منشآت وبنية عسكرية ، لكنها قد تستثمر الضربة داخلياً لتعزيز خطاب “الصمود” وتوحيد الجبهة الداخلية.

المنطقة : ستكون الخاسر الأكبر ، اقتصادياً وأمنياً.

المتغير الإسرائيلي

لا يمكن فصل هذا السيناريو عن حسابات إسرائيل ، التي ترى في أي تقدم نووي إيراني تهديداً وجودياً.

إذا شاركت إسرائيل ـ علناً أو ضمنياً ـ فقد تتسع رقعة المواجهة لتشمل جبهات أخرى، خصوصاً في لبنان أو سوريا.

العامل الروسي والصيني

كل من روسيا والصين لن تدخلا حرباً مباشرة مع واشنطن من أجل طهران ، لكنهما قد تقدمان دعماً سياسياً واقتصادياً وعسكرياً غير مباشر ، ما يحول الصراع إلى ساحة تنافس دولي أوسع.

السيناريو الأخطر : سوء التقدير

أخطر ما في الحروب ليس النوايا ، بل سوء الحسابات.

صاروخ يسقط في المكان الخطأ ، أو هجوم يوقع قتلى مدنيين بأعداد كبيرة ، قد يدفع الأطراف إلى تصعيد لم يكن مخططاً له.

وفي منطقة مشبعة بالسلاح والتوترات الطائفية والعرقية، يكفي شرارة واحدة لتتحول “ضربة محسوبة” إلى مواجهة مفتوحة.

الضربة الأمريكية المحتملة على إيران ـ إن حدثت ـ لن تكون حدثاً عسكرياً فحسب ، بل زلزالًا سياسياً واقتصادياً يعيد رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط.

السؤال الحقيقي ليس فقط : من يملك القدرة على إطلاق النار؟ بل : من يملك القدرة على إيقافه بعد أن يبدأ؟

وفي عالم يميل إلى الاستعراض أكثر من الحكمة ، تبقى المنطقة واقفة على حافة هاوية .. تنتظر قراراً قد يُتخذ في غرفة مغلقة ، لكنه سيُسمع صداه في كل عاصمة من الخليج إلى البحر المتوسط.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!