مقالات

إيران أمام أخطر فخ سياسي … هل الاتفاق النووي بداية النهاية؟

✍️ يوحنا عزمي

هناك سؤال يفرض نفسه بقوة الآن وسط سيل الأخبار المتدفقة من المنطقة. كيف يمكن لإيران ، بعد كل هذه السنوات من التحدي والمواجهة ورفع شعار رفض الهيمنة الأمريكية، أن توافق فجأة على اتفاق يتضمن التخلي عن مشروعها النووي؟ وهل ما يحدث أمامنا يمثل استسلاماً سياسياً كاملًا ..أم مجرد مناورة مؤقتة تخفي وراءها حسابات أكثر تعقيداً؟

الحقيقة أن المشهد لا يمكن قراءته بهذه البساطة التي يحاول البعض تصديرها للرأي العام ، لأن ما يجري في الكواليس أكبر بكثير من مجرد اتفاق سياسي أو تفاهم دبلوماسي عابر. نحن أمام لعبة دولية معقدة للغاية ، وأي قراءة سطحية لها ستكون مضللة.

أول ما يجب فهمه أن الحديث عن اتفاق لم يُعلن رسمياً حتى هذه اللحظة لا يعني أن الاتفاق أصبح حقيقة نهائية، فالسياسة الدولية لا تعترف بالتسريبات باعتبارها حقائق، خصوصًا في الملفات الحساسة التي قد تتغير فيها المواقف خلال ساعات قليلة.

صحيح أن تقارير صادرة عن وسائل إعلام إيرانية تحدثت عن اقتراب توقيع الاتفاق، وصحيح أيضًا أن تقارير دولية تداولت معلومات عن بنود تتعلق بتراجع إيران عن طموحاتها النووية، لكن غياب الإعلان الرسمي يبقي الباب مفتوحاً أمام احتمالات كثيرة.

السؤال الأخطر هنا ليس : هل ستوقع إيران؟ بل لماذا يتم تسريب هذه المعلومات بهذه الطريقة الآن؟

في تقديري ، جزء كبير مما يتم تداوله يدخل في إطار الحرب النفسية أكثر منه معلومات سياسية نهائية. الهدف ليس فقط الضغط على النظام الإيراني خارجياً بل خلق حالة ارتباك داخلي داخل إيران نفسها، عبر دفع الشعب الإيراني للتساؤل : إذا كانت النتيجة النهائية هي الرضوخ للضغوط الأمريكية ، فلماذا تحملنا سنوات العقوبات والانهيار الاقتصادي والمواجهة التي دفعت البلاد إلى هذا المستوى من الاستنزاف؟

المثير للانتباه أن إسرائيل تبدو اللاعب الأكثر انزعاجًا من احتمال نجاح الاتفاق. وهذا ليس أمرًا عابراً. إسرائيل تدرك جيدًا أن أي اتفاق بين واشنطن وطهران لا يصب في صالحها الاستراتيجي ، ولذلك نلاحظ تصعيداً متزامناً في الميدان، ورسائل عسكرية متبادلة، وتحركات توحي بأن هناك من يحاول إفشال التفاهم في لحظاته الأخيرة.

لكن المفارقة أن هذا التصعيد قد يخدم الولايات المتحدة نفسها. فكلما ظهرت إسرائيل في صورة الطرف الذي يحاول تعطيل الاتفاق، ازدادت رغبة الإيرانيين في إتمامه، باعتباره نوعًا من كسر الإرادة الإسرائيلية ، وهنا تبدأ لعبة المصالح الكبرى التي لا يراها كثيرون.

الأخطر من ذلك أن الاتفاق – إذا تم بالفعل – قد لا يكون هدفه الحقيقي الملف النووي فقط ، بل قد يكون بداية مسار أكبر بكثير يتعلق بإعادة تشكيل الداخل الإيراني نفسه.

إسرائيل تميل دائمًا إلى الحسم العسكري المباشر ، فهي ترى أن إسقاط النظام الإيراني يجب أن يتم عبر المواجهة والصدام. أما الولايات المتحدة فلها مدرسة مختلفة تمامًا، مدرسة تعتمد على إنهاك الأنظمة من الداخل ، خلق بيئات غضب شعبية ، دفع المعارضة إلى الصدام، ثم ترك النظام ينهار تدريجيًا تحت ضغط الشارع.

وهنا تكمن خطورة المشهد.

إذا وافقت القيادة الإيرانية على اتفاق يُنظر إليه داخليًا باعتباره تنازلًا كبيراً، فإنها ستواجه موجة داخلية عنيفة من المعارضة ، ليس فقط من خصومها السياسيين ، بل حتى من التيارات التي دعمتها لسنوات تحت شعار مقاومة الغرب ورفض الهيمنة الأمريكية.

سيبدأ المواطن الإيراني في طرح السؤال الأكثر إيلامًا للنظام: إذا كنتم ستعودون في النهاية للتفاوض والقبول بالشروط الأمريكية، فلماذا دخلنا كل هذه السنوات في صراع دفعنا فيه ثمنًا اقتصاديًا واجتماعيًا هائلًا؟ لماذا تحمل الشعب العقوبات والانهيار والتضخم وتراجع الخدمات الأساسية إذا كانت النهاية هي التراجع؟

ما يزيد المشهد تعقيداً أن الضربات العسكرية الأخيرة لم تكن مجرد رسائل ردع كما يظن البعض، بل استهدفت بنية تحتية حيوية أثرت بشكل مباشر على قدرة الدولة الإيرانية في تلبية احتياجات مواطنيها الأساسية ، وهو ما يخلق بيئة داخلية قابلة للانفجار في أي لحظة.

ومن هنا يمكن فهم أن المشهد ليس كما يظهر على السطح. ليس هناك خلاف حقيقي كما يحاول البعض تصويره بين واشنطن وتل أبيب ، وليس منطقياً تصديق الروايات التي تقدم الإدارة الأمريكية باعتبارها طرفاً منزعجاً من التحركات الإسرائيلية.

كل طرف يؤدي دوره داخل المسرح السياسي الكبير.

لكن هل يعني ذلك أن إيران إذا وقعت الاتفاق تكون قد سلمت نفسها بالكامل للولايات المتحدة؟

الإجابة ليست بهذه البساطة.

إيران دولة تمتلك خبرة طويلة في المناورة السياسية ، وتجيد العمل وفق مبدأ كسب الوقت وإعادة التموضع. حتى لو تم توقيع الاتفاق، لا يوجد ضمان حقيقي بأن تلتزم طهران بكل تفاصيله على المدى الطويل ، خصوصًا في ظل تغير الإدارات الأمريكية أو تغير موازين القوى الدولية مستقبلاً.

ولهذا يبدو أن واشنطن – إذا نجح الاتفاق – لن تعتمد فقط على البنود المكتوبة، بل ستنتقل مباشرة إلى المرحلة التالية ، وهي ممارسة الضغط من الداخل الإيراني نفسه، عبر توسيع حالة السخط الشعبي وإضعاف قدرة النظام على استعادة توازنه.

المشهد إذن أكبر بكثير من مجرد اتفاق نووي.

ما يحدث الآن ليس نهاية الصراع… بل ربما بداية فصل جديد أكثر تعقيدًا وخطورة.

ويبقى السؤال الأهم الذي سيتحدد على أساسه مستقبل المنطقة بالكامل… هل ستقف القوى الكبرى مثل روسيا و مكتوفة الأيدي أمام هذا السيناريو ، أم أن هناك تحركات مضادة يجري إعدادها بالفعل بعيدًا عن الأضواء؟

الأيام القادمة وحدها هي التي ستحمل الإجابة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى