ابداعات

الليل في أعين الآخرين

 

سامح بسيوني

 

   سألت الاطفال عن الليل: فقالوا هو مخيف يطاردنا فيه كابوس مزعج غادر نتظر فيه خيوط الفجر ليجدد لنا الآمال.

 

وسألت العاشقين عن الليل: فقالوا هو ملاذنا عند اللقاء ونترك مضاجعنا لحبيب طال به الشوق والانتظار ونجلس مع القمر يحرسنا وصوت الكروان يصدح بأجمل الالحان، 

فالليل العاشقين هو كأس الوفاء وإخلاص لهوى الحب ومعبد اللقاء. 

 

 وسألت المدنيين بالديون: فقالوا هم عند الفراش وسبب في هجر النوم وغصة في قلب ضاقت به سبل الحياة فخيوط الفجر انفصلت شبكتها في عين النهار.

 

 وسألت المرضى فقالوا ألم في الليل وغصة في النهار وصبر عند الفجر على أمل الشفاء.

 

وسألت الثكالى: فقالوا هو أنين لا يعلمه إلا الله وغصة في الفؤاد جرح عميق في صدر مليء بالاحزان، فعند قدومه تتجدد الاحزان تتجدد فيه ذاكرة الاحباب ونقف فيه على الاطلال؛ نبكي بكاء طفل فقد أمه في أرض شاسعة الصحراء.

 

وسألت المغترب عن وطنه: فلم يستطع إجابة وفاضت عيناه لحنين وطن وشوق أهل طال بهم اللقاء، وسئم من طول الانتظار وينتظر إياب كصائم في يوم قائظ طال نهاره، ويترقب غروب شمس ليرتوي بماء شديد الريان.

 

وسألت المظلوم عن الليل فقال ابث حزني وشكوايا إلى الله واعلم بأن دعوتي ليس بينها وبين الله حجاب وتنهمر دموعي من ربوة على ظلم طغا في البلاد وانتظر عدالة السماء عند اشراقة الصباح.

 

وسألت الفقراء عن الليل فقالوا نفقد فيه الانيس ونتألم فيه مرارة الجوع ونتقلب ذات اليمين وذات الشمال والنظر يتجه إلى رب رحيم نلجأ إليه من قسوة قلوب تشبه الأحجار.

 

وسألت الأغنياء عن الليل: فقالوا نتتظره بشوق نلهو ونلعب وننسى هموم النهار ونحزن عندما نرى عقارب الوقت تطاردنا ونأمل أن يطيل بنا اللقاء.

 

وسألت الزاهدين والعباد عن الليل: فقالوا هو ساعة الصفاء والنقاء ننتظره بشوق وحنين لنقف بين يدي الخلاق نبث اليه حاجتنا ونتلذذ بالقرب اليه وفقدنا لذة النوم في السحر ونهجع نومنا لنتزود عند اللقاء، وعند قدومه نزيد بالاستغفار لرب كريم ونبتعد عن أهل الدنيا وقد انشغلوا بالهو وباللعب وذهبوا الى مضاجعهم يتلذذون بنوم مريح على فرش من سندس يتلذذون بمتاع زائل في الحياة ونحن نتلذذ بقرب من الحنان المنان بديع الأرض والسموات ونستغيث به في ليل هادئ من ناره المكتظة بالغيظ وشدة قيحها وسوء القرار.

 

وسألت نفسي عن الليل: فقلت هو مزيج ومختلف الأطوار والأشكال فربما يكون مخيفا كطفل يريد ضمة صدر أمه؛ ليشعر بالأمان، ومرات يكون هو مصدر الهامي في هدوئه، فيخرج من بنات أفكاري كنوز أعطاها لى الوهاب.

فالليل عندي هو قيس وعنترة مع حبيب قلبي وعشرة الأيام، فالليل هو مستودع الأسرار والذكريات والتأمل والوجدان والتقرب إلى الله؛ لألحق بركب الرحمن، وأتلذذ بالقرب إليه، والبعد عن دنيا مليئة بالأوهام، فأيها الليل البهيم، اقترب مني فأنا على شوق لك بعد انتهاء النهار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى