حوار مع معطف قديم

بقلم – جلال الدين محمد
كالممسوس بحث صاحبنا عن ورقة حكومية يحتاجها ولا يعرف أين هي، قلب الأدراج كلها رأسًا على عقب، تفقد هذه الغرفة وتلك، نظر في ملفاته التي يحتفظ فيها بأوراق مضت عليها سنوات وسنوات، حتى تدخلت الخزانة بصدمة على رأسه، وكأنها تقول أوقف هذا الجنون فلو نطقت ألواحي الخشبية لصرخت في وجهك.
رفع صاحبنا رأسه إلى الخزانة وفتحها وهو يتحسس رأسه في ألم. تنفس الصعداء بعدما فطن إلى أنه ترك الورقة في جيب أحد معاطفه الشتوية. اعتاد على فعل هذا الأمر مع الأموال التي يريد ادخارها أو الاوراق المهمة حتى لا تضيع، الأزمة أنه ينسى أين وضعها في كل مرة. لا شيء غريب بالنسبة له فهو يبحث عن نظارته وهو يرتديها!
وقعت عيناه على معاطف قديمة لم يرتديها منذ سنوات، فقد تجاوزها عمره ومقاس جسده فأصبحوا ذكرى في خزانته. ابتسم وقال في نفسه: ماذا لو كانت تلك المعاطف تتحدث؟ ماذا كان يمكن أن تقول؟
بدا له أن المعطف الأزرق ينطق ويقول: ذهبت مع أبيك في العام 2004 لشرائي، وحين بدل ملابسك ركضت في المحل ضاحكًا، وطاردك جميع العاملين فيه في مرح، كدت تضيع من أبيك يومها، والأمر بالنسبة لك لم يكن سوى مزحة أيها الشقي.
رد معطف أسود مجاور، أخبرني لماذا كنت تقف على حافة حوض السباحة في ذلك العُرس، لولا انتباه والدتك لسقطت في الماء. كما أنك أسقطت الحلوى اللذيذة على حذائك يومها، ألم يكن من الأفضل لو تناولتها؟!
تدخل معطف أحمر كان لأبيه وحصل هو عليه في المرحلة الثانوية ليقول: حافظ علي أباك لثلاثين سنة، ومُزقت معك في ثلاثة أشهر! لكن المهم سلامتك يا صديقي، ذلك المعتوه في مدرستك الثانوية أوشك على طعن صاحبه بسلاحه الأبيض وحين أفلت الشاب الذي كنت تقف وراءه في توقيت خاطيء، مزق السلاح الكُم الأيسر بالكامل، ولكن ما رأيك في خامتي؟ لم يتعرض جلدك لخدش حتى، أنا مصنوع من جلد طبيعي.
أما معطف البدلة فلم يُفوت الفرصة وتدخل بدوره في الحوار قائلًا: هل كان يجب أن تذهب للنادي الرياضي يا رجل؟! تغير مقاس أكتافك فلم أعد قادرًا حتى على الدخول في جسدك، خسرت إطلالة رائعة.
ابتسم صاحبنا لمعاطفه القديمة، وهدأ روعه بعد مغامرة البحث عن الورقة الحكومية. ربما انتهت خدمة هذه المعاطف كملابس، ولكن وصفها الوظيفي تغير لتكون خزانة لأسراره وذكرياته.



