هل ارتبك القرار الأمريكي أم بدأ فصل جديد من الحرب النفسية؟

✍️ يوحنا عزمي
في مشهد يبدو للوهلة الأولى متناقضاً ، خرج ترامب بتصريحات مفاجئة يتحدث فيها عن “مفاوضات بناءة ومثمرة” مع إيران، بالتزامن مع قرار تأجيل ضربة عسكرية كانت تستهدف منشآت الطاقة الإيرانية لمدة خمسة أيام ، باعتبارها “بادرة حسن نية”.
لكن هذا الإعلان لم يمر مرور الكرام ، إذ جاء الرد الإيراني سريعاً وحاسماً ، بنفي قاطع لأي وجود لمفاوضات من الأساس، مع تأكيد التمسك بالموقف التصعيدي دون تغيير.
هذا التناقض العلني لا يمكن قراءته كحدث عابر ، بل هو مؤشر على خلل عميق في توازن الرسائل السياسية بين الطرفين ، ويكشف عن واحدة من حالتين : إما ارتباك داخل دوائر صنع القرار الأمريكي أو مناورة محسوبة ضمن لعبة أكبر لإعادة تشكيل المشهد.
أولًا : أزمة مصداقية أم تكتيك ضغط؟
عندما تعلن واشنطن عن مفاوضات ، بينما تنفيها طهران بشكل قاطع ، فإننا أمام أزمة مصداقية واضحة.
فالدبلوماسية بطبيعتها تقوم على السرية ، لكن النفي العلني بهذا الشكل يضعف الرواية الأمريكية ويمنح إيران فرصة لتقديم نفسها كطرف ثابت لا يتراجع.
في هذا السياق ، قد يُفهم سلوك ترامب على أنه محاولة لخلق انطباع بوجود مسار دبلوماسي ، بهدف تهدئة الأسواق العالمية، خصوصاً في ظل حساسية أسعار الطاقة لأي تصعيد في منطقة الخليج.
لكن في المقابل ، النفي الإيراني يعكس رغبة في تثبيت صورة الصمود وعدم الخضوع للضغط ، وهو ما يمنح طهران تفوقاً دعائياً في هذه الجولة.
ثانياً : معادلة الطاقة .. قلب الصراع الحقيقي
الحديث عن استهداف منشآت الطاقة ليس تفصيلًا عسكرياً ، بل هو جوهر الصراع.
فالولايات المتحدة تدرك أن ضرب البنية التحتية للطاقة في إيران لن يؤدي بالضرورة إلى شلل كامل ، نظراً لتوزع هذه المنشآت وتعددها.
لكن الخطر الحقيقي يكمن في الرد الإيراني المحتمل ، خاصة إذا امتد ليشمل منشآت الطاقة في الخليج أو إسرائيل، وهو سيناريو كفيل بإحداث صدمة عالمية في سوق النفط ، ورفع الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة ، مع ما يحمله ذلك من تداعيات على الإقتصاد الأمريكي نفسه.
ومن هنا ، يبدو أن قرار التأجيل ليس مجرد “بادرة حسن نية”، بل اعتراف ضمني بحجم المخاطر الإستراتيجية لأي تصعيد غير محسوب.
ثالثاً : مضيق هرمز .. ورقة إيران الأخطر
إيران لا تحتاج إلى تدمير شامل لتغيير قواعد اللعبة ، بل يكفيها التلويح بالسيطرة على أحد أهم شرايين الطاقة في العالم: مضيق هرمز.
التصريحات الأخيرة حول فرض رسوم على مرور السفن تمثل تحولًا نوعياً في استخدام هذه الورقة ، من مجرد تهديد عسكري إلى أداة ضغط اقتصادي مباشر.
إذا تم تفعيل هذا التوجه فعلياً ، فإن طهران لن تكتفي بفرض نفوذها الجيوسياسي ، بل ستتحول إلى لاعب اقتصادي قادر على تحقيق عوائد ضخمة ، وهو ما يعيد رسم ميزان القوة في المنطقة.
رابعاً : هل نحن أمام هزيمة سياسية أم إعادة تموضع؟
وصف بعض التحليلات الإسرائيلية للموقف الأمريكي بأنه “استسلام استراتيجي” يعكس زاوية نظر ترى أن واشنطن تراجعت تحت الضغط.
لكن قراءة أكثر عمقًا تشير إلى احتمال آخر : أن ما يحدث هو إعادة تموضع تكتيكي ، وليس انسحاباً.
فالولايات المتحدة تاريخيًا تعتمد على مزيج من الضغط العسكري والتلاعب السياسي والإعلامي ، وقد يكون إعلان “المفاوضات” جزءًا من إستراتيجية تهدف إلى :
تهدئة الأسواق مؤقتاً
اختبار رد الفعل الإيراني
كسب وقت لإعادة ترتيب الخيارات العسكرية
خامساً : سيناريو التلاعب بالأسواق
لا يمكن تجاهل أن تصريحات ترامب تزامنت مع تحركات فورية في الأسواق ، حيث تراجعت أسعار النفط وارتفع الذهب ، وهو ما يعزز فرضية استخدام التصريحات كأداة للتأثير الاقتصادي.
هذا النمط ليس جديداً ، إذ لطالما ارتبطت مواقف ترامب بتقلبات الأسواق ، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر ، ما يفتح الباب أمام احتمال أن يكون ما جرى جزءًا من لعبة أكبر تتجاوز البعد العسكري.
الخلاصة : لحظة ضباب استراتيجي
ما يحدث الآن لا يمكن اختزاله في تراجع أو انتصار حاسم لأي طرف.
نحن أمام لحظة “ضباب استراتيجي” تختلط فيها الرسائل السياسية بالحسابات الاقتصادية ، وتُستخدم فيها التصريحات كسلاح لا يقل أهمية عن الصواريخ.
إيران نجحت حتى الآن في فرض صورة الصمود ، بينما تحاول الولايات المتحدة الحفاظ على توازن دقيق بين الردع وتجنب الانفجار الشامل.
أما السؤال الحقيقي ، فليس : من تراجع؟
بل : هل ما نراه هو نهاية التصعيد أم الهدوء الذي يسبق العاصفة؟



