الأقصى في قلب العاصفة .. هل يُصنع الحدث الأكبر لخلط أوراق المنطقة؟

✍️ يوحنا عزمي
في لحظة إقليمية شديدة التعقيد ، حيث تتداخل الجبهات العسكرية مع الحسابات السياسية والدينية ، يتصاعد القلق حول ما يجري في محيط المسجد الأقصى ، ليس فقط كحدث منفصل ، بل كجزء محتمل من سياق أوسع يعاد تشكيله على نحو بالغ الحساسية. فالمشهد الحالي لا يمكن قراءته بمعزل عن حالة الانشغال الدولي بالحرب ، ولا عن طبيعة الصراع الذي يتطور تدريجياً من مواجهة تقليدية إلى صراع متعدد الأبعاد ، تتداخل فيه الروايات مع الوقائع.
عند تفكيك الصورة ، يبرز أول خيط في هذا المشهد وهو احتمال توظيف التصعيد العسكري لإعادة توجيه الاتهامات. ففكرة سقوط شظايا صاروخية قرب محيط الأقصى تفتح باب التساؤلات حول طبيعة التعامل الدفاعي ، وهل الأولويات العسكرية قد تُستخدم أحيانًا لصناعة مشهد بصري يخدم رواية سياسية لاحقة. في بيئة حرب إعلامية ، تصبح الصورة أداة لا تقل خطورة عن الصاروخ نفسه، وقد يُسمح بمرور حدث ما إذا كان يخدم سردية أكبر يجري إعدادها.
في السياق ذاته ، تتقاطع هذه الفرضية مع حالة الغموض التي أحاطت بتحركات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وما أُثير حول أماكن تواجده ، بالتزامن مع تصريحات غير حاسمة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. هذا الغموض لا يمكن اعتباره مجرد صدفة في توقيته ، بل قد يُستخدم لخلق بيئة نفسية تمهد لفكرة حساسة للغاية : ربط موقع ديني شديد الرمزية بهدف عسكري محتمل. وهنا تتحول المعلومة – حتى لو كانت غير مؤكدة – إلى أداة تمهيد قد تُستدعى لاحقاً لتبرير حدث أكبر.
الأخطر من ذلك هو أن بعض الخطابات الصادرة عن شخصيات دينية متشددة ، مثل يوسف مزراحي، تطرح سيناريوهات صادمة بشكل مباشر ، تتحدث عن إمكانية تنفيذ عملية منسوبة لطرف خارجي. هذه الطروحات ، حتى وإن بدت متطرفة، تلعب في كثير من الأحيان دور “جس النبض” وتهيئة الرأي العام لفكرة كانت تبدو مستحيلة ، وهو ما يُعرف في العلوم السياسية بعمليات “اختبار القابلية المجتمعية” قبل تمرير قرارات كبرى.
على المستوى الاستراتيجي ، يتقاطع كل ذلك مع توقيت سياسي دقيق داخل الولايات المتحدة ، حيث ترتبط التحركات الإقليمية أحيانًا بدورات انتخابية ومصالح متغيرة. فكرة استغلال نافذة زمنية محدودة لتحقيق أهداف كبرى ليست جديدة في العلاقات الدولية ، بل هي من صميم التفكير البراغماتي للدول ، خاصة حين تشعر أن الظروف الحالية قد لا تتكرر قريباً.
وفي الداخل الفلسطيني ، تتجلى مؤشرات مقلقة تتعلق بتقييد الوصول إلى المسجد الأقصى، وهي خطوات تتجاوز بعدها الأمني إلى بعد رمزي ونفسي عميق. فالمساس بإمكانية العبادة لا يُقرأ فقط كإجراء ميداني ، بل كجزء من محاولة إعادة تشكيل الواقع على الأرض تدريجياً ، تمهيداً لتغييرات أكبر قد لا تكون مفاجئة بقدر ما هي نتيجة تراكمات.
أما البعد الديني في هذا المشهد ، فيظل حاضراً بقوة ، خاصة مع الحديث المتكرر داخل بعض التيارات اليهودية عن طقوس مرتبطة بما يُعرف بـ”البقرة الحمراء”، وهي رمزية دينية ترتبط بفكرة “التطهير” قبل بناء الهيكل. ورغم الجدل الكبير حول مدى واقعية هذه الطروحات أو جاهزيتها ، إلا أن مجرد تداولها بكثافة يعكس وجود خطاب موازٍ يتحرك جنباً إلى جنب مع التحركات السياسية.
في المحصلة ، ما يتشكل أمامنا ليس مجرد سلسلة أحداث منفصلة، بل لوحة معقدة قد تحمل في طياتها محاولة لإعادة تعريف طبيعة الصراع بالكامل. فبدلًا من كونه صراعًا سياسيًا بين احتلال وشعب، قد يُدفع به نحو مسار ديني طائفي واسع ، تتعدد فيه الأطراف وتتشتت فيه البوصلة، وهو ما قد يخدم أطرافًا تسعى لإعادة ترتيب المشهد الإقليمي وفق مصالحها.
وبين كل هذه الاحتمالات ، يظل الوعي والتحليل المتزن هما الأداة الأهم لفهم ما يجري ، بعيداً عن الانجراف خلف رواية واحدة أو استنتاجات نهائية ، لأن أخطر ما في هذه اللحظات ليس فقط ما يحدث ، بل كيف يتم تفسيره وتداوله.



